بعض أحكام الوصية

ثم يجيء تشريع الوصية عند الموت . . والمناسبة في جوها وجو آيات القصاص حاضرة:

كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت - إن ترك خيرا - الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين . فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه . إن الله سميع عليم . فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه . إن الله غفور رحيم. .

وهذه كذلك كانت فريضة . الوصية للوالدين والأقربين . إن كان سيترك وراءه خيرا . وفسر الخير بأنه الثروة . واختلف في المقدار الذي تجب عنده الوصية . والأرجح أنها مسألة اعتبارية بحسب العرف . فقال بعضهم لا يترك خيرا من يترك أقل من ستين دينارا , وقيل ثمانين وقيل أربعمائة . وقيل ألف . . والمقدار الذي يعتبر ثروة تستحق الوصية لا شك يختلف من زمان إلى زمان , ومن بيئة إلى بيئة.

وقد نزلت آيات المواريث بعد نزول آيات الوصية هذه . وحددت فيها أنصبة معينة للورثة , وجعل الوالدان وارثين في جميع الحالات . ومن ثم لم تعد لهما وصية لأنه لا وصية لوارث . لقوله [ ص ]:" إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه , فلا وصية لوارث " . أما الأقربون فقد بقي النص بالقياس إليهم على عمومه . فمن ورثته آيات الميراث فلا وصية له ; ومن لم يرث بقي نص الوصية هنا يشمله . . وهذا هو رأي

بعض الصحابة والتابعين نأخذ به.

وحكمة الوصية لغير الورثة تتضح في الحالات التي توجب فيها صلة القرابة البر ببعض الأقارب , على حين لا تورثهم آيات الميراث لأن غيرهم يحجبهم . وهي لون من الوان التكافل العائلي العام في خارج حدود الوراثة . ومن ثم ذكر المعروف وذكر التقوى:

(بالمعروف حقا على المتقين). .

فلا يظلم فيها الورثة , ولا يهمل فيها غير الورثة ; ويتحرى التقوى في قصد واعتدال , وفي بر وإفضال . . ومع هذا فقد حددت السنة نسبة الوصية , فحصرتها في الثلث لا تتعداه والربع أفضل . كي لا يضار الوارث بغير الوارث . وقام الأمر على التشريع وعلى التقوى , كما هي طبيعة التنظيمات الاجتماعية التي يحققها الإسلام في تناسق وسلام.

فمن سمع الوصية فهو آثم إن بدلها بعد وفاة المورث , وهذا من التبديل بريء:

(فمن بدله بعد ما سمعه , فإنما إثمه على الذين يبدلونه . إن الله سميع عليم). .

وهو - سبحانه - الشهيد بما سمع وعلم . الشهيد للمورث فلا يؤاخذ بما فعل من وراءه . والشهيد على من بدل فيؤاخذه بإثم التبديل والتغيير.

إلا حالة واحدة يجوز فيها للوصي أن يبدل من وصية الموصي . ذلك إذا عرف أن الموصي إنما يقصد بوصيته محاباة أحد , أو النكاية بالوريث . فعندئذ لا حرج على من يتولى تنفيذ الوصية أن يعدل فيها بما يتلافى به ذلك الجنف , وهو الحيف , ويرد الأمر إلى العدل والنصف:

(فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه . إن الله غفور رحيم). .

والأمر موكول إلى مغفرة الله ورحمته لهذا ولذاك . ومشدود إلى مراعاة الله في كل حال , فهي الضمان الأخير للعدل والإنصاف.

وهكذا نجد الأمر في الوصية مشدودا إلى تلك العروة التي شد إليها من قبل أمر القصاص في القتلى . والتي يشد إليها كل أمر في التصور الإيماني وفي المجتمع الإسلامي على السواء.

المصدر: 
الظلال