بعض أحكام القصاص

يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى:الحر بالحر , والعبد بالعبد , والأنثى بالأنثى . فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان . ذلك تخفيف من ربكم ورحمة . فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم . ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون). .

النداء للذين آمنوا . . بهذه الصفة التي تقتضي التلقي من الله , الذي آمنوا به , في تشريع القصاص . وهو يناديهم لينبئهم أن الله فرض عليهم شريعة القصاص في القتلى , بالتفصيل الذي جاء في الآية الأولى . وفي الآية الثانية يبين حكمة هذه الشريعة , ويوقظ فيهم التعقل والتدبر لهذه الحكمة , كما يستجيش في قلوبهم شعور التقوى ; وهو صمام الأمن في مجال القتلى والقصاص.

وهذه الشريعة التي تبينها الآية:أنه عند القصاص للقتلى - في حالة العمد - بقتل الحر بالحر , والعبد بالعبد , والأنثى بالأنثى.

(فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان).

وهذ العفو يكون بقبول الدية من أولياء الدم بدلا من قتل الجاني . ومتى قبل ولي الدم هذا ورضيه , فيجب إذن أن يطلبه بالمعروف والرضى والمودة . ويجب على القاتل أو وليه أن يؤديه بإحسان وإجمال وإكمال . تحقيقا لصفاء القلوب , وشفاء لجراح النفوس , وتقوية لأواصر الأخوة بين البقية الأحياء.

وقد امتن الله على الذين آمنوا بشريعة الدية هذه بما فيها من تخفيف ورحمة:

(ذلك تخفيف من ربكم ورحمة). .

ولم يكن هذا التشريع مباحا لبني إسرائيل في التوراة . إنما شرع للأمة المسلمة استبقاء للأرواح عند التراضي والصفاء.

(فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم). .

وفوق العذاب الذي يتوعده به في الآخرة . . يتعين قتله , ولا تقبل منه الدية . لأن الاعتداء بعد التراضي والقبول , نكث للعهد , وإهدار للتراضي , وإثارة للشحناء بعد صفاء القلوب , ومتى قبل ولي الدم الدية , فلا يجوز له أن يعود فينتقم ويعتدي.

ومن ثم ندرك سعة آفاق الإسلام ; وبصره بحوافز النفس البشرية عند التشريع لها ; ومعرفته بما فطرت عليه من النوازع . . إن الغضب للدم فطرة وطبيعة . فالإسلام يلبيها بتقرير شريعة القصاص . فالعدل الجازم هو الذي يكسر شرة النفوس , ويفثأ حنق الصدور , ويردع الجاني كذلك عن التمادي , ولكن الإسلام فيالوقت ذاته يحبب في العفو , ويفتح له الطريق , ويرسم له الحدود , فتكون الدعوة إليه بعد تقرير القصاص دعوة إلى التسامي في حدود التطوع , لا فرضا يكبت فطرة الإنسان ويحملها ما لا تطيق.

وتذكر بعض الروايات أن هذه الآية منسوخة . نسختها آية المائدة التي نزلت بعدها وجعلت النفس بالنفس إطلاقا: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس . . الآية . . قال ابن كثير في التفسير:" وذكر في سبب نزولها ما رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم . حدثنا أبو زرعة . حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير . حدثني عبد الله بن لهيعة . حدثني عطاء بن دينار . عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى)- يعني إذا كان عمدا - الحر بالحر . . . وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية - قبل الإسلام بقليل . فكان بينهم قتل وجراحات , حتى قتلوا العبيد والنساء , فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا . فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال , فحلفوا ألا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحر منهم , والمرأة منا الرجل منهم . . فنزل فيهم: (الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى). . منسوخة نسختها: (النفس بالنفس). . وكذلك روي عن أبي مالك أنها منسوخة بقوله: (النفس بالنفس)

والذي يظهر لنا أن موضع هذه الآية غير موضع آية النفس بالنفس . . وأن لكل منهما مجالا غير مجال الأخرى . وأن آية النفس بالنفس مجالها مجال الاعتداء الفردي من فرد معين على فرد معين , أو من أفراد معينين على فرد أو أفراد معينين كذلك . فيؤخذ الجاني ما دام القتل عمدا . . فأما الآية التي نحن بصددها فمجالها مجال الاعتداء الجماعي - كحالة ذينك الحيين من العرب - حيث تعتدي أسرة على أسرة , أو قبيلة على قبيلة , أو جماعة على جماعة . فتصيب منها من الأحرار والعبيد والنساء . . فإذا أقيم ميزان القصاص كان الحر من هذه بالحر من تلك , والعبد من هذه بالعبد من تلك , والأنثى من هذه بالأنثى من تلك . وإلا فكيف يكون القصاص في مثل هذه الحالة التي يشترك فيها جماعة في الاعتداء على جماعة?

وإذا صح هذا النظر لا يكون هناك نسخ لهذه الآية , ولا تعارض في آيات القصاص.

ثم يكمل السياق الحديث عن فريضة القصاص بما يكشف عن حكمتها العميقة وأهدافها الأخيرة:

(ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون). .

إنه ليس الانتقام , وليس إرواء الأحقاد . إنما هو أجل من ذلك وأعلى . إنه للحياة , وفي سبيل الحياة , بل هو في ذاته حياة . . ثم إنه للتعقل والتدبر في حكمة الفريضة , ولاستحياء القلوب واستجاشتها لتقوى الله. .

والحياة التي في القصاص تنبثق من كف الجناة عن الاعتداء ساعة الابتداء . فالذي يوقن أنه يدفع حياته ثمنا لحياة من يقتل . . جدير به أن يتروى ويفكر ويتردد . كما تنبثق من شفاء صدور أولياء الدم عند وقوع القتل بالفعل . شفائها من الحقد والرغبة في الثأر . الثأر الذي لم يكن يقف عند حد في القبائل العربية حتى لتدوم معاركه المتقطعة أربعين عاما كما في حرب البسوس المعروفة عندهم . وكما نرى نحن في واقع حياتنا اليوم , حيث تسيل الحياة على مذابح الأحقاد العائلية جيلا بعد جيل , ولا تكف عن المسيل. .

وفي القصاص حياة على معناها الأشمل الأعم . فالاعتداء على حياة فرد اعتداء على الحياة كلها , واعتداء على كل إنسان حي , يشترك مع القتيل في سمة الحياة . فإذا كف القصاص الجاني عن إزهاق حياة واحدة , فقد كفه عن الاعتداء على الحياة كلها . وكان في هذا الكف حياة . حياة مطلقة . لا حياة فرد , ولا حياة أسرة , ولا حياة جماعة . . بل حياة. .

ثم - وهو الأهم والعامل المؤثر الأول في حفظ الحياة - استجاشة شعور التدبر لحكمة الله , ولتقواه:

(لعلكم تتقون). .

هذا هو الرباط الذي يعقل النفوس عن الاعتداء . الاعتداء بالقتل ابتداء , والاعتداء في الثأر أخيرا . . التقوى . . حساسية القلب وشعروه بالخوف من الله ; وتحرجه من غضبه وتطلبه لرضاه.

إنه بغير هذا الرباط لا تقوم شريعة , ولا يفلح قانون , ولا يتحرج متحرج , ولا تكفي التنظيمات الخاوية من الروح والحساسية والخوف والطمع في قوة أكبر من قوة الإنسان!

وهذا ما يفسر لنا ندرة عدد الجرائم التي أقيمت فيها الحدود على عهد النبي [ ص ] وعهد الخلفاء , ومعظمها كان مصحوبا باعتراف الجاني نفسه طائعا مختارا . . لقد كانت هنالك التقوى . . كانت هي الحارس اليقظ في داخل الضمائر , وفي حنايا القلوب , تكفها عن مواضع الحدود . . إلى جانب الشريعة النيرة البصيرة بخفايا الفطر ومكنونات القلوب . . وكان هناك ذلك التكامل بين التنظيمات والشرائع من ناحية والتوجيهات والعبادات من ناحية أخرى , تتعاون جميعها على إنشاء مجتمع سليم التصور سليم الشعور . نظيف الحركة نظيف السلوك . لأنها تقيم محكمتها الأولى في داخل الضمير!

"حتى إذا جمحت السورة البهيمية في حين من الأحيان , وسقط الإنسان سقطة , وكان ذلك حيث لا تراقبه عين ولا تتناوله يد القانون , تحول هذا الإيمان نفسا لوامة عنيفة , ووخزا لاذعا للضمير , وخيالا مروعا , لا يرتاح معه صاحبه حتى يعترف بذنبه أمام القانون , ويعرض نفسه للعقوبة الشديدة , ويتحملها مطمئنا مرتاحا , تفاديا من سخط الله , وعقوبة الآخرة.

إنها التقوى . . إنها التقوى