ظاهرة ربط التشريعات بتقوى الله

هذا الدرس - كسابقه - استطراد في بيان فرائض هذه الأمة وتكاليفها , ونظم حياتها , وأحكام شريعتها فيما بينها , وشريعتها مع غيرها من الأمم حولها.

ويتضمن هذا الدرس بيانا عن الأهلة - جمع هلال - كما يتضمن تصحيحا لعادة جاهلية وهي إتيان البيوت من ظهورها بدلا من أبوابها في مناسبات معينة , ثم بيانا عن أحكام القتال عامة , وأحكام القتال في الأشهر الحرم , وعند المسجد الحرام خاصة . وفي النهاية بيانا لشعائر الحج والعمرة كما أقرها الإسلام وهذبها , وعدل فيها كل ما يمت إلى التصورات الجاهلية.

وهكذا نرى هنا - كما رأينا في الدرس السابق - أحكاما تتعلق بالتصور والاعتقاد , وأحكاما تتعلق بالشعائر التعبدية , وأحكاما تتعلق بالقتال . . كلها تتجمع في نطاق واحد , وكلها يعقب عليها تعقيبات تذكر بالله وتقواه.

في موضوع إتيان البيوت من ظهورها يجيء تعقيب يصحح معنى البر , وأنه ليس في الحركة الظاهرة إنما هو في التقوى: (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى , وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون). .

وفي القتال بصفة عامة يوجههم إلى عدم الاعتداء , ويربط هذا بحب الله وكرهه . (إن الله لا يحب المعتدين). .

وفي القتال في الشهر الحرام يعقب بتقوى الله: (واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين). .

وفي الإنفاق يعقب بحب الله للمحسنين: (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين). .

وفي التعقيب على بعض شعائر الحج يقول: (واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب). .

وفي التعقيب الآخر على بيان مواقيت الحج والنهي عن الرفث فيه والفسوق والجدال يقول: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب). .

وحتى في توجيه الناس لذكر الله بعد الحج يجيء التعقيب: (واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون). .

وهكذا نجد هذه الأمور المتعددة مرتبطة ارتباطا وثيقا , ناشئا من طبيعة هذا الدين , الذي لا تنفصل فيه الشعائر التعبدية , عن المشاعر القلبية , عن التشريعات التنظيمية , ولا يستقيم إلا بأن يشمل أمور الدنيا وأمور الآخرة , وشؤون القلب وشؤون العلاقات الاجتماعية والدولية , وإلا أن يشرف على الحياة كلها , فيصرفها وفق تصور واحد متكامل , ومنهج واحد متناسق , ونظام واحد شامل , وأداة واحدة هي هذا النظام الخاص الذي يقوم على شريعة الله في كافة الشؤون.

دلالات من سؤال الصحابة للرسول عن شؤون حياتهم

وهناك ظاهرة في هذه السورة تطالعنا منذ هذا القطاع . تطالعنا في صورة مواقف يسأل فيها المسلمون نبيهم [ ص ] عن شؤون شتى , هي الشؤون التي تصادفهم في حياتهم الجديدة , ويريدون أن يعرفوا كيف يسلكون فيها وفق تصورهم الجديد , ووفق نظامهم الجديد . وعن الظواهر التي تلفت حسهم الذي استيقظ تجاه الكون الذي يعيشون فيه. .

فهم يسألون عن الأهلة . . ما شأنها ? ما بال القمر يبدو هلالا , ثم يكبر حتى يستدير بدرا , ثم يأخذ في التناقص حتى يرتد هلالا , ثم يختفي ليظهر هلالا من جديد?

ويسألون ماذا ينفقون ? من أي نوع من مالهم ينفقون ? وأي قدر وأية نسبة مما يملكون?

ويسألون عن القتال في الشهر الحرام وعند المسجد الحرام . هل يجوز?

ويسألون عن الخمر والميسر ما حكمهما ? وقد كانوا أهل خمر في الجاهلية وأهل ميسر!

ويسألون عن المحيض ? وعلاقتهم بنسائهم في فترته . ثم يسألون عن أشياء في أخص علاقاتهم بأزواجهم , وأحيانا تسأل فيها الزوجات أنفسهن.

وقد وردت أسئلة أخرى في موضوعات متنوعة في سور أخرى من القرآن أيضا. .

وهذه الأسئلة ذات دلالات شتى:

فهي أولا دليل على تفتح وحيوية ونمو في صور الحياة وعلاقاتها , وبروز أوضاع جديدة في المجتمع الذي جعل يأخذ شخصيته الخاصة , ويتعلق به الأفراد تعلقا وثيقا ; فلم يعودوا أولئك الأفراد المبعثرين , ولا تلك القبائل المتناثرة . إنما عادوا أمة لها كيان , ولها نظام , ولها وضع يشد الجميع إليه ; ويهم كل فرد فيه أن يعرف خطوطه وارتباطاته . . وهي حالة جديدة أنشأها الإسلام بتصوره ونظامه وقيادته على السواء . . حالة نمو اجتماعي وفكري وشعوري وإنساني بوجه عام.

وهي ثانيا دليل على يقظة الحس الديني , وتغلغل العقيدة الجديدة وسيطرتها على النفوس , مما يجعل كل أحد يتحرج أن يأتي أمرا في حياته اليومية قبل أن يستوثق من رأي العقيدة الجديدة فيه , فلم تعد لهم مقررات سابقة في الحياة يرجعون إليها , وقد انخلعت قلوبهم من كل مألوفاتهم في الجاهلية , وفقدوا ثقتهم بها ; ووقفوا ينتظرون التعليمات الجديدة في كل أمر من أمور الحياة . . وهذه الحالة الشعورية هي الحالة التي ينشئها الإيمان الحق . عندئذ تتجرد النفس من كل مقرراتها السابقة وكل مألوفاتها , وتقف موقف الحذر من كل ما كانت تأتيه في جاهليتها , وتقوم على قدم الاستعداد لتلقي كل توجيه من العقيدة الجديدة , لتصوغ حياتها الجديدة على أساسها , مبرأة من كل شائبة . فإذا تلقت من العقيدة الجديدة توجيها يقر بعض جزئيات من مألوفها القديم تلقته جديدا مرتبطا بالتصور الجديد . إذ ليس من الحتم أن يبطل النظام الجديد كل جزئية في النظام القديم ; ولكن من المهم أن ترتبط هذه الجزئيات بأصل التصور الجديد , فتصبح جزءا منه , داخلا في كيانه , متناسقا مع بقية أجزائه . . كما صنع الإسلام بشعائر الحج التي استبقاها . فقد أصبحت تنبثق من التصور الإسلامي , وتقوم على قواعده , وأنبتت علاقتها بالتصورات الجاهلية نهائيا.

والدلالة الثالثة تؤخذ من تاريخ هذه الفترة ; وقيام اليهود في المدينة والمشركين في مكة بين الحين والحين بمحاولة التشكيك في قيمة النظم الإسلامية , وانتهاز كل فرصة للقيام بحملة مضللة على بعض التصرفات والأحداث - كما وقع في سرية عبد الله بن جحش وما قيل من اشتباكها في قتال مع المشركين في الأشهر الحرم - مما كان يستدعي بروز بعض الاستفهامات والإجابة عليها , بما يقطع الطريق على تلك المحاولات ; ويسكب الطمأنينة واليقين في قلوب المسلمين . . ومعنى هذه الدلالة أن القرآن كان دائما في المعركة . سواء تلك المعركة الناشئة في القلوب بين تصورات الجاهلية وتصورات الإسلام ; والمعركة الناشئة في الجو الخارجي بين الجماعة المسلمة وأعدائها الذين يتربصون بها من كل جانب.

هذه المعركة كتلك ما تزال قائمة . فالنفس البشرية هي النفس البشرية ; وأعداء الأمة المسلمة هم أعداؤها . . والقرآن حاضر . . ولا نجاة للنفس البشرية ولا للأمة المسلمة إلا بإدخال هذا القرآن في المعركة , ليخوضها حية كاملة كما خاضها أول مرة . . وما لم يستيقن المسلمون من هذه الحقيقة فلا فلاح لهم ولا نجاح!

وأقل ما تنشئه هذه الحقيقة في النفس . . أن تقبل على هذا القرآن بهذا الفهم وهذا الإدراك وهذا التصور . أن تواجهه وهو يتحرك ويعمل وينشىء التصور الجديد , ويقاوم تصورات الجاهلية , ويدفع عن هذه الأمة , ويقيها العثرات . لا كما يواجهه الناس اليوم نغمات حلوة ترتل , وكلاما جميلا يتلى , وينتهي أمر . . إنه لأمر غير هذا نزل الله القرآن . . لقد نزله لينشىء حياة كاملة , ويحركها , ويقودها إلى شاطىء الأمان بين الأشواك والعثرات , ومشقات الطريق ; التي تتناثر فيها الشهوات كما تتناثر فيها العقبات . والله المستعان