الحســـد

 ألمَ ٌيجده الإنسان في نفسه.

سبب الألم: رؤية بعض النعم على أشخاص آخرين.
كيف يزول ألم الحاسد؟ أن تزول النعمة فيستريح هو.. وإلا .. فقد يجد في قلبه بغضًا وحقدًا يتعدى به على المحسود بعينه أو بلسانه أو بخذلانه أو بعمله. وقد يصل للكفر (كاليهود مع رسول الله) أو القتل (كابن آدم مع أخيه).
ويبقى الألم مشتعلاً في نفس الحاسد حتى ينشغل عن نعم ربه عليه.
رأينا إبليس يعصي أول معصية وهي الكبر بأول سبب هو الحسد .. فيكفر بربه.
ورأينا اليهود كفروا: ﴿ حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم..([1]).
ورأينا من يقع في غيره، وغيره لم يفعل له ما يقتضي وقوعه فيه أو بغضه له سوى حسده إياه .. وما للآخر ذنب سوى أن الله أنعم عليه.
ورأينا من يتمنى سقوط غيره أو ألمه .. أو تدميره. بل قد يسعى إلى هذا. ورأينا من يخذل غيره في وقت يحتاج فيه للذب عن عرضه .. أو يعتدي عليه بنفس هذا الدافع الخبيث.
وإن دق .. فشيء من هذا في نفوس الناس .. والمثل العربي: (ما خلا جسد من حسد).
والكثير يخشى من أن يُحسد .. لكن ليس بنفس الدرجة يخشى أن يَحسد غيره فيهلك بآفة ترديه.
*  *  *
والخطأ في البداية .. من النظر إلى الغيْر .. هنا تجب المعالجة .. من هذه اللحظة منعًا لما بعدها.
وإنكار كل منا أن أي شيء من هذا ليس في نفسه .. نحن نرجوا أن نكون هكذا ـ لكن: (ما خلا جسد من حسد) كما أشار ابن الجوزي.
يقول ابن الجوزي: «فصل: الحسد طبيعة في الإنسان فقومها.
رأيت الناس يذمون الحاسد ويبالغون ويقولون: لا يحسد إلا شرير يعادي نعمة الله ولا يرضى بقضائه ويبخل على أخيه المسلم.
فنظرت في هذا فما رأيته كما يقولون، وذاك أن الإنسان لا يحب أن يرتفع عليه أحد فإذا رأى صديقه قد علا عليه تأثر هو ولم يحب أن يرتفع عليه، وود لو لم ينل صديقه ما ينال أو أن ينال هو ما نال ذاك لئلا يرتفع عليه، وهذا معجون في الطين ولا لوم على ذلك، إنما اللوم أن يعمل بمقتضاه من قول أو فعل.
وكنت أظن أن هذا قد وقع لي عن سري وفحصي فرأيت الحديث عن الحسن البصري قد سبقني إليه.
قال: أخبرنا عبد الخالق بن عبد الصمد قال: أخبرنا ابن النقود قال: أخبرنا المخلص قال: حدثنا البغوي قال: حدثنا أبو روح قال: حدثنا مخلد بن الحسين عن هشام عن الحسن قال: ليس من ولد آدم إلا وقد خلق معه الحسد!! فمن لم يجاوز ذلك بقول ولا بفعل لم يتبعه شيء!!»([2]).
والعلاج هنا في كتاب رب العالمين. وهو النظر إلى عدة آيات:
أولاً: ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾، فالآية تنص على أن القسمة مقصودة، وأن رفع الناس درجات وتفاوتهم في هذا مقصود رباني بحكمة بالغة يستحق عليها الحمد ممن رفعه وممن لم يرفع فهو: (حكيم حميد)([3])، فيجب أن يشكر كل منهما ربه ويحمده مع حاله الذي هو فيه.
ثم أعقبها تعالى ببيان هوان الدنيا كلها وهوان الأمر كله فقال: ﴿ وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ([4]).
ومعنى الآيات أن من هوان الدنيا على الله تعالى أنه لولا أن يُجمع الناس كلهم على الكفر لجعلنا لمن يكفر بيوتًا لها سقف ومعارج "سلالم" من فضة ومن ذهب، فإنها كلها لا تساوي شيئًا .. وهذا العطاء في ميزان الله تعالى ليس بشيء.
إذن فالقسمة مقصودة وعلى العبد أن يقبل قسمة رب العالمين واثقًا فيه، محسنًا للظن به، مطمئنًا لحكمته، حامدًا إياه على ما أعطى وعلى ما منع، ففي المنع من النعم ما لا يعلمه العبد، بل يعلمه الله تعالى له، كمن يمنعه الله تعالى إبعادًا له عن معصيته، ومن هنا قال بعض السلف: (إن من العصمة ألا تَقْدر).
ونفس المعنى في قوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ([5]).. فالعطاء والمنع أيضًا مقصود، والقسمة ربانية، ورفع الدرجات في المال أو الجمال أو الصحة أو العافية أو العلم أو العقل أو الذكاء أو الشهرة أو المساكن أو الزيجات أو الأولاد .. كل هذا مقصود لحكمة يُحمد ربنا عليها .. يجب أن يحمده عليها من أُعطي ومن مُنع .. ولا يعلم الخلق مرامي حكمة الله تعالى .. لكن في آية الزخرف الأولى أن من حكمة هذه القسمة أن يكون بعضهم لبعض سُخريًا .. لتقوم الحياة.
يقول النسفي: «﴿ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ فيه استهانة به ﴿ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أي: رجل عظيم من إحدى القريتين كقوله: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ أي: من أحدهما، والقريتان مكة والطائف، وعنوا بعظيم مكة الوليد بن المغيرة وبعظيم الطائف عروة بن مسعود الثقفي، وأرادوا بالعظيم من كان ذا مال وذا جاه ولم يعرفوا أن العظيم من كان عند الله عظيمًا.
﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ أي: النبوة، الهمزة للإنكار المستقل بالتجهيل والتعجيب من تحكمهم في اختيار من يصلح للنبوة ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ , ما يعيشون به وهو أرزاقهم في الحياة الدنيا، أي: لم نجعل قسمة الأدْوَن إليهم وهو الرزق فكيف النبوة، أو كما فضلت البعض على البعض في الرزق فكذا أخص بالنبوة من أشاء, ﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ أي: جعلنا البعض أقوياء وأغنياء وموالى والبعض ضعفاء وفقراء وخدماء ﴿ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً ليصرف بعضهم بعضًا في حوائجهم ويستخدموهم في مهنهم ويتسخروهم في أشغالهم حتى يتعايشوا ويصلوا إلى منافعهم هذا بماله وهذا بأعماله ﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ أي: النبوة أو دين الله وما يتبعه من الفوز في المآب ﴿ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ مما يجمع هؤلاء من حطام الدنيا، ولما قلل أمر الدنيا وصغرها أردفه بما يقرر قلة الدنيا عنده فقال: ﴿ وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ولولا كراهة أن يجتمعوا على الكفر ويطبقوا عليه ﴿ لَجَعَلْنَا لحقارة الدنيا عندنا ﴿ لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ . وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ. وَزُخْرُفاً أي: لجعلنا للكفار سقوفًا ومصاعد وأبوابًا وسررًا كلها من فضة وجعلنا لهم زخرفًا أي: زينة من كل شيء، والزخرف الذهب والزينة، ويجوز أن يكون الأصل سقفًا من فضة وزخرف أي: بعضها من فضة وبعضها من ذهب»([6]).
وأما في آية الأنعام: ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ففيها زيادة: أن هذا للاختبار .. اختبار من؟ اختبار من أُعطي بما أُعطي، واختبار من مُنع بمنعه عنه، واختبار لمن رفع برفعه، والآخر بحجبه عنه.
يقول تعالى حاكيًا عن سليمان u مقررًا أن العطاء للابتلاء: ﴿ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ([7]).
﴿ قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ([8]).
بل وأكثر من هذا أن العبد المعطَى مختبر بما أعطي لينظر فيه أيشكر أم يكفر، ويختبر بمنع غيره لينظر إليه أيحتقر ويزدري ويستكبر؟ أم يتواضع ويشكر ويعلم أنه هو مختبر بالعطاء وغيره بالمنع وكلاهما سيسأل يوم القيامة وليس في هذا إكرام ولا في ذاك إهانة ﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا([9]).
ويختبر من منع ـ أي: شيء مما قلنا ـ بمنعه ليصبر ويحسن الظن بربه ويرجوه ويثق فيه ويضرع إليه ويفرغ باله وهمه لربه ـ حتى لكأن المنع عطاء آخر له ـ هذا جزء من الاختبار. ويختبر كذلك بعطاء غيره لينظر إليه أيحقد عليه ويحسده ويغار أم يرضى بقسمة الله ويدعو لأخيه. كل هذا هو جزء من معنى قوله تعالى في الآية الجامعة: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ؟ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً([10])، وقد جاءت الآية عقب طلبهم الجنات في الأرض تكبرًا وسخرية من رسول الله وبشريته .
فأنت مختبر بعطائك وحرمان غيرك.
وبحرمانك وعطاء غيرك.
وليكتمل المعنى انظر إلى قوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ([11])، فإن ما خُلقنا له هو التعبد وإقامة الأمر الشرعي كل بحسبه، وكل في مكانه وكل بحسب ما أعطي، ويجب أن يكون هذا هو همك.
قال أبو نعيم: «حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا أحمد بن يوسف بن الضحاك ثنا يوسف بن مصرف ثنا زيد بن الحباب عن جنيد بن العلاء بن أبي وهرة عن محمد بن سعيد عن إسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله r: «تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم فإنه من كانت الدنيا أكبر همه أفشى الله عليه ضيعته وجعل فقره بين عينيه ومن كانت الآخرة أكبر همه جمع الله تعالى له أموره وجعل غناه في قلبه، وما أقبل عبد بقلبه إلى الله تعالى إلا جعل الله عز وجل قلوب المؤمنين تفد عليه بالود والرحمة وكان الله إليه بكل خير أسرع»([12]).
وعن أبي هريرة t قال: «تلا رسول الله r: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ.. قال: يقول الله ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك وإلا تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك»([13]).
وهذا هو معنى التفرغ أو بعض معانيه. فتخرج في النهاية بنتيجة مؤداها (أنه مطلوب منك أن تتعبد لله بما أعطيت) وغيرك متعبد بما أعطي .. فالمهم أن نقوم بما أُمِرْنا بحسب الحال الذي نحن عليه؛ فالصبر خطاب لمن منع عن شيء .. مع الشكر لما أعطي. والشكر خطاب لمن أعطي .. مع الصبر لما حجب عنه ومع الصبر أيضًا على ما أعطي.
والقضية كلها اختبار للتعبد فقط .. حتى الموت.
فليس في الدنيا عطاء أو جزاء توفية ﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .. فلا يخلو أي عطاء في الدنيا أبدًا من الاختبار كما أنه ليس في الدنيا تمام العقوبة.
فانظر إلى سليمان ماذا قال لما وجد عرش بلقيس أمامه في أقل من طرفة عين: ﴿ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ.
هذا هو العلم وهذا هو القلب العابد.
ولما سمع وفهم ـ وكلاهما معجزة ـ كلام ولغة نملة تضرع لربه تعالى: ﴿ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ.
هذا هو العلم والتعبد .. ومن هنا جاءت كلمة عمر بن الخطاب t عندما قال: (الغنى والفقر مطيتان لا أبالي أيهما ركبت) ففهمه من هذا، أنه مُتعبَد إما بالغنى (والعطاء عمومًا من علم أو ذكاء أو قوة أو صحة أو جمال أو مسكن أو وجاهة ومحبة في قلوب الخلق أو ..) فله عبودية من الشكر والثناء على الله وصرفه في أوجهه وعدم احتقار الآخرين وتجنب الكبر والازدراء وتجنب الترف المُنسي .. ومُتعبَد بالأخذ بنية صالحة وأن يكون المال عونًا على الطاعة وفي هذا جاء الحديث:
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرحمن ثنا موسى بن علي عن أبيه قال سمعت عمرو بن العاص يقول بعث إليّ رسول الله r فقال: خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني فأتيته وهو يتوضأ فصعّد في النظر ثم طأطأه فقال: «إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك وأرغب لك من المال رغبة صالحة. قال: قلت: يا رسول الله ما أسلمت من أجل المال ولكني أسلمت رغبة في الإسلام وأن أكون مع رسول الله r. فقال يا عمرو: نعم المال الصالح للمرء الصالح»([14]).
وفي الفقر (والحرمان عمومًا من أي شيء) يخاطب بالصبر والتعفف وحسن الظن بالله والثقة فيه والاستغناء به والتفرغ لربه وانتظار الفرج ..كذلك بقية النعم على نفس المنوال.
فإنما نكتة الأمر وزبدته أنما هو سير إلى الله .. وبحسب المطية التي يختارها الله لك تكون المهمة المطلوبة، وفي النهاية: عطاء الدنيا ومتعها ليس بشيء .. وكذلك المنع.
قال الإمام مسلم: حدثنا عمرو الناقد حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله r: يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة([15])ثم يقال يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط»([16]).
فلم يَر من أُعطى الدنيا كلها أنه أعطي شيء لمّا لقى رب العالمين وذاق عذاب عمله، ولم يَر من حُرم من الدنيا أعظم الحرمان الدنيوي أنه قد حرم شيئًا لمّا لقى الله تعالى وذاق طعم مثوبته.
وأخيرًا آية القصص: â وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ﴾، وفيها وجهان:
الأول: أن ﴿ مَا نافية ولذا فالوقف على قوله تعالى: ﴿ وَيَخْتَارُ وقف لازم. ويكون معنى الخيرة من الاختيار.
ويكون معنى الآية أن الله له الخلق وله الاختيار المطلق فيصطفي من يشاء للرسالة وليس لهم الاختيار لمن يكون رسولاً كما قالوا: ﴿ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ.
الثاني: أما على الوجه الآخر فـ ﴿ مَا موصولة بمعنى (الذي) وتكون جملة واحدة بلا وقف فتكون ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ بمعنى أن ربك يخلق ما يشاء .. ويختار الذي لهم فيه الخيرة يعني: الخير ويشهد لهذا المعنى الحديث الذي ذكره شيخ الإسلام عن البغوي يقول رحمه الله في الفتاوى: «كما في الحديث الذي رواه البغوي وغيره: «إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك .. إني أدبر عبادي .. إني بهم خبير بصير»([17]).
يقول البيضاوي: «﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ لا موجب عليه ولا مانع له ﴿ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ أي: التخير كالطيرة بمعنى التطير وظاهره نفي الاختيار عنهم رأسًا، والأمر كذلك عند التحقيق فإن اختيار العباد مخلوق باختيار الله منوط بدواع لا اختيار لهم فيها.
وقيل المراد أنه ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه ولذلك خلا عن العاطف ويؤيده ما روي أنه نزل في قولهم: ﴿ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ.
وقيل ﴿ مَا موصولة مفعول لـ ﴿ يَخْتَارُ والراجع إليه محذوف والمعنى: ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة أي: الخير والصلاح»([18]).
ومن استحضر هذا وعلم ووثق أنه لا يعلم لنفسه الخير ولا يحصيه لها فكم من شيء يظنه خيرًا لو ناله، فيظهر العكس ويحمد الله تعالى أنه لم يستجب له، وفي الحديث أن الناس يسألون رسول الله ويلحون فيعطيهم رسول الله ما سألوا فيخرج يتأبطها نارًا قال الصحابة فلمَ تعطيهم يا رسول الله؟ فقال: «يسألوني ويأبى الله تعالى عليّ البخل»، وفي الآية: ﴿ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ([19]).
وإلى هذا المعنى أشار ابن القيم أن العبد يسأل ربه من الدنيا أمورًا يعلم الله تعالى أنها شر له وأنه لا يطيقها فيمنعه إياها رحمة به.
ويقول شيخ الإسلام: «وفي الحديث إن الله يحمى عبده المؤمن الدنيا كما يحمى أحدكم مريضه الطعام والشراب، وفي مناجاة موسى المأثورة عن وهب التي رواها الإمام أحمد في كتاب "الزهد" يقول الله تعالى: «إني لأذود أوليائي عن نعيم الدنيا ورخائها كما يذود الراعي الشفيق إبله عن مراتع الهلكة، وإني لأجنبهم سكونها وعيشها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك الغرة، وما ذلك لهوانهم عليّ، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالمًا موفَرًا لم تَكْلَمه الدنيا ولم يطفئه الهوى»([20]). الحديث الرائع.
وروى الترمذي قال:«حدثنا محمد بن يحيى حدثنا إسحق بن محمد الفروي حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عمارة بن غزية عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن قتادة بن النعمان: أن رسول الله r قال إذا أحب الله عبدًا حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء»([21]).
وأحيانًا يلح العبد فيعطيه الله تعالى إياها فيهلك .. ومن هنا كانت الاستخارة في الأمور من سعادة ابن آدم قال الببهقي: وأخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي أنا أبو الحسن بن صبيح ثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ثنا إسحاق بن إبراهيم ثنا أبو عامر العقدي ثنا محمد بن أبي حميد عن إسماعيل بن محمد بن سعد يعني: ابن أبي وقاص عن أبيه عن جده عن النبي r قال: «من سعادة ابن آدم استخارته الله ورضاه بما قضى الله عليه ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله وسخط بما قضى الله عز وجل»([22]).
*  *  *
والحسد مذموم ومنهي عنه في أمور الدنيا. كتحاسد الناس على الأموال والصحة والمساكن والزوجات والأولاد والمراكب والعلوم والذكاء والقبول والمحبة في قلوب الخلق وغيرها كثير.
ويكثر بين النساء فتتحاسد النساء على قسمة الله تعالى للجمال بينهن أو الغني أو الزيجات أو الأولاد أو المساكن أو حتى أثاث البيوت. فمن بعضهن الحسد، ومن البعض الازدراء والاحتقار والترفع بما أعطيت ـ إلا من رحم الله ـ وهذا وحده قد يدفع الأخريات لهذا التحاسد.
وكذلك الحسد في أمور الدين منهي عنه أصلاً وفي هذا نزلت آية النساء: ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ ([23])، وأسباب النزول:
1- سبب ديني: يقول ابن كثير: «قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو ولنا نصف الميراث فأنزل الله: ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾، ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة أنها قالت: قلت: يا رسول الله فذكره.
ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله لا نقاتل فنستشهد ولا نقطع الميراث فنزلت الآية ثم أنزل الله: ﴿ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى الآية.
وروى ابن جرير من حديث ابن جريج عن عكرمة ومجاهد أنهما قالا: أنزلت في أم سلمة وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن شيخ من أهل مكة قال: نزلت هذه الآية في قول النساء: ليتنا الرجال فنجاهد كما يجاهدون ونغزو في سبيل الله عز وجل، وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية حدثني أحمد بن عبد الرحمن حدثني أبي حدثنا الأشعث بن إسحاق عن جعفر يعني: ابن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الآية قال: أتت امرأة إلى النبي r قالت: يا رسول الله للذكر مثل حظ الأنثيين وشهادة امرأتين برجل فنحن في العمل هكذا إن عملت امرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة فأنزل الله هذه الآية: ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ الآية، فإنه عدل مني وأنا صنعته. وقال السدي في الآية: فإن الرجال قالوا: نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر النساء كما لنا في السهام سهمان وقالت النساء: نريد أن يكون لنا أجر مثل أجر الشهداء فإنا لا نستطيع أن نقاتل ولو كتب علينا القتال لقاتلنا فأبى الله ذلك ولكن قال لهم: سلوني من فضلي قال: ليس بعرض الدنيا».
2- سبب دنيوي: «وقد روي عن قتادة نحو ذلك وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية قال: ولا يتمنى الرجل فيقول: ليت لو أن لي مال فلان وأهله فنهى الله عن ذلك ولكن ليسأل الله من فضله، وقال الحسن ومحمد بن سيرين وعطاء والضحاك نحو هذا وهو الظاهر من الآية ولا يرد على هذا ما ثبت في الصحيح: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق فيقول رجل: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثله فهما في الأجر سواء». فإن هذا شيء غير ما نهت عنه الآية وذلك أن الحديث حض على تمني مثل نعمة هذا والآية نهت عن تمني عين نعمة هذا».
يقول ابن كثير معلقًا: «﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أي: في الأمور الدنيوية وكذا الدينية أيضًا لحديث أم سلمة وابن عباس ..»([24]).
وعلى هذا فيحذر من التحاسد بين المتدينين أنفسهم لفضل علم على الآخر أو عقل .. أو قبول ومحبة في القلوب أو فهم أفضل من الآخر .. أو قدرة على الدعوة أو ..
وبين حفظة القرآن .. على نداوة الصوت ومحبة الخلق، وبين العبّاد كذلك .. وهو أمر عجيب لكن الدنيا كاللص السارق، فللأعمال الصالحة أثرها الأخروي، وهذا ما يرجي .. وكذلك لها أثر دنيوي يعطيه الله تعالى لعبده كعاجل بشرى له كالثناء الحسن كما نص عليه الحديث .. ليعينه على المضي قدمًا والاستمرار .. وبعض النفوس تلتفت إلى هذا وقد تتعطل بسببه وقد تنقطع التفاتًا لهذا.
ومما ينبغي أن يُعلم أنه ما من عطاء في الدنيا حتى الثناء الحسن وآثار العمل الصالح التي يراها صاحبها إلا وفيه عنصر الابتلاء ومسحة منه لينظر إلى استعماله .. فإن أخذ على وجهه تعبدًا كان عونًا أكثر وإلا نقصت الرتبة بهذا أو تعطل أو انقطع.
وانظر إلى مدح الله تعالى لنبيه على التزامه بما أمر وعدم تعديه إلى ما لم يؤمر. ففي معراجه r إلى العلى .. إلى السموات .. لما وصل إلى سدرة المنتهى أُمر أن ينظر إلى أمور فنظر إليها، ولم ينظر إلى ما لم يؤمر، فإنه لا يفعل إلا بأمر فمدحه تعالى بقوله: ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى.
وانظر إلى أمر الله لموسى عليه السلام لما سأل الرؤية فأعقبها بقوله تعالى: ﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ([25])، يعني: الاقتصار على ما أمر.
هكذا ينبغي أن يكون التعبد ومأخذ الأمور ومن نظر إلى القرآن عرف حده الذي ينبغي عليه التزامه.
*  *  *
فخلاصة الأمر أن كلا منا مطلوب منه في مدة حياته تحقيق التعبد لله تعالى، ولكل منا وجه في التعبد غير الآخر، فبحسب ما أُعطينا وما حُرمنا علينا تكاليف محددة، وأن نحفظ مقاماتنا، فهذه عبادة في ذاتها: أن يحفظ الإنسان مقامه كما حكى تعالى عن الملائكة قولهم: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ﴾، وأن ننظر إلى التكاليف فيما أُعطينا لتحقيقها مع الخوف والقلق من عدم الوفاء .. وليس الركون إلى عطاء الدنيا الذي محله الابتلاء؛ فنخشى أن لا نوفي شكر النعم فتعدد علينا يوم القيامة ونُسأل عنها فيطول المقام وقد لا نتخلص من السؤال فنهلك. ففي هذا القلق .. وأن ننظر إلى من حرم ما أُعطينا فلا يُزدرى ولا يُحتقر ولا نتكبر عليه بل وندعو له بالخير. ونظن أنه خير منا، فلعل الله تعالى أعطاه ليرفعه بصبره درجات قد لا نبلغها ولعله تعالى خفف عليه الحمل ليخفف عليه سؤال يوم القيامة.
*  *  *
وأن ننظر فيما حُرمنا؛ ففيه الظن الخيّر بالله تعالى أنه ما حرمنا إلا ليعطينا: عطاء من وجه آخر خير منه في الدنيا، وعطاء خيّر كذلك في الآخرة.
وأن نتصبر بالله تعالى .. وأن تستغني قلوبنا بالله تعالى عن كل مخلوق فلا نلتفت إليه .. ونتعفف عن سؤال الخلق فلا نستذل لأحد ولا نبذل ماء وجوهنا لأحد.
وأن ننتظر الفَرج من ربنا ونسأله إياه، ففي الحديث أن الله تعالى يحب عبده الذي يحب الفرَج، وفي الحديث الآخر أنه تعالى يحب عبده الذي يسأله الفرَج، وفي الأثر أفضل العبادة انتظار الفرَج. وذلك لما يتضمنه هذا من التعبد باتخاذ الأسباب، مع تعبد القلب بحسن الظن به تعالى والثقة والرجاء فيه سبحانه.
وقد روى الترمذي وابن مردويه من حديث حماد بن واقد سمعت إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله r: «سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يُسأل وإن أفضل العبادة انتظار الفرج»، ثم رواه من حديث قيس بن الربيع عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله r: «سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يُسأل، وإن أحبّ عباده إليه الذي يحب الفرج»([26]).
وأن لا ننظر إلى من هو فوقنا في الدنيا .. إلى من أُعطى، فكف النفس عن النظر إليهم عبادة، وعدم الوجد في القلب مما أُعطوا عبادة .. وأن نعلم أنهم مبتلون مختبرون بما أُعطوا .. ومن الخير أن نعوّد أنفسنا الدعاء لهم بظهر الغيب بما نحب أن ندعو به لأنفسنا لو كان عندنا ما عندهم: من دوام النعمة وحفظها والنجاح في شكرها، وزيادتها.
وذلك لأن الحسد خاصة الشيطان، والدعاء بظهر الغيب خاصة الملائكة فنداوى هذه بتلك.
فالملائكة تدعو لنا ولا نعرفها فإن دعوت لأخيك بظهر الغيب رد ملك يقول: (آمين، ولك بمثل) .. فيدعو لك بما دعوت لأخيك بمجرد سماعه لخير صدر منك، والملائكة تدعو للمصلي والمصلي لا يعرفهم ـ ما دام في مصلاه: (اللهم اغفر له اللهم ارحمه).
وحملة العرش والكروبيون أو القروبيون (مَن حول العرش من الملائكة المقربين) يدعون للمؤمنين: ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ([27]).
بل وملائكة السماء عمومًا: ﴿ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ([28]).
ومع هذا الدعاء والإخلاص فيه ستجد له في نفسك أثرا تذوقه بقلبك.
*  *  *
 وأخيرًا فما حرم أحد تمامًا ولا أعطي أحد تمامًا وإنما هو عطاء ومنع لهذا ولذاك .. فما من محروم إلا وقد أُعطي، وما ممن أُعطي إلا وقد حُرم .. هذا مع اختلاف الدرجات والتفاوت بين الخلق عن قصد ليعرف صاحب النعمة قدر النعمة لمّا يرى من حرم منها فيعرف قيمتها فيشكر ربه.. وفى الحديث:«.. ورفع لهم أبوهم آدم فنظر إليهم فرأى فيهم الغني و الفقير وحسن الصورة وغير ذلك فقال: رب لو سويت بين خلقك فقال: إني أحب أن أشكر»([29]).