وقت الإمساك والإفطار والإعتكاف في المساجد

ثم يمضي السياق يبين للذين آمنوا بعض أحكام الصيام . فيقرر لهم حل المباشرة للنساء في ليلة الصوم ما بين المغرب والفجر , وحل الطعام والشراب كذلك , كما يبين لهم مواعيد الصوم من الفجر إلى الغروب , وحكم المباشرة في فترة الاعتكاف في المساجد:

(أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم , هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ; علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم ; فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم , وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر , ثم أتموا الصيام إلى الليل , ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد . تلك حدود الله فلا تقربوها . كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون).

وفي أول فرض الصوم كانت المباشرة والطعام والشراب تمتنع لو نام الصائم بعد إفطاره . فإذا صحا بعد نومه من الليل - ولو كان قبل الفجر - لم تحل له المباشرة ولم يحل له الطعام والشراب . وقد وقع أن بعضهم لم يجد طعاما عند أهله وقت الإفطار , فغلبه النوم , ثم صحا فلم يحل له الطعام والشراب فواصل . ثم جهد في النهار التالي وبلغ أمره إلى النبي [ ص ] كما وقع أن بعضهم نام بعد الإفطار أو نامت امرأته , ثم وجد في نفسه دفعة للمباشرة ففعل وبلغ أمره إلى النبي [ ص ] وبدت المشقة في أخذ المسلمين بهذا التكليف , فردهم الله إلى اليسر وتجربتهم حاضرة في نفوسهم , ليحسوا بقيمة اليسر وبمدى الرحمة والاستجابة . . ونزلت هذه الآية . نزلت تحل لهم المباشرة ما بين المغرب والفجر:

(أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم). .

والرفث مقدمات المباشرة , أو المباشرة ذاتها , وكلاهما مقصود هنا ومباح . . ولكن القرآن لا يمر على هذا المعنى دون لمسة حانية رفافة , تمنح العلاقة الزوجية شفافية ورفقا ونداوة , وتنأى بها عن غلظ المعنى الحيواني وعرامته , وتوقظ معنى الستر في تيسير هذه العلاقة:

هن لباس لكم وأنتم لباس لهن. .

واللباس ساتر وواق . . وكذلك هذه الصلة بين الزوجين . تستر كلا منهما وتقيه . والإسلام الذي يأخذهذا الكائن الإنساني بواقعه كله , ويرتضي تكوينه وفطرته كما هي , ويأخذ بيده إلى معارج الارتفاع بكليته . . الإسلام وهذه نظرته يلبي دفعة اللحم والدم . وينسم عليها هذه النسمة اللطيفة , ويدثرها بهذا الدثار اللطيف . . في آن. .

ويكشف لهم عن خبيئة مشاعرهم , وهو يكشف لهم عن رحمته بالاستجابة لهواتف فطرتهم:

(علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم . فتاب عليكم وعفا عنكم). .

وهذه الخيانة لأنفسهم التي يحدثهم عنها , تتمثل في الهواتف الحبيسة , والرغبات المكبوتة ; أو تتمثل في الفعل ذاته , وقد ورد أن بعضهم أتاه . . وفي كلتا الحالتين لقد تاب عليهم وعفا عنهم , مذ ظهر ضعفهم وعلمه الله منهم . . فأباح لهم ما كانوا يختانون فيه أنفسهم:

(فالآن باشروهن). .

ولكن هذه الإباحة لا تمضي دون أن تربط بالله , ودون توجيه النفوس في هذا النشاط لله أيضا:

وابتغوا ما كتب الله لكم)). .

ابتغوا هذا الذي كتبه الله لكم من المتعة بالنساء , ومن المتعة بالذرية , ثمرة المباشرة . فكلتاهما من أمر الله , ومن المتاع الذي أعطاكم إياه , ومن إباحتها وإتاحتها يباح لكم طلبها وابتغاؤها . وهي موصولة بالله فهي من عطاياه . ومن ورائها حكمة , ولها في حسابه غاية . فليست إذن مجرد اندفاع حيواني موصول بالجسد , منفصل عن ذلك الأفق الأعلى الذي يتجه إليه كل نشاط.

بهذا ترتبط المباشرة بين الزوجين بغاية أكبر منهما , وأفق أرفع من الأرض ومن لحظة اللذة بينهما . وبهذا تنظف هذه العلاقة وترق وترقى . . ومن مراجعة مثل هذه الإيحاءات في التوجيه القرآني وفي التصور الإسلامي ندرك قيمة الجهد المثمر الحكيم الذي يبذل لترقية هذه البشرية وتطويرها , في حدود فطرتها وطاقتها وطبيعة تكوينها . وهذا هو المنهج الإسلامي للتربية والاستعلاء والنماء . المنهج الخارج من يد الخالق . وهو أعلم بمن خلق , وهو اللطيف الخبير.

وكما أباح المباشرة أباح الطعام والشراب في الفترة ذاتها:

وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر)). .

أي حتى ينتشر النور في الأفق وعلى قمم الجبال . وليس هو ظهور الخيط الأبيض في السماء وهو ما يسمى بالفجر الكاذب . وحسب الروايات التي وردت في تحديد وقت الإمساك نستطيع أن نقول:إنه قبل طلوع الشمس بقليل . وإننا نمسك الآن وفق المواعيد المعروفة في قطرنا هذا قبل أوان الإمساك الشرعي ببعض الوقت . . ربما زيادة في الاحتياط. .

قال ابن جرير - بإسناده - عن سمرة بن جندب:قال:قال رسول الله [ ص ]:" لا يغرنكم نداء بلال وهذا البياض , حتى ينفجر الفجر أو يطلع الفجر " . . ثم رواه من حديث شعبة وغيره عن سواد بن حنظلة عن سمرة قال:قال رسول الله [ ص ]:" لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل , ولكنه الفجر المستطير في الأفق " . . والفجر المستطير في الأفق يسبق طلوع الشمس بوقت قليل . . وكان بلال - رضي الله عنه - يبكر في الأذان لتنبيه النائم , وكان ابن أم مكتوم يؤذن متأخرا للإمساك . وإلى هذا كانت الإشارة إلى أذان بلال. .

ثم يذكر حكم المباشرة في فترة الاعتكاف في المساجد . والاعتكاف - بمعنى الخلوة إلى الله في المساجد . وعدم دخول البيوت إلا لضرورة قضاء الحاجة , أو ضرورة الطعام والشراب - يستحب في رمضان في الأيام الأخيرة . وكانت سنة رسول الله [ ص ] في العشر الأواخر منه . . وهي فترة تجرد لله . ومن ثم امنتعت فيها المباشرة تحقيقا لهذا التجرد الكامل , الذي تنسلخ فيه النفس من كل شيء , ويخلص فيه القلب من كل شاغل:

ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد)). .

 

وفي النهاية يربط الأمر كله بالله على طريقة القرآن في توجيه كل نشاط وكل امتناع . كل أمر وكل نهي . كل حركة وكل سكون:

تلك حدود الله فلا تقربوها)). .

والنهي هنا عن القرب . . لتكون هناك منطقة أمان . فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه . والإنسان لا يملك نفسه في كل وقت ; فأحرى به ألا يعرض إرادته للامتحان بالقرب من المحظورات المشتهاة , اعتمادا على أنه يمنع نفسه حين يريد . ولأن المجال هنا مجال حدود للملاذ والشهوات كان الأمر: (فلا تقربوها). . والمقصود هو المواقعة لا القرب . ولكن هذا التحذير على هذا النحو له إيحاؤه في التحرج والتقوى:

(كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون). .

وكذلك تلوح التقوى غاية يبين الله آياته للناس ليبلغوها , وهي غاية كبيرة يدرك قيمتها الذين آمنوا , المخاطبون بهذا القرآن في كل حين