عُلو الهمة

 إن الهمة لغة جاءت من الفعل هَمَمَ....والهمُّ هو الحزن وانشغال البال بمسألة،وقيل ما أقلقك..؟؟ وماذا بك . والهمة واحدةٌ من الهِممْ،والمهماتُ من الأمور وهي الشدائد المحرقةُ وهَمّهُ السقم إذا أذابه....والهُمام هو العظيم الهمة الذي إذا هَمَّ بأمر أمضاه بنشاط وجد...فكأنه من شدةِ تعبه يسيل عرقه كأنه يذوب...ويمكن لك أن تقول انه لعالي الهمة أو لعظيم الهمةِ أو لحقير الهمة أو لبعيد الهمة.

إن كل من يوصف بأنه عالي الهمةِ هو الذي يطلب عظائم الأمور وشدائدها......فالجد طابعه والإباء والترفع عن الصغائر والدنايا والطموح إلى المعالي واستحواذ القضية التي يطلبها عليه وكل ما يدور في هذا المعنى هي الظواهر لعالي الهمة،ويقابلها وضيع الهمة الذي يغلب عليه الكسل والتسفل والضِعّة والرضى بالدنايا والاستخذاء والصغائر والميل للهزل ومبادلة المواقف أو المساومة عليها أو حتى عرضها للبيع.

إن علو الهمة حتى يسمَّى (علو همة) لا بد له ان يتعلق بقضيةٍ سامية فالاستخذاء والتذلل لا يحتاج إلى علو همة للوصول إليه وكذلك لا يسمى الاستخذاء والتذلل قضية سامية ، فالقضية السامية:هي الأمور التي تواضع عليها أو عينتها مجموعة من الناس جمعتهم هذه القضية.....فقد تكون القضية رفع ظلم أو تحقيق عدل أو خوف من عدو داهم،ويحتاج تحقيقها إلى كدّ وشدةٍ وإصرار،فالكذب والخيانة والغش والبخل أفعال مذمومة في عرف الناس وفاعلها لا يسمّى عالي همه وأما الصدق والكرم والإقدام وإنصاف المظلوم والدفاع عن العرض فإنها أفعال محمودة في عرف الناس وصاحبها يسمّى عالي الهمة.

إن القضية السامية إن حملها فرد فإنها لا تتعلق به وحده وان حملها وحده وإنما تتعداه لغيره بين مؤيد لها أو معارضٍ لها ولكنه بعلو همته يعتبرها قضيته، ولسنا هنا في موقع محاكمة هذه القضية من جهة الخطأ أو الصواب و إنما نحن بصدد التعرض لعلو همة حامل هذه القضية،ويشرح هذا الفهم موقف امرؤ القيس في طلبه لملك والده حين قال:

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه

وأيقـن أنا لاحقاً بقيصرا

فقلـت لـه لا تبك عينك إنمـا

نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا

فإنه قد فهم أن هذه القضية التي يحملها ليست سهلة المنال وإنما هي مشقة كلها ويمكن أن يموت قبل الوصول اليها فإن مات فإنه معذور لموته ولبذله أغلى ما يملك في سبيل الوصول لهذه الغاية التي يطلبها ويجري عليها إجراء الحياة أو الموت .

إن التفاوت بين الرجال في علو هممهم حاصل فكلما كانت قضيته واضحة له كان تعلقه بها اكبر بل وتصغر في عينه المطالب الدنيا فلا يشغل نفسه بالدناءات ولا بمحقرات الأمور ويبقى دائماً في منائً عن الشذوذات الفكرية وتناقض المواقف وسيره في اتجاه واحدٍ دائماً حتى لا يهدر طاقاته أو تنسيه هذه في خضمّ هذه المواقف المتناقضة بل ويدرك غيره موقفه من الأحداث حتى قبل وقوعها.

إن علو الهمة هو خُلق مكتسب فلا يولد القائد قائداً بل ينمّى بالتعليم والتلقي والممارسة وصقل النفس صقلاً يتوافق مع القضية التي يحملها، وهو بهذا المعنى يصيغ نفسه صياغة ويؤهلها حتى تكون الوعاء المؤهل لحضانة هذه القضية والحاملة لها،فالجبن والبخل والشح وعدم التشكي وتحمل الفواجع والترفع عن محقرات الأمور وصغارها و نشدان المعالي وطلب الكمال وكل ما يدور ضمن هذا الإطار هي من الأخلاق المكتسبة، ان النظرة عند عالي الهمة هي نظرة تصاعدية متطلعة إلى آفاق الكمال فكان عليه أن يدرك حق نفسه عليه وحق القضية التي يحملها في ضبط علاقاته، ويشرح هذا الفهم وصية عبد الملك بن مروان لوالده الوليد حين قال له (يا بنيَّ....إن لأبيك صنائع قد رسخت في المجد أصولها، وأورقت في العلا فروعها ،وانتشرت عند الناس ذكرها ،فلا تهدمنّ ما شرُفَ لك بناؤه، وأضاء لك ضياؤه،فكفي من سوء رأي المرء وقبح أثره وضِعَةِ نفسه أن يهدم ما قد شُيدَ له من فضل و رفيع بناء)

إن عال الهمة هو الذي يستحوذ عليه مراده ويسخّر له كل طاقاته لبلوغه، خدمة للقضية التي يؤمن بها،وهنا لابد من التفريق بين علو الهمة فيما يتعلق بالعلوم أو بلوغ مراد أو اختراع ،والكد والمثابرةِ للوصول للنتائج،وهذا يستوي فيه الكافر والمسلم سواء أكان علم جبر أم هندسة أم أي علم من العلوم التطبيقية،وقد يوصف هذا العالم أو ذاك بأنه مستنير في هذه الجزئية.

إن اينشتاين والخوارزمي مثلاً كل منهما كان عال الهمة في جدَّه ومثابرته لبلوغ مراده،ولكن الفرق بينهما شاسع واسع بَّيَن فان الخوارزمي قد انطلق تدفعه عقيدته نحو العلم خدمة لها بينما اينشتاين قد بدأ من الفكر السطحي ثم انتقل إلى الفكر العميق ولم يتجاوزه رغم براعته فيه ،الا أنه لم يتوصل بصحيح نظره للخالق المدبر لهذا الكون واجب الوجود والطاعة،فانه وان كان عال الهمة في جانب معين فلم يكن عال الهمة في جوانب أخرى....وكذلك الحال مثل هتلر وموسوليني وستالين وأديسون.....نعم كانوا عالي الهمة في جانب وحمقى في الجانب العقائدي.

إن العلوم وطلبها ليس غاية بحد ذاته وإنما يسخر هذا العلم للقضية العقائدية التي يحملها هذا العالم أو هذا القائد أو هذا المعتقد لهذه العقيدة وهذا هو علو الهمة الذي نقصده وهذا يعني انه لابد من وجود القاعدة الفكرية والفكر الأساسي لكل عال همة وأن يقيم الدليل العقلي على صحتها.

إن وجود قاعدةٍ فكرية ثابتةٍ صحيحة يستند إليها عال الهمة اصل حتى تكون هي الدافع لمثابرته وبذل جهده وأن تكون هي المنظم له في كل علاقاته ويستمد منها الأمان والاطمئنان ؛ فصاحب الهمة العالية لا يكون له إلا لون واحد ووجه واحد وموقف واحد في كل الأحوال والظروف ولا يتلون بلون الواقع لعلةٍ يتعللها أو ذريعة يختبئ وراءها ،إذ ان القضية التي يحملها قضيته هو لا قضية غيره يحملها نيابة عنه،فلا وجود ولا محل للحيرة او للتردد او وجود بونٍ بين علو همته في القول وعلو همته في الفعل بل هُوَ هُوَ في قوله وفعله.

فقد روى الترمذي عن حذيفة قال:قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (لا تكونوا إمّعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا وأن ظلموا ظلمنا، ولكن وطّنوا أنفسكم إن احسن الناس أن تحسنوا وان اساؤوا فلا تظلموا) والامعة هو الذي لا رأي ولا عزم له فهو يتابع غيره على رأيه ولا يثبت على شيء .

ان كل عال همة في جزيئة محددةٍ قد طلب الدنيا وحدها فانه حين بلوغه أربه؟ يستكبر في الأرض وكأنه لا يأتي عليه الفناء،فيتولد من هذا الأمر الكبر والعجب والصلف والاختيال فسرعان ما ينهدم بناؤه أو تذهب دعوته بذهابه فان ايثار الحياة الدنيا يولد طغياناً في النفوس وذلك لان من جعل كل همة وهمته الحياةَ الدنيا فلا بد أن يوجه لها كل طاقات مطامعه وتتحدد فيها كل شراهة نفسه وهذا يسوق حتماً الى الطغيان وصدق الله العظيم (فَأَمَّا مَن طَغَى{37} وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا{38} فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى{39} وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى{40} فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى{41}) ( النازعات ) والتاريخ شاهد على كل ذي همة من الكفار أو الطواغيت حين جعل الدنيا همه وهمته كيف كان مآله ونهايته منذ فجر التاريخ وإلى اليوم فهتلر وموسوليني ونابليون ومصطفى كمال وشاوشيسكو وشاه ايران وما السادات منكم ببعيد.

ان المسلم الذي نطق الشهادتين وآمن إيماناً راسخا بأن الله هو الموجِد من عدم وأن نهاية هذه الدنيا هي مقدمة للآخرة وأن يوم الحساب لاريب فيه وأن النار حق وأن الجنة حق لَيَدْفَعَهُ كل هذا لأن يشمر عن ساعد الجد لنيل رضوان الله عز وجل ؛ فرضوانه لاينال بالتمني والقعود بل بالاجتهاد في طاعته في السر والعلن واتباع أمره ونهيه بغض النظر عن الهوى والشهوة،وهنا ينفصل المسلم عن الكافر في علو همته فإنه يتوسل الدنيا لينال الأخرةِ فرضوان الله غايته وهذه الغاية لاتنال إلا بعلو همةٍ أساسها الاعتقاد الجازم الذي يفتقر اليه الكافر.

ان دخول الجنة والظفر بمراتبها، والنجاة من النار ومن دركاتها لا ينال بالتمني ولكن بفعل الصالحات وترك السيئات،وهذا إنما يكون ببذل الطاقة للارتقاء في مراتب الكمال، وترفعاً عن دركات النقصان وبالطاعه وصدق الله العظيم ( لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً{123} وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً{124}) ( النساء)

علو الهمة عند المسلمين

إن لنا في رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الأسوة الحسنةُ في علو الهمة في حمله للإسلام ودعوته له فقد وقف وحيداً في مكة يدعو ولم يثنه إعراض القريب ولا لؤم البعيد وقال في اشد المراحل صعوبة ( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن اترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو اهلك دونه) وعندما هاجر إلى المدينة قاد صلى الله عليه وآله وسلم في عشر سنين سبعاً وعشرين غزوة . وقد روى مسلم والبخاري عن أبي هريرةَ قال:قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (والذي نفسي بيده لو أن رجالاً من المسلمينَ لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني،ولا أجد ما احملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله،والذي نفسي بيده لوددت أن اقتل في سبيل الله ثم أحيى ثم اقتل ثم أحيى ثم اقتل ثم أحيى ثم اقتل)....و روي عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ( من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه،كلما سمع هيعةً أو نزعة طار إليها،يبتغي القتل أو الموت مظانّةً) والهيعة : الصيحة يفزع منها والفزعة هي نداء المستغيث .

وقد علم أصحابه خلق علو الهمة والتطلع الدائم للكمال،والسعي إليه والنفور من النقص وكراهيته،والترفع عن الخوف والجبن والاستخذاء ومن الظهور بمظاهره وفي الحديث (إن الله يحب معالي الأمور و يبغض سفاسفها) وفي حديث آخر (أن الله رضي لكم مكارم الأخلاق وكره لكم سفاسفها) وفي المغني جـ7 ص219 أنه قال : لا تحل النهبى والمثله رواه البخاري وفي لفظ أن النبي صلى الله عليه واله وسلم نهى عن النهبى و المثله ولان فيه نهياً وتزاحماً وقتالاً،وربما أخذه من يكره صاحب النـثار لحرصه وشرهه ودناءةِ نفسه وعرضه والغالب هذا،فإن أهل المروءات يصونونَ أنفسهم عن مزاحمة سفلة الناس على شيء من الطعام أو غيره ولان في هذه دناءة والله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها.

وفي شرح سنن ابن ماجه جـ1 ص292 في قوله صلى الله عليه واله وسلم سيأتي على الناس سنوات خداعات:أي يكثر فيها الأمطار ويقل الريع فذلك خداعها،لأنها تطمعهم في الخصب بالمطر ثم تخلف وقيل الخداعه قليلة المطر من خدع الريق إذا جف،وقوله وينطق فيها الرويبضة وتفسيره ما مَرّ من حديث انس قلنا يا رسول الله ما يظهر في الأمم قبلنا قال: الملك في صغاركم والفاحشة في كباركم والعلم في رذالتكم والرجل التافه الرذيل والحقير والرويبضةُ تصغير رابضة وهو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور وقعد عن طلبها والتاء للمبالغة والسفساف هو الأمر الحقير والرديئ من كل شيء وهو ضد المعالي والمكارم ، وأصل السفساف ما يطير من غبار الدقيق حين نخله، وهذا ما وجه له الرسول أصحابه إذ حضهم على ابتغاء الكمال والتطلع إليه،ومن ذلك ما روى مسلم عن ابي هريرةَ قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (المؤمن القوي خير وأحب الى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير،احرص على ما ينفعك،واستعن بالله ولا تعجز، وان أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا ، ولكن قل قدر الله وما شاء الله فعل فإن (لو)تفتح عمل الشيطان) .

وهذا الحديث هو حث للمسلم للارتقاء لمراتب الكمال وتوجيه لطرد الشعور بالعجز الذي قد يصيب نفس الإنسان وذلك بتوجيهها لدوام الاستعانة بالله عز وجل القوي العزيز الذي لا يعجزه شيء ،حتى يبقى المؤمن ضمن دائرة ارتباطه بالله فيمنحه هذا الشعور بهذا الارتباط قوةٍ معنوية تعينه وتشحنه حين يدرك حقاً انه في معية الله وأنه في كنفه وأنه عز وجل يمده بالعون فيقدم على العمل الجاد بإطمئنان نفس وثقةٍ غامرةٍ بأن مطلوبه متحقق بعون الله فلا قلق ولا اضطراب ولا تردد أو تذمر فهو دوماً في طاعة الله تحرك أم سكن.

إن القوي في الحديث هو صاحب الهمة العالية الذي يواجه الصعوبات وهو يسير في مراقي الكمال حاملاً الإسلام بقوةٍ وعزيمة مستعيناً بالله غير متخاذل ولا خائف،فكيف يعجز وعون الله يصاحبه فقد اعد العدة وأخذ بالأسباب وشحن نفسه بما يلزمها لتحقيق مراده حين مواجهة المستقبل وليس هذا وحسب بل يأمره بإغلاق باب الماضي حين يواجه حاضرة ومستقبله في قوله صلى الله عليه و سلم ( وان أصابك شيء فلا تقل لو أنى فعلت كذا كان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فان لو تفتح عمل الشيطان).

إن الاشتغال بالتحسر والحزن على ما فات يفسد على الإنسان حاضره ويضيّع عليه كل زمن آتٍ يشغله باجترار الحزن والتحسر ،ثم يأتي زمن آخر يتحسر فيه على الزمن الذي ضيعه في الحزن والتحسر....وهكذا تتسلسل الأغنيةُ الشيطانية التي يقول فيها الإنسان (لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا).... وتأتي المنية وقد ضاع العمر وفني الشباب في حزن وتحسر على فوات الأماني وتضييع الفرص.

إن تحقيق الأهداف لا يكون بالندم على ما فات ولا باجترار الأحزان على الماضي، وإنما يكون بالعمل واستغلال كل وقت يمر به الإنسان لتحقيق هدفه وهذا من علو الهمة وأما إضاعة الحاضر حزناً على الماضي فإنه من نزول الهمة وهو انسياق وراء أوهامٍ ووساوس الشيطان وكلمة (لو) التي يتحسر فيها الإنسان فهي من عمل الشيطان وهو تبديد عمر الإنسان فيما لا خير فيه،فأبعد الأمور من الإنسان ما فاته في ماضي زمانه،فكل ماض فهو في حكم العقل بعيد لأنه غير ممكن الاسترجاع ولو كان قبل دقيقه، وكل مستقبل قريب ولو بعد سنة، ويمكنك إصلاح ما فات فيما أنت مقبل عليه فقد روى أبو داود عن عوف بن مالك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى بين رجلين،فقال المقضُّى عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل،فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم ( إن الله تعالى يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس،فإذا غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل) والكيسُ هو التوقد والنشاط والعقل في التصرف والرفق في الأمور، وهذا هو شحن النفس العالية التي تطلب معالي الأمور وجليلها.

إن علو الهمة قد يكون بشدةٍ البأس حيناً، ويكون باللين والكفّ والترفع والتعفف حيناً،وربما يكون الترفع مع القدرةِ أدلّ على علو الهمة مع دلالة شدة البأس.

ومثال ذلك صورة أبي دجانة سمّاك بن خرشة في أُحد فقد كان ذا بأس شديد وهمة عالية،ومن علو همته رضي الله عنه،ما حدّث به عن نفسه.....قال رأيت إنساناً يخمش الناس خمشاً شديداً،فصمدت له فلما حملت عليه بالسيف وَلْوَلْ.....فإذا هو امرأة....قال فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن اضرب به امرأة .

إن لسان حال المسلم يقول دوما كما قال الشاعر:

كذا أنا يا دنيا إذا شئت فاذهبي

ويا نفسُ زيدي في كرائهها قدما

فلا عبرت بي ساعة لا تعزني

ولا صحبتني مهجة تقبل الظلما

بقلم: 
الشيخ جواد عبد المحسن
المصدر: 
بيت المقدس