افتقاد الثبات في المواقف والتزعزع

 قد يترتب الكثير على موقف ثبات لشخص ما .. إما لأهله أو لإخوانه أو لأمته .. إما بيانًا لحق شرعي، أو فضحًا لظلم، أو منعًا لخيانة ما.

كثير من الحق قد يظهر ويبقى في التاريخ كله ويُحيي آلافًا وآلافًا بسبب موقف شخص أو عُصْبة.
وكثير كذلك ضاع وفُقد وتسبب في إذلال الأمة في مرحلة ما، بل وابتلاع أعدائها لها بسبب موقف خائن، أو تراجع أو جهل لشخص ما أو عُصْبة ما.
والإنسان موقف .. والرجل موقف ..
تتغير أحداث كثيرة ويتغير خط أمة .. ويتغير خط التاريخ بسبب موقف شخص ما أو عصبة ما.
والمطلوب للموقف المُرضي لله تعالى العلم والبصيرة، والقوة، والإخلاص لرب العالمين وحصيلة سابقة ورصيد سابق في المعاملة مع الله تعالى.
والموقف المرضي لله تعالى هو من الصدق كما قال تعالى: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً([1]).
وأصل النحب النذر، ثم استعمل للموت.
والتغير فيه كذب على الله: ﴿ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا([2])، ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ * مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ([3])..
ولكن كم ممن خان وضيع حقوقا للأمة أو أخر بيان الحق الذى يجب أن تعلمه، فتسبب فى استمرار غربة الاسلام واستضعاف أهله وضياع مقدرات الأمة وامتلاك أعدائها لها وطمع من لم يحلم يوما بأن ينال شيئا من هذه الأمة ـ طمع أن ينال منها ما يدعو للأسى !! .. وكل هذا بسبب رغبات شخصية تافهة والانفصال عن طموحات الأمة .. أو بسبب ضعف شخصى افتقد صاحبه الاعتصام بالله تعالى والتوكل عليه ..فيقعد المسلمون بسبب هذه الصفقات الخاسرة أربعين أو خمسين سنة أو قرونا فى أثر هذه الخيانات .. والأمثلة كثيرة ومحزنة.
*  *  *
وشفاء هذا هو أن يفهم المؤمن أن النجاح في الموقف إنما هو حصيلة لرصيد سابق لابد أن يعدّه .. وهذا واضح في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ([4]).
وأن يعلم المؤمن أن النجاح جائزة: ﴿ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى([5]).
وأن ينظر إلى صدقه ويراجعه ويفتش فيه .. فمن تعود الصدق .. صدق في موقفه كأنس بن النضر.. قال أنس: عمي الذي سميت به لم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرًا قال: فشق عليه. قال: أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غيبت عنه وإن أراني الله مشهدًا فيما بعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليراني الله ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرها قال: فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد. قال: فاستقبله سعد بن معاذ فقال له أنس: يا أبا عمرو أين؟ فقال: واهًا لريح الجنة أجده دون أحد. قال: فقاتلهم حتى قُتِل. قال: فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية. قال: فقالت أخته عمتي الربيع بنت النضر: فما عرفْتُ أخي إلا ببنانه، ونزلت هذه الآية: ﴿ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾، قال فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه»([6]).
وكحديث الرجل الذي قال: إنما بايعتك على أن أرمي بسهم هاهنا فأدخل الجنة..        قال الإمام النسائي: أخبرنا سويد بن نصر قال أنبأنا عبد الله عن بن جريج قال أخبرني عكرمة بن خالد أن بن أبي عمار أخبره عن شداد بن الهاد: أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه فلما كانت غزوة غنم النبي صلى الله عليه وسلم سبيًا، قسم وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخذه فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: ما هذا؟ قال: «قسمته لك»، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى هاهنا ـ وأشار إلى حلقه ـ بسهم فأموت فأدخل الجنة، فقال: «إن تصدق الله يصدقك».
فلبثوا قليلاً ثم نهضوا في قتال العدو، فأُتي به النبي صلى الله عليه وسلم يُحمل، قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أهو هو»؟ قالوا: نعم، قال: «صدق الله فصدقه». ثم كفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبة النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قدمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: «اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك فقتل شهيدًا أنا شهيد على ذلك»([7]).
وأن يعلم أن الكذب واكتسابه والتعود عليه قد يخونك في موقف أنت في أشد الحاجة إلى رحمة الله ليثبتك، والمعصية سبب الخذلان، يقول ابن القيم: «تالله ما عدا عليك العدو إلا بعد أن تولى عنك الوليّ، فلا تظن أن الشيطان غلب ولكن الحافظ أعرض»([8]).
وهنا الحديث: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة .. وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ..».
والصدق في المواقف من أعظم البر كما أن الكذب فيها من أعظم الفجور.
كذلك ليعلم المؤمن ويعد نفسه على تجنب الكذب .. وإلا فالكذب في الموقف هو محصلة لكذب سابق.
كذب في الكلمة كذب في مواقف وأعمال .. كذب بأعمال مخالفة لمنهج الله.
*  *  *
والشفاء كذلك أن ينظر إلى نماذج النجاح التي جُعلت أسوة للبشرية:
موقف نوح: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ ﴾([9]).
موقف هود: ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ([10]).
وكلاهما كان عنده من التوكل ورؤية الأمور بيد الله تعالى ما جعله يقف مثل هذا الموقف.
موقف المؤمن في سورة يس: ﴿ وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مُّهْتَدُونَ * وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ([11]).
موقف مؤمن آل فرعون: ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا ﴾.
﴿ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ * الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾.
﴿ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ* وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ* تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ * لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ * فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ([12]).
وموقف السحرة: ﴿ قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى([13]).
موقف أصحاب البروج:
﴿ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ([14]).
وليستقي منهم كيف صمدوا فيصمد .. كان في أصحاب البروج ناس عاديون رجال ونساء ضعاف وشيوخ حتى الصبي .. حتى أنطقه الله.
«﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ﴾، واستحقوا هذه النقمة وهذا الغضب، في الحالة التي كانوا عليها وهم يرتكبون ذلك الإثم، ويزاولون تلك الجريمة: ﴿ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾، وهو تعبير يصور موقفهم ومشهدهم، وهم يوقدون النار، ويلقون بالمؤمنين والمؤمنات فيها وهم قعود على النار، قريبون من عملية التعذيب البشعة، يشاهدون أطوار التعذيب، وفعل النار في الأجسام في لذة وسعار، كأنما يثبتون في حسهم هذا المشهد البشع الشنيع!
وما كان للمؤمنين من ذنب عندهم ولا ثأر: ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾، فهذه جريمتهم أنهم آمنوا بالله، العزيز: القادر على ما يريد، الحميد: المستحق للحمد في كل حال، والمحمود بذاته ولو لم يحمده الجهال! وهو الحقيق بالإيمان وبالعبودية له. وهو وحده الذي له ملك السماوات والأرض وهو يشهد كل شيء وتتعلق به إرادته تعلق الحضور.
وتنتهي رواية الحادث في هذه الآيات القصار، التي تملأ القلب بشحنة من الكراهية لبشاعة الفعلة وفاعليها، كما تستجيش فيه التأمل فيما وراء الحادث ووزنه عند الله وما استحقه من نقمته وغضبه. فهو أمر لم ينته بعد عند هذا الحد، ووراءه في حساب الله ما وراءه.
كذلك تنتهي رواية الحادث وقد ملأت القلب بالروعة. روعة الإيمان المستعلي على الفتنة، والعقيدة المنتصرة على الحياة، والانطلاق المتجرد من أوهاق الجسم وجاذبية الأرض. فقد كان في مُكْنة المؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم. ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم في الدنيا قبل الآخرة? وكم كانت البشرية كلها تخسر؟ كم كانوا يخسرون وهم يقتلون هذا المعنى الكبير: معنى زهادة الحياة بلا عقيدة، وبشاعتها بلا حرية، وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد! إنه معنى كريم جدًا ومعنى كبير جدًا هذا الذي ربحوه وهم بعد في الأرض. ربحوه وهم يجدون مس النار فتحترق أجسادهم، وينتصر هذا المعنى الكريم الذي تزكيه النار؟ وبعد ذلك لهم عند ربهم حساب، ولأعدائهم الطاغين حساب .. يعقب به السياق»([15]).
*  *  *
 والعلاج كذلك أن ينظر في الأمر ..كيف يَثْبُت .. فبالإضافة إلى الرصيد السابق من الصدق والتعود عليه هناك عبودية في الموقف نفسه:
أولاً: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ([16])، فالمطلوب هو أن تعلم أن عندك قوة ولابد من استعمالها كاملة، فتثبُت أنت بقدر طاقتك عالمًا بعظم الموقف وخطورة التراجع ، وتعلم أن ما ستفعله فى هذا الموقف من ثبات أو تراجع مكتوب عليك وباسمك في الآخرة.
وألا تستضعف نفسك .. وهذا واضح في أمره تعالى بالثبات ﴿ فَاثْبُتُواْ ﴾ وهو يأمر بهذا وهو يعلم تمامًا سبحانه تفاوت الناس في قدراتهم .. هذا جانب لكنه لا يكفي.
فالجانب الآخر: ﴿ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً﴾، والذكر ليس فقط باللسان بل لسان مواطئ لقلب وجسد موجود حيث أمره الله ويفعل ما أمره الله .. فالاعتصام بالله والافتقار له .. والاستعانة بحوله وقوته أساسٌ للثبات.
*  *  *
وتأكيدًا لنفس المعنى هو هذا النموذج: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ([17]).
فـ 1- ﴿ زَادَهُمْ إِيمَاناً ﴾.        2- ﴿ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾.
فمن وقف بحول نفسه وقوته فشل .. وأما التوكل فلا يتحقق شرعًا إلا إذا قدم العبد السبب ثم يفوض الأمر لله تعالى محسنا للظن به مستيقنا فيه معتمدا عليه تعالى الاعتماد الكامل ومفوضا الأمر اليه..
والسبب هو الثبات في الموقف بما آتي الله المؤمن من طاقة ومن قوة .. وكم من ضعيف كان كأمة .. وكم من ضعيف كان أقوى من أمة وكم من ضعيف أنقذ أمة .. أو على الأقل أنقذ أهله .. أو حتى ينقذ نفسه.
 ومواقف الإشهاد هذه قد تكون في موقف فتنة في عقيدة([18]) أو موقف أمام شهوة وهوى .. أو موقف أمام تخويف وإيعاد.