ترك الجَزوع عند المصائب

 وهو داء قد يجعل الإنسان يقف عن عمله وطريقه، وتستبد به المخاوف والقلق ..

وهذا داء عالجه القرآن؛ فمن رام علاجه في نفسه فليتداوى بهذا الكتاب العظيم.
﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ﴾ فقد أخبر سبحانه أن ما يقع قد كتبه وقدره قبل خلق الخلائق بخمسين ألف سنة وفي هذا ورد الحديث: «قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا حيوة وابن لهيعة قالا: حدثنا أبو هانئ الخولاني أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة»، ورواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن وهب وحيوة بن شريح ونافع بن زيد وثلاثتهم عن أبي هانئ به، وزاد ابن وهب: «وكان عرشه على الماء»، ورواه الترمذي وقال حسن صحيح»([1]).
فهو أمر لا سبيل إلى دفعه.
*  *  *
وكذلك يعلم حقيقة أخرى: ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ..[الأنعام: 18]، فليس لأحد الخروج عن قبضة الله وعما قدره، وهذا ضروري، لأنه لما تيأس النفس من أن ما حدث كان يمكن ألا يحدث لو أنه فعل كذا، لخف الألم كثيرًا .. فكثيرًا ما يكون الألم لشعور الإنسان أنه كان يمكن تفادي هذا بتغيير تصرف ما([2]) فإذا علم أن الأمر قضاء لا يرد وعلم أن ربه (حكيم حميد) فما من قدر يحدث إلا ولله تعالى فيه حكمة .. بل حكمة بالغة .. بل حكمة يحمد عليها .. ولا يحيط أحد بمرامي حكمة الله تعالى .. لكن عليه أن يثق بهذا المعنى ويحمد ربه .. فلما يتكشف له بعض أطراف حكمته تعالى في الأخذ والعطاء والمنع والخفض والرفع لن يجد غير الحمد تعبيرًا عن هذه الحكمة .. ولهذا خَتَمت سورة الزمر مشاهد الآخرة والفصل بين الخلق بقوله تعالى تعقيبًا على دخول أهل الجنة الجنة، ودخول أهل النار إلى النار قال تعالى: ﴿ وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[الزمر: 75].
 يقول ابن كثير: «أي نطق الكون أجمعه، ناطقه وبهيمه، لله رب العالمين بالحمد في حكمه وعدله، ولهذا لم يسند القول إلى قائل بل أطلقه، فدل على أن جميع المخلوقات شهدت له بالحمد. قال قتادة: افتتح الخلق بالحمد في قوله: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾، واختتم بالحمـد في قوله تبارك وتعالى: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾»([3]), ونفس المعنى ذكره ابن القيم رحمه الله مرارًا في كتبه.
*  *  *
وإذا علم العبد أنه مأجور على أي شيء يصيبه .. حتى الشوكة يشاكها كما في الحديث.
وإذا علم أن ما أصابه هو بسبب ذنوبه:﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ[الشورى: 30]، ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[آل عمران: 165].
وعلم أن الذنب داء مهلك وأنه قد يهلكه ويرديه في النار وأن ربه تعالى يرحمه بهذا فيخلصه من ذنبه.
وإذا علم أنه يكون للعبد من الدرجات في الجنة ما لا يصل إليه بعمله، والله تعالى قد كتب له هذه الدرجة فقدر تعالى له من المصائب ما يبلغ بصبره عليها ما لا يبلغه بعمله الذي لو خُلي بينه وبينه لما بلغ هذا العلا، وراجع هذا المعنى فيما أورده ابن القيم رحمه الله عن مصاب الصحابة في غزوة أحد وأنه كان من حِكَمه هذا المعنى الجميل([4]).. وراجع كذلك ما ذكره شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى فيما قُدّر على الحسن والحسين عليهما رضوان الله تعالى وأنهما سيدا شباب أهل الجنة وأنها رتبة رفيعة وقد ولدا في عز الإسلام فلم يُبتلوا مع أصحاب رسول الله فى مواجهتهم مع المشركين فقُدّر لهما من البلاء ما يرفعهما إلى هذه الدرجات العلا رضي الله عنهما وعن الصحابة أجمعين وجمعنا بهم في مستقر رحمته..
وإذا علم أن الله تعالى يُنضجه ويربيه ويسوي شخصيته ويُكْسبه من المعاني والتعبدات في هذا البلاء ما يستصحبه بقية عمره ليصل لربه تعالى .. كما في قصة يوسف عليه السلام.
إذا علم هذا هدأت نفسه: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ[التغابن: 11]، قال السلف: هو المؤمن تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيصبر ..
«أيْ ومن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله هدى الله قلبه وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه ويقينًا صادقًا وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه أو خيرًا منه، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ يعني: يهد قلبه لليقين فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وقال الأعمش عن أبي ظبيان قال: كنا عند علقمة فقرئ عنده هذه الآية ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ فسئل عن ذلك فقال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم»([5]).
وفي هذا السياق يأتي قولـه تعالى كشاهد لهذا: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ[الانشقاق: 19]، يعني: حالاً بعد حال.
*  *  *
 وينظر المؤمن أيضًا أن ما يحدث مقصود أن يحدث، وأنه مساق لك أنت، وأن شيئًا لا يحدث جزافًا، وأن الله لا يغفل عما يصيبك .. فلا يحدث شيء إلا بإذنه ولا يحدث إلا بعلم ولا يحدث إلا لحكمة فالأمر مقصود وهذا كله في قوله تعالى: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ[الانبياء: 35]، فالإصابة بالشر كما الإصابة بالخير كلاهما مقصود لحكمة.
وإذا نظرت إلى موضع آخر تم لك الأمر والمعنى تمامًا: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ[القمر: 49]، ﴿ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً[الطلاق: 3]، والمصائب داخلة في هذا.
والمعنى أن الأمر من المصائب وغيرها له قدْر معين، لشخص معين، لزمن معين ثم ترفع، ووراءه حكمة محددة لو علمتها لحمدت الله تعالى .. وسواء حمدته أو لم تحمده فهو القاهر فوق عباده ـ والله تعالى له الحمد فهو المستحق له في الأولى والآخرة .. وفي السموات وفي الأرض ..
ولذلك شرع لنا هذا الذكر: ﴿ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ[التغابن: 1]، فالله ملك قاهر لا يخرج شيء عن قدره وقهره .. وله الحمد فهو الحكيم اللطيف الخبير .. فهو المخوف وهو المحبوب .. وهو الذي يُهرب من عذابه وغضبه ويُهرب إليه..فكم ممن يَملك ولا يُحمد وكم ممن يُحمد ولا يَملك ولكن رب العالمين سبحانه له الملك وله الحمد.
*  *  *
كذلك لا تستوي المصائب والنعم فالنعم غلاّبة وسبّاقة .. ومن نظر اعتبر .. فمن نظر إلى البلاء وجده مغموسًا في نعم لا تحصى مغمورا من جوانبه بلطف رب العالمين ورحمته .. فالآية على إطلاقها للعباد جميعًا المبتلى منهم والمعافَى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا[النحل: 18].
ثم انظر أخيرًا إلى رحمته وفرَجه تعالى: ﴿ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً[الطلاق: 7].
وانظر الى هذه اللفتة الجميلة فى هذه الآية الكريمة:﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ ﴾ فانظر إلى كشفه ﴿ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ ﴾، ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْر ﴾ فانظر إلى استقراره ﴿ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ[الأنعام: 17].
فالخير كله فى يديه وهو أهله سبحانه، والشر ليس إليه وإنما هو عدله فى خلقه.