تحريم أكل أموال الناس بالباطل

وفي ظل الصوم , والامتناع عن المأكل والمشرب , يرد تحذير من نوع آخر من الأكل:أكل أموال الناس بالباطل , عن طريق التقاضي بشأنها أمام الحكام اعتمادا على المغالطة في القرائن والأسانيد , واللحن بالقول والحجة . حيث يقضي الحاكم بما يظهر له , وتكون الحقيقة غير ما بدا له . ويجيء هذا التحذير عقب ذكر حدود الله , والدعوة إلى تقواه , ليظللها جو الخوف الرادع عن حرمات الله:

(ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون).

ذكر ابن كثير في تفسير الآية:" قال علي بن أبي طلحة وعن ابن عباس:هذا في الرجل يكون عليه مال , وليس عليه فيه بينة , فيجحد المال , ويخاصم إلى الحكام , وهو يعرف أن الحق عليه , وهو يعلم أنه آثم آكل الحرام . وكذا روي عن مجاهد وسعيد بن جبير , وعكرمة والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وعبد الرحمان بن زيد بن أسلم أنهم قالوا:لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم . وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة أن رسول الله [ ص ] قال:" إنما أنا بشر , وإنما يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له , فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من نار . فليحملها أو ليذرها" . .

وهكذا يتركهم لما يعلمونه من حقيقة دعواهم . فحكم الحاكم لا يحل حراما , ولا يحرم حلالا . إنما هو ملزم في الظاهر . وإثمه على المحتال فيه.

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )189

وهكذا يربط الأمر في التقاضي وفي المال بتقوى الله . كما ربط في القصاص , وفي الوصية وفي الصيام . فكلها قطاعات متناسقة في جسم المنهج الإلهي المتكامل . وكلها مشدودة إلى تلك العروة التي تربط قطاعات المنهج كله . . ومن ثم يصبح المنهج الإلهي وحدة واحدة . لا تتجزأ ولا تتفرق . ويصبح ترك جانب منه وإعمال جانب , إيمانا ببعض الكتاب وكفرا ببعض . . فهو الكفر في النهاية . والعياذ بالله. .

المصدر: 
فى ظلال القران