بعض أحكام صيام رمضان

ولقد كان من الطبيعي أن يفرض الصوم على الأمة التي يفرض عليه الجهاد في سبيل الله , لتقرير منهجه في الأرض , وللقوامة به على البشرية , وللشهادة على الناس . فالصوم هو مجال تقرير الإرادة العازمة الجازمة , ومجال اتصال الإنسان بربه اتصال طاعة وانقياد ; كما أنه مجال الاستعلاء على ضرورات الجسد كلها , واحتمال ضغطها وثقلها , إيثارا لما عند الله من الرضى والمتاع.

وهذه كلها عناصر لازمة في إعداد النفوس لاحتمال مشقات الطريق المفروش بالعقبات والأشواك ; والذي تتناثر على جوانبه الرغاب والشهوات ; والذي تهتف بالسالكيه آلاف المغريات!

وذلك كله إلى جانب ما يتكشف على مدار الزمان من آثار نافعة للصوم في وظائف الأبدان . ومع أنني لا أميل إلى تعليق الفرائض والتوجيهات الإلهية في العبادات - بصفة خاصة - بما يظهر للعين من فوائد حسية , إذ الحكمة الأصيلة فيها هي إعداد هذا الكائن البشري لدوره على الأرض , وتهيئته للكمال المقدر له في حياة الآخرة . . مع هذا فإنني لا أحب أن أنفي ما تكشف عنه الملاحظة أو يكشف عنه العلم من فوائد لهذه الفرائض

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )183)

والتوجيهات ; وذلك ارتكانا إلى الملحوظ والمفهوم من مراعاة التدبير الإلهي لكيان هذا الإنسان جملة في كل ما يفرض عليه وما يوجه إليه . ولكن في غير تعليق لحكمة التكليف الإلهي بهذا الذي يكشف عنه العلم البشري . فمجال هذا العلم محدود لا يتسع ولا يرتقي إلى استيعاب حكمة الله في كل ما يروض به هذا الكائن البشري . أو كل ما يروض به هذا الكون بطبيعة الحال:

(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم , لعلكم تتقون , أياما معدودات , فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ; وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ; فمن تطوع خيرا فهو خير له ; وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون . شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان . فمن شهد منكم الشهر فليصمه , ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر . يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر , ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون). .

إن الله - سبحانه - يعلم أن التكليف أمر تحتاج النفس البشرية فيه إلى عون ودفع واستجاشة لتنهض به وتستجيب له ; مهما يكن فيه من حكمة ونفع , حتى تقتنع به وتراض عليه.

ومن ثم يبدأ التكليف بذلك النداء الحبيب إلى المؤمنين , المذكر لهم بحقيقتهم الأصيلة ; ثم يقرر لهم - بعد ندائهم ذلك النداء - أن الصوم فريضة قديمة على المؤمنين بالله في كل دين , وأن الغاية الأولى هي إعداد قلوبهم للتقوى والشفافية والحساسية والخشية من الله:

(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون). 

وهكذا تبرز الغاية الكبيرة من الصوم . . إنها التقوى . . فالتقوى هي التي تستيقظ في القلوب وهي تؤدي هذه الفريضة , طاعة لله , وإيثارا لرضاه . والتقوى هي التي تحرس هذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية , ولو تلك التي تهجس في البال , والمخاطبون بهذا القرآن يعلمون مقام التقوى عند الله , ووزنها في ميزانه . فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم . وهذا الصوم أداة من أدواتها , وطريق موصل إليها . ومن ثم يرفعها السياق أمام عيونهم هدفا وضيئا يتجهون إليه عن طريق الصيام . . (لعلكم تتقون). .

ثم يثني بتقرير أن الصوم أيام معدودات , فليس فريضة العمر وتكليف الدهر . ومع هذا فقد أعفي من أدائه المرضى حتى يصحوا , والمسافرون حتى يقيموا , تحقيقا وتيسيرا:

(أياما معدودات . فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر). .

وظاهر النص في المرض والسفر يطلق ولا يحدد . فأي مرض وأي سفر يسوغ الفطر , على أن يقضي المريض حين يصح والمسافر حين يقيم . وهذا هو الأولى في فهم هذا النص القرآني المطلق , والأقرب إلى المفهوم الإسلامي في رفع الحرج ومنع الضرر . فليست شدة المرض ولا مشقة السفر هي التي يتعلق بها الحكم إنما هي المرض والسفر إطلاقا , لإرادة اليسر بالناس لا العسر . ونحن لا ندري حكمة الله كلها في تعليقه بمطلق المرض ومطلق السفر ; فقد تكون هناك اعتبارات أخرى يعلمها الله ويجهلها البشر في المرض والسفر ; وقد تكون هناك مشقات أخرى لا تظهر للحظتها , أو لا تظهر للتقدير البشري . . وما دام الله لم يكشف عن علة الحكم فنحن لا نتأولها ; ولكن نطيع النصوص ولو خفيت علينا حكمتها . فوراءها قطعا حكمة . وليس من الضروري أن نكون نحن ندركها.

يبقى أن القول بهذا يخشى أن يحمل المترخصين على شدة الترخص , وأن تهمل العبادات المفروضة لأدنى سبب . مما جعل الفقهاء يتشددون ويشترطون . ولكن هذا - في اعتقادي - لا يبرر التقييد فيما أطلقه النص .فالدين لا يقود الناس بالسلاسل إلى الطاعات , إنما يقودهم بالتقوى . وغاية هذه العبادة خاصة هي التقوى . والذي يفلت من أداء الفريضة تحت ستار الرخصة لا خير فيه منذ البدء , لأن الغاية الأولى من أداء الفريضة لا تتحقق . وهذا الدين دين الله لا دين الناس . والله أعلم بتكامل هذا الدين , بين مواضع الترخص ومواضع التشدد ; وقد يكون وراء الرخصة في موضع من المصلحة ما لا يتحقق بدونها . بل لا بد أن يكون الأمر كذلك . ومن ثم أمر رسول الله [ ص ] أن يأخذ المسلمون برخص الله التي رخصها لهم . وإذا حدث أن فسد الناس في جيل من الأجيال فإن إصلاحهم لا يتأتى من طريق التشدد في الأحكام ; ولكن يتأتى من طريق إصلاح تربيتهم وقلوبهم واستحياء شعور التقوى في أرواحهم . وإذا صح التشدد في أحكام المعاملات عند فساد الناس كعلاج رادع , وسد للذرائع , فإن الأمر في الشعائر التعبدية يختلف , إذ هي حساب بين العبد والرب , لا تتعلق به مصالح العباد تعلقا مباشرا كأحكام المعاملات التي يراعى فيها الظاهر . والظاهر في العبادات لا يجدي ما لم يقم على تقوى القلوب . وإذا وجدت التقوى لم يتفلت متفلت , ولم يستخدم الرخصة إلا حيث يرتضيها قلبه , ويراها هي الأولى , ويحس أن طاعة الله في أن يأخذ بها في الحالة التي يواجهها . أما تشديد الأحكام جملة في العبادات أو الميل إلى التضييق من إطلاق الرخص التي أطلقتها النصوص , فقد ينشيء حرجا لبعض المتحرجين . في الوقت الذي لا يجدي كثيرا في تقويم المتفلتين . . والأولى على كل حال أن نأخذ الأمور بالصورة التي أرادها الله في هذا الدين . فهو أحكم منا وأعلم بما وراء رخصه وعزائمه من مصالح قريبة وبعيدة . . وهذا هو جماع القول في هذا المجال.

بقي أن نثبت هنا بعض ما روي من السنة في حالات متعددة من حالات السفر , في بعضها كان التوجيه إلى الفطر وفي بعضها لم يقع نهي عن الصيام . . وهي بمجموعها تساعد على تصور ما كان عليه السلف الصالح من إدراك للأمر , قبل أن تأخذ الأحكام شكل التقعيد الفقهي على أيدي الفقهاء المتأخرين . وصورة سلوك أولئك السلف - رضوان الله عليهم - املأ بالحيوية , وألصق بروح هذا الدين وطبيعته , من البحوث الفقهية ; ومن شأن الحياة معها وفي جوها أن تنشيء في القلب مذاقا حيا لهذه العقيدة وخصائصها:

1 - عن جابر - رضي الله عنه - قال:خرج رسول الله [ ص ] عام الفتح إلى مكة في رمضان , فصام حتى بلغ "كراع الغميم" فصام الناس . ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس , ثم شرب . فقيل له بعد ذلك:إن بعض الناس قد صام , فقال:" أولئك العصاة . أولئك العصاة " . . [ أخرجه مسلم والترمذي] .

2 - وعن أنس رضي الله عنه - قال:كنا مع النبي [ ص ] في سفر فمنا الصائم ومنا المفطر . فنزلنا منزلا في يوم حار , أكثرنا ظلا صاحب الكساء , ومنا من يتقي الشمس بيده . فسقط الصوام وقام المفطرون , فضربوا الأبنية , وسقوا الركاب , فقال النبي [ ص ] " ذهب المفطرون اليوم بالأجر " . . [ أخرجه الشيخان والنسائي] .

3 - وعن جابر - رضي الله عنه - قال:كان النبي [ ص ] في سفر , فرأى رجلا قد اجتمع عليه الناس , وقد ظلل عليه . فقال:ما له ? فقالوا:رجل صائم . فقال رسول الله [ ص ]:" ليس من البر الصوم في السفر " . . [ أخرجه مالك والشيخان وأبو داود والنسائي] .

4 - وعن عمرو بن أمية الضمري - رضي الله عنه - قال:قدمت على رسول الله [ ص ] من سفر . فقال:انتظر الغداء يا أبا أمية . قلت:يا رسول الله إني صائم . قال:" إذا أخبرك عن المسافر . إنالله تعالى وضع عنه الصيام ونصف الصلاة " . [ أخرجه النسائي] . .

5 - وعن رجل من بني عبد الله بن كعب بن مالك اسمه أنس بن مالك . قال:قال رسول الله [ ص ] " إن الله تعالى وضع شطر الصلاة عن المسافر وأرخص له في الإفطار وأرخص فيه للمرضع والحبلى إذا خافتا على ولديهما " . [ أخرجه أصحاب السنن] .

6 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت:سأل حمزة بن عمرو الأسلمي - رضي الله عنه - رسول الله [ ص ] عن الصوم في السفر . [ وكان كثير الصيام ] فقال:" إن شئت فصم , وإن شئت فأفطر " . [ أخرجه مالك والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي ] وفي رواية أخرى وكان جلدا على الصوم.

7 - وعن أنس - رضي الله عنه - قال:كنا مع النبي [ ص ] فمنا الصائم ومنا المفطر . فلا الصائم يعيب على المفطر , ولا المفطر يعيب على الصائم " . . [ أخرجه مالك والشيخان وأبو داود] .

8 - وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال:خرجنا مع رسول الله [ ص ] في رمضان في حر شديد , حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر ; وما فينا صائم إلا رسول الله [ ص ] وابن رواحة رضي الله عنه . . [ أخرجه الشيخان وأبو داود] .

9 - وعن محمد بن كعب قال:أتيت أنس بن مالك - رضي الله عنه - في رمضان وهو يريد سفرا . وقد رحلت له راحلته , ولبس ثياب سفره , فدعا بطعام فأكل . فقلت له:سنة ? قال:نعم . ثم ركب . . [ أخرجه الترمذي] .

10 - وعن عبيد بن جبير قال:كنت مع أبي بصرة الغفاري - صاحب رسول الله [ ص ] - رضي الله عنه في سفينة من الفسطاط في رمضان . فدفع فقرب غداؤه , فقال:اقترب . قلت:ألست ترى البيوت ? قال:أترغب عن سنة رسول الله [ ص ] ? فأكل وأكلت . . [ أخرجه أبو داود]

11 - وعن منصور الكلبي:أن دحية بن خليفة - رضي الله عنه - خرج من قرية من دمشق إلى قدر قرية عقبة من الفساط , وذلك ثلاثة أميال , في رمضان . فأفطر وأفطر معه ناس كثير . وكره آخرون أن يفطروا . فلما رجع إلى قريته قال:والله لقد رأيت اليوم أمرا ما كنت أظن أن أراه . إن قوما رغبوا عن هدي رسول الله [ ص ] وأصحابه . اللهم أقبضني إليك . . [ أخرجه أبو داود] . .

فهذه الأحاديث في جملتها تشير إلى تقبل رخصة الإفطار في السفر في سماحة ويسر . وترجح الأخذ بها . ولا تشترط وقوع المشقة للأخذ بها كما يشير إلى ذلك الحديثان الأخيران بوجه خاص , وإذا كان الحديث الثامن منها يشير إلى أن رسول الله [ ص ] وحده ظل مرة صائما مع المشقة هو وعبد الله بن رواحة , فقد كانت له [ ص ] خصوصيات في العبادة يعفي منها أصحابه . كنهيه لهم عن مواصلة الصوم وهو كان يواصل أحيانا . أي يصل اليوم باليوم بلا فطر . فلما قالوا له في هذا , قال:" إني لست مثلكم , إني أظل يطعمني ربي ويسقيني " . . [ أخرجه الشيخان ] وثابت من الحديث الأول أنه أفطر وقال عن الذين لم يفطروا:أولئك العصاة . أولئك العصاة . وهذا الحديث متأخر - في سنة الفتح - فهو أحدث من الأحاديث الأخرى . وأكثر دلالة على الاتجاه المختار. .

والصورة التي تنشأ في الحس من مجموع هذه الحالات . . إنه كانت هناك مراعاة لحالات واقعية , تقتضي توجيها معينا - كما هو الشأن في الأحاديث التي تروى في الموضوع العام الواحد , ونجد فيها توجيهات متنوعة-

 

أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184)

فالرسول [ ص ] كان يربي وكان يواجه حالات حية . ولم يكن يواجهها بقوالب جامدة!

ولكن الانطباع الأخير في الحس في أمر الصوم في السفر هو استحباب الفطر , دون تقيد بحصول المشقة بالفعل . . أما المرض فلم أجد فيه شيئا إلا أقوال الفقهاء , والظاهر أنه مطلق في كل ما يثبت له وصف المرض , بلا تحديد في نوعه وقدره ولا خوف شدته , على وجوب القضاء يوما بيوم في المرض والسفر , من غير موالاة في أيام القضاء على الرأي الأرجح.

وقد استطردت هذا الاستطراد لا لأخوض في خلافات فقهية ; ولكن لتقرير قاعدة في النظر إلى الشعائر التعبدية , وارتباطها الوثيق بإنشاء حالة شعورية هي الغاية المقدمة منها . وهذه الحالة هي التي تحكم سلوك المتعبد ; وعليها الاعتماد الأول في تربية ضميره , وحسن أدائه للعبادة وحسن سلوكه في الحياة . . هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى أن نأخذ هذا الدين - كما أراده الله - بتكاليفه كلها , طاعة وتقوى وأن نأخذه جملة بعزائمه ورخصه , متكاملا متناسقا , في طمأنينة إلى الله , ويقين بحكمته , وشعور بتقواه.

ثم نعود إلى استكمال السياق:

(وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين , فمن تطوع خيرا فهو خير له , وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون). .

وفي أول الأمر كان تكليف الصوم شاقا على المسلمين - وقد فرض في السنة الثانية من الهجرة قبيل فرض الجهاد - فجعل الله فيه رخصة لمن يستطيع الصوم بجهد - وهو مدلول يطيقونه - فالإطاقة الاحتمال بأقصى جهد - جعل الله هذه الرخصة , وهي الفطر مع إطعام مسكين . . ثم حببهم في التطوع بإطعام المساكين إطلاقا , إما تطوعا بغير الفدية , وإما بالإكثار عن حد الفدية , كأن يطعم اثنين أو ثلاثة أو أكثر بكل يوم من أيام الفطر في رمضان: (فمن تطوع خيرا فهو خير له). . ثم حببهم في اختيار الصوم مع المشقة - في غير سفر ولا مرض -: (وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون). . لما في الصوم من خير في هذه الحالة . يبدو منه لنا عنصر تربية الإرادة , وتقوية الاحتمال , وإيثار عبادة الله على الراحة . وكلها عناصر مطلوبة في التربية الإسلامية . كما يبدو لنا منه ما في الصوم من مزايا صحية - لغير المريض - حتى ولو أحس الصائم بالجهد.

وعلى أية حال فقد كان هذا التوجيه تمهيدا لرفع هذه الرخصة عن الصحيح المقيم وإيجاب الصيام إطلاقا . كما جاء فيما بعد . وقد بقيت للشيخ الكبير الذي يجهده الصوم , ولا ترجى له حالة يكون فيها قادرا على القضاء . . فأخرج الإمام مالك أنه بلغه أن أنس بن مالك - رضي الله عنه - كبر حتى كان لا يقدر على الصيام فكان يفتدي . . وقال ابن عباس:ليست منسوخة , هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا . . وعن ابن أبي ليلى قال:دخلت على عطاء في رمضان وهو يأكل , فقال:قال ابن عباس نزلت هذه الآية فنسخت الأولى إلا الكبير الفاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينا وأفطر . فالنسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بالآية الآتية: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه. . .).

وتحبيب آخر في أداء هذه الفريضة للصحيح المقيم . . إنها صوم رمضان:الشهر الذي أنزل فيه القرآن - إما بمعنى أن بدء نزوله كان في رمضان , أو أن معظمه نزل في أشهر رمضان - والقرآن هو كتاب هذه الأمة الخالد , الذي أخرجها من الظلمات إلى النور , فأنشأها هذه النشأة , وبدلها من خوفها أمنا , ومكن لها في الأرض , ووهبها مقوماتها التي صارت بها أمة , ولم تكن من قبل شيئا . وهي بدون هذه المقومات ليست أمة وليس لها مكان في الأرض ولا ذكر في السماء . فلا أقل من شكر الله على نعمة هذا القرآن بالاستجابة إلى صوم

 

 

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)

الشهر الذي نزل فيه القرآن:

(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن , هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان . . فمن شهد منكم الشهر فليصمه . ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر). .

وهذه هي الآية الموجبة الناسخة لرخصة الإفطار والفدية بالنسبة للصحيح المقيم - فيما عدا الشيخ والشيخة كما أسلفنا:

(فمن شهد منكم الشهر فليصمه). .

أي من حضر منكم الشهر غير مسافر . أو من رأى منكم هلال الشهر . والمستيقن من مشاهدة الهلال بأية وسيلة أخرى كالذي يشهده في إيجاب الصوم عليه عدة أيام رمضان.

ولما كان هذا نصا عاما فقد عاد ليستثني منه من كان مريضا أو على سفر:

(ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر). .

وتحبيب ثالث في أداء الفريضة , وبيان لرحمة الله في التكليف وفي الرخصة سواء:

(يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). .

وهذه هي القاعدة الكبرى في تكاليف هذه العقيدة كلها . فهي ميسرة لا عسر فيها . وهي توحي للقلب الذي يتذوقها , بالسهولة واليسر في أخذ الحياة كلها ; وتطبع نفس المسلم بطابع خاص من السماحة التي لا تكلف فيها ولا تعقيد . سماحة تؤدي معها كل التكاليف وكل الفرائض وكل نشاط الحياة الجادة وكأنما هي مسيل الماء الجاري , ونمو الشجرة الصاعدة في طمأنينة وثقة ورضاء . مع الشعور الدائم برحمة الله وإرادته اليسر لا العسر بعباده المؤمنين.

وقد جعل الصوم للمسافر والمريض في أيام أخر , لكي يتمكن المضطر من إكمال عدة أيام الشهر , فلا يضيع عليه أجرها:

(ولتكملوا العدة).

والصوم على هذا نعمة تستحق التكبير والشكر:

(ولتكبروا الله على ما هداكم . ولعلكم تشكرون). .

فهذه غاية من غايات الفريضة . . أن يشعر الذين آمنوا بقيمة الهدى الذي يسره الله لهم . وهم يجدون هذا في أنفسهم في فترة الصيام أكثر من كل فترة . وهم مكفوفو القلوب عن التفكير في المعصية , ومكفوفو الجوارح عن إتيانها . وهم شاعرون بالهدى ملموسا محسوسا . ليكبروا الله على هذه الهداية وليشكروه على هذه النعمة . ولتفيء قلوبهم إليه بهذه الطاعة . كما قال لهم في مطلع الحديث عن الصيام: (لعلكم تتقون). .

وهكذا تبدو منة الله في هذا التكليف الذي يبدو شاقا على الأبدان والنفوس . وتتجلى الغاية التربوية منه , والإعداد من ورائه للدور العظيم الذي أخرجت هذه الأمة لتؤديه , أداء تحرسه التقوى ورقابة الله وحساسية الضمير.

المصدر: 
فى ظلال القران