الإعداد والجهاد في سبيل الله

 إنّ من سنن الله تعالى التدافع بين الحق والباطل قال الله تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة : 251]، بما شرع لهم من أساليب الدفع، ومنها فريضة الجهاد في سبيل الله، فإنّ قوام الدين بالكتاب الذي يهدي إلى الصراط المستقيم، وبالجهاد الذي ينصر الكتاب ويحمي الشريعة، وقد جمع الله بينهما في قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25]. قال السعدي رحمه الله: "يقول تعالى :{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ} وهي الأدلة والشواهد والعلامات الدالة على صدق ما جاءوا به وحقيقته {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ} وهو اسم جنس يشمل سائر الكتب، التي أنزلها الله لهداية الخلق وإرشادهم، وإلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم. {وَالْمِيزَانَ} وهو العدل في الأقوال والأفعال. وذلك {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} قياماً بدين الله، وتحصيلاً لمصالحه التي لا يمكن حصرها وعدها. هذا دليل على أنّ الرسل متفقون في قاعدة الشرع، وهو القيام بالقسط، وإن اختلفت صور العدل، بحسب الأزمنة والأحوال. {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} من آلات الحرب كالسلاح والدروع وغير ذلك. {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} وهو ما يشاهد من نفعه في أنواع الصناعات والحرف، حتى أنّه قل أن يوجد شيء إلاّ وهو يحتاج إلى الحديد {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ} أي ليقيم تعالى سوق الامتحان بما أنزله من الكتاب والحديد، فيتبين من ينصره، وينصر رسله في حال الغيب. {إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} أي لا يعجزه شيء، ولا يفوته هارب. ومن قوته وعزته أن أنزل الحديد، الذي منه الآلات القوية، ومن قوته وعزته أنّه قادر على الانتصار من أعدائه، ولكنّه يبتلي أولياءه بأعدائه، ليعلم من ينصره بالغيب. وقرن تعالى بهذا الموضع بين الكتاب والحديد، لأنّ بهذين الأمرين ينصر الله دينه، ويعلي كلمته: بالكتاب الذي فيه الحجة والبرهان، والسيف الناصر بإذن الله، وكلاهما قيامه بالعدل والقسط، الذي يستدل به على حكمة الباري وكماله، وكمال شريعته التي شرعها على ألسنة رسله".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهاتان السبيلان الفاسدتان - سبيل من انتسب إلى الدين ولم يكمله بما يحتاج إليه من السلطان والجهاد والمال، وسبيل من أقبل على السلطان والمال والحرب، ولم يقصد بذلك إقامة الدين - هما سبيل المغضوب عليهم والضالين. الأولى للضالين النصارى، والثانية للمغضوب عليه اليهود. وإنّما الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، هي سبيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وسبيل خلفائه وأصحابه ومن سلك سبيله. فإنّ قوام الدين بالكتاب الهادي، والحديد الناصر، كما ذكره الله تعالى. فعلى كل أحد الاجتهاد في اتفاق القرآن والحديد لله تعالى، ولطلب ما عنده، مستعيناً بالله في ذلك".
وقال تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60]، يأمر الله تعالى بإعداد العدة وبذل الوسع في ذلك باتخاذ القوة وتحصيل أسبابها من رباط الخيل وهذا مما يحصل به إرهاب الأعداء في ذلك الزمان والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فيجب على الأمة أن تتخذ من العدة والسلاح في هذا الزمان ما يحصل به إرهاب الأعداء. ولمّا كان الإعداد من صناعة للسلاح وتجهيز للغزاة، وتحصيل لوسائل القوة والإعداد يتطلب جهاداً بالمال قال الله تعالى: {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}.
قال الشيخ السعدي رحمه الله: "{وَأَعِدُّواْ} لأعدائكم الكفار، الساعين في هلاككم، وإبطال دينكم، {مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} أي: كل ما تقدرون عليه، من العقلية والبدنية، وأنواع الأسلحة ونحو ذلك، مّما يعين على قتالهم، فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات من المدافع والرشاشات، والبنادق والطائرات الجوية، والمراكب البرية، والقلاع، والخنادق، وآلات الدفاع، والرأي والسياسة التي بها يتقدم المسلمون ويندفع عنهم به شر أعدائهم، وتعَلُّم الرمي والشجاعة والتدبير.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إنّ القوة الرمي» ومن ذلك: الاستعداد بالمراكب المحتاج إليها عند القتال، ولهذا قال تعالى: {وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ} وهذه العلة موجودة فيها في ذلك الزمان، وهي إرهاب الأعداء، والحكم يدور مع علته. فإذا كان شيء موجوداً أكثر إرهاباً منها، كالسيارات البرية والهوائية، المعدة للقتال التي تكون النكاية بها أشد، كنت مأموراً بالاستعداد بها، والسعي لتحصيلها، حتى إنّها إذا لم توجد إلاّ بتعليم الصناعة، وجب ذلك لأنّ (ما لا يتم الواجب إلاّ به، فهو واجب)".
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: «ألا إنّ القوة الرمي .. ألا إنّ القوة الرمي .. ألا إنّ القوة الرمي»، وقال صلى الله عليه وسلم: «ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم الله، فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأس همه». وعن فقيم اللخمي قال لقبة بن عامر: "تختلف بين هذين الغَرَضين وأنت كبير يشق عليك". قال عقبة: "لولا كلام سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أعانه". قال الحارث: أحد الرواة . فقلت لابن شماسة: راويه عن فقيم، وما ذاك. قال: إنّه قال: «من علم الرمي ثم تركه، فليس منا، أو قد عصى». وقال صلى الله عليه وسلم: «ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً».
ومن الإعداد: تحريض المسلمين على الجهاد في سبيل الله كما قال تعالى:{فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} [النساء : 84]، وتربية الأجيال المسلمة على العزة والشجاعة والقوة ، من خلال وسائل الدعوة ودور التربية والتعليم، وأن يُذكّر المسلمون بفضائل الجهاد ويُرغّبوا فيه فإنّ الله تعالى نفى تسوية القاعدين بالمجاهدين فقال تعالى: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } [النساء: 95-96]. وقال تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التوبة : 19-22].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل. قال: «إيمان بالله ورسوله». قيل ثم ماذا. قال: «الجهاد في سبيل الله». قيل ثم ماذا. قال: «حج مبرور». وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي النّاس أفضل. قال: «مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله ». قال: ثم مَنْ. قال: «رجل معتزل في شِعب من الشعاب يعبد ربّه، ويدع النّاس من شره». وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رجلاً قال: يا رسول الله دلَّني على عمل يعدل الجهاد. قال صلى الله عليه وسلم: «لا أجده. ثم قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر» . قال الرجل: ومن يستطيع ذلك ؟ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ في الجنّة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض». وقال صلى الله عليه وسلم: «مقام الرجل في الصف أفضل عند الله من عبادة الرجل ستين سنة». وقال صلى الله عليه وسلم: «رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل». قال النحاس: "وفي هذا الحديث دليل واضح على أنّ إقامة المرابط يوماً واحداً بأرض الرباط على الثغور، أفضل من الإقامة ألف يوم فيما سواه من المنازل، ولو كانت مكة أو المدينة أو بيت المقدس".
ومن الإعداد أن يحوّل الكلام النظري إلى واقع عملي، تزكى فيه النفوس، وتنمى فيه القدرات والمهارات القتالية من خلال التدريب والتمرين، فإنّ الخوف من حمل السلاح، وعد الصبر على مشقة القتال إنّما يزول بالممارسة والمعالجة الطويلة حتى يصبح حمل السلاح والصبر على الجهاد أمراً مألوفاً. وما الشعوب المترفة التي ألفت حياة الدعة والتنعم وسكنت إلى الراحة، ولم تترب على الصبر والقوة ولم تعتد خشونة العيش، فإنّها تكون صيداً سهلاً وغنيمة باردةً لأعدائها فلا تتحمل الصعاب ولا تقوى على مقاومة الأعداء قال تعالى: {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ..} [التوبة :42]. وقال تعالى: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} [التوبة :81].
ورغم أنّ فريضة الإعداد واجبة على المسلمين بما يحصل به من إرهاب الأعداء ودفع كيدهم وعدوانهم على بلاد الإسلام، وحماية الثغور، وإقامة الدين والجهاد في سبيل الله فقد تخاذل كثير من الأمة عن هذه الفريضة تخاذلاً مذلاً، وتركوا قضايا الأمة إلى الكفار، يفصلون فيها ويقتسمون أراضي الأمة وخيراتها ، كما هو مشاهد اليوم في فلسطين وكوسوفو ومنطقة القفقاز وغيرها، وكل هذا الكيد والعدوان على الأمة الإسلامية يتم باسم السلام والأمن، وأي جهاد للدفاع عن الإسلام والمسلمين فهو إرهاب ممنوع، وقد انخدع بتلبيسهم الماكر وقلبه للحقائق وتسميتهم الأسماء بغير اسمها بعض المسلمين، فقابلوا احتلال الكفار لبلاد المسلمين، ومحاربتهم عقيدتهم واغتصابهم ثرواتهم، بالدعوة إلى السماحة وأنّ دين الإسلام هو دين السماحة وهي كلمة حق أريد بها باطل، حين يقابل بها الأعداء المغتصبون الذين يجب جهادهم، وإظهار القوة وإعداد العدة لاستئصال شرهم وبغيهم قال تعالى: {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [التوبة :13-15].
أو يدعوا الاعتراف من هيئة الأمم وأخذ الإذن منها، والرجوع والتحاكم إليها في مشروعية الجهاد بالنفس والمال، وهذا من التحاكم إلى الطاغوت الذي أمر الله تعالى بالكفر به فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً} [النساء: 60]. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم داء هذه الأمة وضعفها ودواءه وقوتها بياناً شافياً، في قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً، لاينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم». وقال صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قيل يا رسول الله أمن قلة نحن يومئذ ؟ قال: لا ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يجعل الوهن في قلوبكم، وينزع الرعب من قلوب أعدائكم، لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت»، وفي رواية «قالوا : وما الوهن يا رسول الله قال: حبكم للدنيا وكراهيتكم للقتال».
فتسليط الذل على هذه الأمة، عقوبة لها لارتكابها المحرمات كالربا وركونها إلى الدنيا وانشغالها بها وتركها الجهاد في سبيل الله، ولا ينزع هذا الذل والضعف وتكالب الأعداء عليها إلاّ برجوعها إلى الجهاد في سبيل الله وزهدها بالدنيا. قال ابن النحاس رحمه الله: "إذا ترك النّاس الجهاد، وأقبلوا على الزرع ونحوه، تسلط العدو عليهم، لعدم تأهبهم له، وعدم استعدادهم لمواجهته، ولرضاهم بما هم فيه من الأسباب الدنيوية، ولذلك يوقع الله بهم الذل والهوان عقوبة لهم، لا يتخلصون منه حتى يرجعوا إلى أداء ما أوجبه الله عليهم، من جهاد الكفار، وإقامة الدين، ونصرة الإسلام وأهله".
فالحياة الكاملة الكريمة في الدنيا، وحياة النعيم الخالد في الآخرة، إنّما تنال بطاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والجهاد في سبيل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ..} [الأنفال :24]. قال عروة بن الزبير في الآية: " أي للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم".
وقد اتفق العلماء على أنّ الكفار إذا دخلوا بلاد الإسلام فإنّ الجهاد في هذه الحالة يصبح فرض عين لا يجوز التخلف عنه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأمّا قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعاً، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان". وقال: "وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنّه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنّه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم ونصوص أحمد صريحة بهذا".
وقال القرطبي: "إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار، أو بحلوله بالعُقر، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافاً وثقالاً، شباباً وشيوخاً، كلٌ على قدر طاقته، من كان له أب بغير إذنه ومن لا أب له، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج، من مقاتل أو مكثر. فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة، حتى يعلموا أنّ فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم. وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنّه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضاً الخروج إليهم، فالمسلمون كلهم يدٌ على من سواهم، حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو عليها واحتل بها سقط الفرض عن الآخرين ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضاً الخروج إليه، حتى يظهر دين الله وتحمى البيضة وتحفظ الحوزة ويخزى العدو ... ولا خلاف في هذا .. ".
قال ابن عبد البر: "فرض عام متعين على كل أحد مّمن يستطيع المدافعة والقتال وحمل السلاح من البالغين الأحرار وذلك أن يحل العدو بدار الإسلام محارباً لهم، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافاً وثقالاً وشباباً وشيوخاً ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر، وإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا قلوا أو كثروا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة حتى يعلموا أنّ فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنّه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضاً الخروج إليهم فالمسلمون كلهم يد على من سواهم حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو عليها واحتل بها سقط الفرض عن الآخرين، ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضاً الخروج".
ومن الأدلة على هذا الحكم المجمع عليه قول الله تعالى: {انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة:41]. وقال تعالى: {وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} [التوبة:36].
وقد ذم الله تعالى الذين أرادوا الرجوع إلى منازلهم يوم الأحزاب فقال: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً * وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً } [الأحزاب:12-13].
وكما أنّ الله تعالى أوجب الجهاد بالنفس فقد أوجب الجهاد بالمال وحث عليه ورغب فيه فإنّ الجهاد يقوم على أمرين:
الأول: الجهاد بالنفس وهو أن يبذل العبد نفسه ابتغاء مرضات الله، ونصرة لدينه، ودفاعاً عن حرماته.
الثاني: الجهاد بالمال وهو الذي يحصل به إنشاء المصانع الحربية، وشراء السلاح، والعتاد، والطعام، ووسائل النقل والاتصال، والمواد الطبية وغير ذلك. ولهذا ذكر الله تعالى الجهاد بالمال في آخر آية الإعداد فقال: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} إلى قوله {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}.
وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يغز أو يجهز غازياً، أو يخلف غازياً في أهله بخير، أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة». وعن زيد بن خالد رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا ، ومن خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا». وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق في سبيل الله فوافق ذلك مالاً عندي. فقلت في نفسي: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً فجئت بنصف مالي. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك ؟» قلت: مثله . قال: وأتى أبو بكر الصديق بكل ما عنده. فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله . فقلت: لا أسابقك في شئ أبداً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأمّا النفاق الأصغر: فهو النفاق في الأعمال ونحوها: مثل أن يكذب إذا حدث، ويخلف إذا وعد ، ويخون إذا أؤتمن، ومن هذا الباب: الإعراض عن الجهاد فإنّه من خصال المنافقين. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق». وقد أنزل الله سورة براءة التي تسمى الفاضحة لأنّها فضحت المنافقين. أخرجاه في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "هي الفاضحة، ما زالت تنزل ومنهم ومنهم حتى ظنوا أنّ لا يبقى أحد إلاّ ذكر فيها". وعن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: "هي سورة البحوث لأنّها بحثت عن سرائر المنافقين". وعن قتادة قال: "هي المثيرة لأنّها أثارت مخازي المنافقين". وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "هي المبعثرة والبعثرة والإثارة متقاربان". وهذه السورة نزلت في آخر مغازي النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، عام تسع من الهجرة، وقد عز الإسلام وظهر فكشف الله فيها أحوال المنافقين، ووصفهم فيها بالجبن، وترك الجهاد. ووصفهم بالبخل عن النفقة في سبيل الله، والشح على المال. وهذان داءان عظيمان: الجبن والبخل، قال صلى الله عليه وسلم: «شر ما في المرء شح هالع وجبن خالع»، ولهذا قد يكونان من الكبائر الموجبة للنّار كما دل عليه قوله: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ..} [آل عمران: 180]. وقال تعالى: {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال:16].
وأمّا وصفهم بالجبن والفزع فقال تعالى: {وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} [سورة التوبة:56-57]، فأخبر سبحانه أنّهم وإن حلفوا أنّهم من المؤمنين فما هم منهم، ولكن يفزعون من العدو {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً} يلجئون إليه من المعاقل والحصون التي يفر إليها من يترك الجهاد، {أَوْ مَغَارَاتٍ} وهي جمع مغارة. ومغارات سميت بذلك لأنّ الداخل يغور فيها، أي يستتر، كما يغور الماء. {أَوْ مُدَّخَلاً} وهو الذي يتكلف الدخول إليه، إمّا لضيق بابه، أو لغير ذلك. أي مكاناً يدخلون إليه. ولو كان الدخول بكلفة ومشقة {لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} أي يسرعون إسراعاً لا يردهم شيء، كالفرس الجموح الذي إذا حمل لا يرده اللجام.
وقال في وصفهم بالشح: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة :54 ]. فهذا حال من أنفق كارهاً فكيف بمن ترك النفقة رأساً. وقال: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة :34] فهذا يندرج فيه من كنز المال عن النفقة الواجبة في سبيل الله. والجهاد أحق الأعمال باسم الله، سواءاً كان ملكاً أو مقدماً أو غنياً أو غير ذلك".
وقال شيخ الإسلام: "ومن عجز عن الجهاد ببدنه وقدر على الجهاد بماله وجب عليه الجهاد بماله وهو نص أحمد في رواية أبي الحكم وهو الذي قطع به القاضي في أحكام القرآن في سورة براءة عند قوله: {انفروا خفافاً وثقالاً} فيجب على الموسرين النفقة في سبيل الله وعلى هذا فيجب على النّساء الجهاد في أموالهن إن كان فيها فضل وكذلك في أموال الصغار إذا احتيج إليها كما تجب النفقات والزكاة وينبغي أن يكون محل الروايتين في واجب الكفاية فأمّا إذا هجم العدو فلا يبقى للخلاف وجه، فإن دفع ضررهم عن الدين والنفس والحرمة واجب إجماعاً. ولذلك قلت لو ضاق المال عن إطعام جياع والجهاد الذي يتضرر بتركه قدمنا الجهاد وإن مات الجياع كما في مسألة التترس وأولى فإنّ هناك نقتلهم بفعلنا وهنا يموتون بفعل الله".
والأمة اليوم بحاجة إلى التخطيط المحكم، والعمل الجاد إلى بلوغ الأهداف المنشودة وهي نصرة الإسلام والدفاع عن بلاد الإسلام، ولو كانت هذه الأهداف لا تتحقق إلاّ بعد سنوات من العمل والجهاد. وما نراه اليوم يحدث في بلاد المسلمين من تشريد وتهجير وسفك للدماء وهتك للأعراض، وهم عُزّل عن السلاح ووسائل القوة، وما نراه من الأمة الإسلامية من ضعف وتأخر في نصرة المسلمين المستضعفين بعد أن سفكت الدماء وانتهكت الحرمات واغتصبت المسلمات، كل هذا يدل على غياب التخطيط المسبق لقضايا الأمة، وترك الإعداد لمواجهة الأعداء، وضعف التعاون والتناصر بين المسلمين.
أحلّ الكفر بالإسلام ضيمـــاً يطول عليه للدين النحيـــبُ
فحقٌ ضائعٌ وحمىً مبــــاحٌ وسيف قاطعٌ ودمٌ صبيـــبُ
وكم من مسلمٍ أمسى سليبـــاً ومسلمة لها حرمٌ سليــــبُ
وكم من مسجدٍ جعلوه ديــرا على محرابه نصب الصليـــبُ
أمورٌ لو تأملهن طفــــــلٌ لطَّفل في عوارِضِهِ المشيـــبُ
أتسبى المسلمات بكل ثغــــرٍ وعيش المسلمين إذاً يطيـــبُ؟
أما لله والإسلام جنـــــدٌ تدافع عنه شبانٌ وشيــــبُ
فقل لذوي البصائرِ حيث كانـوا أجيبوا الله ويحكمُ أجيـــيبوا
وفي وقت أصبحت التحالفات العسكرية بين النصارى مع اختلاف شعوبهم وبين اليهود والنصارى، هي الطريقة الأقوى لتحقيق الأطماع وتنفيذ الكيد والمكر في محاربة الإسلام قال تعالى: {وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال :73].
وقد استطاعوا صناعة الأسلحة المدمرة إرهاباً وتخويفاً لخصومهم، وحرموها على المسلمين، ودعموا إسرائيل بالأموال وفتحوا السبل أمّا المنظمات اليهودية وغيرها أن تجمع التبرعات مساندة للحكومة الصهيونية، وحجروا على الهيئات الخيرية الإسلامية وتجار المسلمين أن يجاهدوا بالمال في سبيل الله وأرهبوهم بدعوى الإرهاب، ويساند هذا الكيد والمكر أنظمة ووسائل إعلام مضللة جعلت الحق باطلاً والباطل حقاً. وأمام هذه الضغوط السياسية والإعلامية، ضعفت بعض النفوس وأمسكت بعض الأيادي عن الإنفاق، فتحقق بعض ما أراده اليهود والنصارى في حربهم لفريضة الجهاد التي تقف سداً منيعاً يحول دون تحقيق أطماعهم في أراضي وثروات المسلمين. وقد نهى الله تعالى عباده عن طاعة من تجب طاعته كالوالدين إذا أمرا بمعصية .. فكيف بطاعة الكفار من اليهود والنصارى في معصية الله قال تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ} [المائدة :49]. وقال تعالى: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} [الإسراء: 73-75]. وقال: {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } [الأحزاب: 1-2]. إنّ العودة الصادقة إلى دين الله تعالى،عقيدة صحيحة وشريعة تحكمنا ونتحاكم اليها وهوية تجمعنا ونجتمع عليها, وإلى الإعداد والجهاد في سبيل الله بالنفس والمال هي بداية التحول التاريخي للأمة بإذن الله، وهي القوة الرادعة التي يحمى بها الدين والدماء والأعراض والأموال ، وهي الطريق إلى النصر والتمكين وإقامة شريعة الله تعالى في الأرض. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف :10-13].
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
المصدر: 
موقع طريق الاسلام