القضاء على داء البخـل

 البخل هو فهم خطأ لمعنى المال وتذوق منحرف لمعنى امتلاكه .. يجعل المال هدفًا في ذاته وليس وسيلة لحصول منافع أو خدمات. أو إصلاح المسلمين، أو إصلاح ذات بينهم، أو التمكين للدين، أو لنشر الخير وعموم قيم الهدى .. وستر العورات وستر الأعراض .. وسد جوعة .. ورحمة اليتامى والثكالى .. وتفريج الكرب وتنفيث الهم .. ومسح دمعة ورسم بسمة .. وأحيانًا منعًا للإذلال وحفظا لماء الوجوه لأقوام الموت أعظم عندهم من بذل ماء وجوههم طلبا من الخلق .. فالبخيل يفهم الأمر على غير وجهه.

 والله تعالى يداوي هذا الداء:
1- ﴿ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ[النور: 33]، فالمال ماله وإنما آتانا إياه تبعًا للابتلاء العام: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ[الأنبياء: 35].
والنص على أن المقصود به إقامة الحياة كالأمثلة التي سقناها في تعريفه: ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً[النساء: 5]، يعني: إقامة لحياتكم ومصالحكم.
2- وينص تعالى أنه وارثه: ﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً[مريم: 80]، ﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[آل عمران: 180].
3- وأنه معدود على العبد، ووبال عليه إن بخل به: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ[التوبة: 34 - 35].
4- وأن إعداد المال للنوائب دون الطاعة لن يفيد صاحبه: ﴿ الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ *  يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ[الهمزة: 2 - 3]، يقول البيضاوي: «﴿ وَعَدَّدَهُ ﴾ وجعله عدة للنوازل أو عده مرة بعد أخرى»([1]).
5- وأن صاحبه لا يخلوا عن الابتلاء: ﴿ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ﴾ .
6- وأن الإنفاق تزكية للنفس: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى[الأعلى: 14 - 15]، وقد فسر كثير من السلف الزكاة هنا بالإنفاق .. مع اختلاف الأمثلة التي ضربوها كصدقة الفطر أو غيرها فالآية تنتظم الجميع.
7- وأن الأمور لا تسير على حال واحد، والأمان: التقوى، فالله تعالى قدير فكما يغني أشخاصًا ويُفقر آخرين: ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ[سبأ: 36].
فإنه تعالى يغني أشخاصًا حينًا وحينًا يُفقرهم هم أنفسهم: ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ[سبأ: 39]، فقوله: ﴿ لَهُ ﴾ يعني: نفس الشخص.
8- والأمان التقوى وليس كنز المال: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً[النساء: 9].
9- وأن المنفق يجب أن يعلم أنه فقير لهذه النفقة فهو المحتاج للإنفاق لهدايته ولتيسير السبيل عليه إلى الله تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى[الليل: 5 - 11].
10- ونص تعالى أن الإنفاق عائد على النفس: ﴿ .. وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[المزمل: 20]. ومما أشار اليه بعض أهل العلم أن من بعض معانى اختيار صيغة القرض لله تعالى فى باب الصدقة ليُعْلم العبد بضمان رجوع ماله اليه.
﴿ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ [البقرة: 272].
وآيات أخرى في معناها.
11- وانظر إلى وعده تعالى بإطلاق بالإخلاف على المنفق؛ قال تعالي ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ وفي الحديث «اللهم أعط منفقاً خلفاً».
12- ونص أن الذي يبخل يمنع نفسه خيرها: ﴿ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ[محمد: 38].
13- وأن الامتناع عن الإنفاق تهلكة: ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا.. ﴾ [البقرة: 195].
14- وأنه مؤذن بالاستبدال: ﴿ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ[محمد: 38].
 فليحذر الممسك إذًا