القضاء على الاغتراب والانزواء على الذات والإغراق في القضايا الشخصية والانسحاب من الاهتمام العام والعمل العام للأمة

 (لاشأن لي بما يجري)،(لا ناقة لي فيها ولاجمل)،(تِخرب) وعلى شاكلتها الكثير من الألفاظوالتعبيرات المحفوظة ..

والسبب في هذا الموقف أربعة أمور:
أولاً: غياب الهوية الإسلامية، ومهما تكلموا عن العروبة أو الفرعونية أو (موطني) لا يوجد له في النفوس عمق الهوية الإسلامية التي تمثل الذات الحقيقية لأفراد الأمة وجموعها وتاريخها.
ثانيًا: غياب المشاركة الفعالة في الحياة العامة بغياب تاريخي للشورى الملزمة، وعدم تمثيل الأمة تمثيلاً جادًا وفاعلاً وملزمًا.
ثالثًا: غياب التربية على هذا الدين الذي يدعو إلى الإيجابية العامة والعمل العام.
رابعًا: شدة البطش والقهر لعموم المسلمين.
ونتيجة الأمر أولاً: أن الكلمة خطأ فقوله: (تِخرب) عائد في النهاية عليه وعلى عرضه ودينه وذريته.
وثانيًا: فساد الأمور إلى حد يصعب على المتلطف إصلاحها ـ إن وجد من يصلح.
وثالثًا: السؤال عن الأمر العام يوم القيامة وعن دور الفرد ومسئوليته في ضياع الأمة أو السلبية أمام ضياعها، وهذا يغفل عنه الكثير ظنًا منهم أن السؤال يوم القيامة هو فقط عن أداء الصلاة والزكاة والصيام والصدق أو الكذب الفردي .. وهذا خطأ.
وهذا الخطأ نابع من خطأ آخر وهو المفهوم بأن هذا الدين دين فردي، وتركيز الوعاظ والدعاة على الجانب الفردي من قيم الدين فقط .. وكأنه ليس ثمة مسئولية جماعية.
و هذا المفهوم للشرع خطأ، والمفهوم الأخروي للسؤال أمام الله تعالى عن الجانب الفردي فقط خطأ ..كما أن المفهوم الدنيوي وظن الفرد ببعد خطر الانحراف عنه خطأ كذلك .. فضياع إقامة الدين أضاع أبناءنا بإعلام قذر هابط وتعليم يحارب الدين وجهل مطبق بالدين ثم الضياع العام والمذلة العامة أمام العدو التاريخي للأمة من الصليبية والصهيونية والذي يؤدي في النهاية إلى (الذبح) على يد الصليبيين كما في العراق وأفغانستان والصومال، أو تمكين الفرس الروافض من الأمة كما في العراق أيضًا، أو على يد اليهود كما في فلسطين، أو بدعم صليبي لأوضاع الفرقة وأمراء الحرب كما في السودان والصومال وغيرها.
وكل هذا طال عموم أفراد الأمة في بيوتهم ومساكنهم وانظر إلى العراق وأفغانستان، واعتبر بغزة حفظها الله وسائر بلاد المسلمين.
واستمرار أوضاع الفساد والخيانات جعل الحجة في الانسحاب والتخاذل في كل أزمة بل التواطؤ مع العدو وموالاته ضد المسلمين الحجة في كل هذا هي الضعف؛ فلا يملك المسلمون صاروخا ولا طائرة ولا دبابة إلا ما أعطاهم العدو! فلا يستطيعون صناعة شيء من هذا، وبالتالي فلتكن الخيانة أو التواطؤ أو تمرير مشاريع العدو أو ذبح إخواننا أو ذبحنا على أيدي إخواننا هي الواقعية .. وهي الحل المتاح !!.
*  *  *
وأما القرآن فيعرض الأمر بصورة مختلفة:
فيأمر الله تعالى أن يعتصم المسلمون بدين الله تعالى في حال اجتماع: ﴿ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ ..([1])، يعني: لا يكفي الاعتصام الفردي بهذا الدين وإلا لم نقم بالتكليف الوارد بالآية؛ فالتكليف في الآية بأمرين: الاعتصام بحبل الله يعنى بدينه، وأن يكون على هيئة الاجتماع.
ويمتن تعالى علينا بالأخوة وألفة القلوب: ﴿ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً([2])، ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ([3]).
ويحذّر تعالى من السكوت على الانحراف العام: ﴿ وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً([4])، يعني: يعم بلاؤها على المرتكب وعلى الساكت عن النهى عن الانحراف.
﴿ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يعني: عقولاً وأحلامًا ﴿ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ([5]), فهؤلاء فقط الذين نص القرآن على نجاتهم على مدار التاريخ: من انتهى عن المحارم ورأسها الشرك، ونهى الآخرين حتى أعذر إلى الله تعالى.
ولما اعتدى اليهود فاصطادوا يوم السبت بحيلة عملوها، وهو محرم عليهم الصيد فيه انقسموا إلى ثلاث فرق: فرقة اعتدت وأكلت من الصيد المحرم، وفرقة لم تعتد ولم تنه من اعتدى، وفرقة لم تعتد وقامت بالنهي والتذكير والعمل العام في النهى عن الاعتداء.
فهلكت الأولى، ونجت الأخيرة، وأما الثانية فلم يذكر القرآن موقفهم .. إما لأنهم هلكوا مع من هلك، وإما أنهم نجوا لكن لسوء موقفهم لم يذكروا إهمالاً لشأنهم وهو الراجح الذي رجع إليه ابن عباس رضي الله عنهما:
﴿ واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ([6]).
فنص القرآن على نجاة من حفظ محارم الله تعالى ونهى كذلك عن اعتدائها.
وأمر الله تعالى أن تكون الأمة كلها أو يقوم (جزء كافٍ منها) بمهمة الإصلاح الدائم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع الأمور: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، ثم نهى تعالى عن تفرق الأمة والجماعة العامة للمسلمين بسبب الدنيا ـ كما هو سبب نزول الآية ـ أو بسبب الدين بالابتداعات في أصول كلية من الدين فقال تعالى: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ([7]).
ومدح ربك عباده الذين يصطفيهم للشهادة فقال: ﴿ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ([8]).
وقال تعالى في صفة المؤمنين في مقابل صفات المنافقين الذين ذكرهم قبل هذه الآيات مباشرة: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }([9])، وغير ذلك كثير من الآيات.
وانظر إلى موقف مؤمن آل فرعون والمؤمن في سورة يس ودور الأنبياء عمومًا وغيرها فقد كان موقفًا عامًا لنجاة الناس.
ولا يظن أحد أن هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاصًا بالأمر فقط بأداء الصلوات بل هو أمر عام بأداء الصلوات وإظهار أبهة الإسلام وشعائره، وبحفظ الحدود والحرمات وقبل كل هذا إقامة الدين وإقامة الحياة على هذا المنهج الرباني.
وكذلك يشمل الخطأ العام كالانحراف في أموال المسلمين وتضييعها أو ضياع مصالح الأمة .. والسعي لإيقاف هذا الضعف والتدهور .. والأمر باكتساب القوة التي يُردع بها العدو، والنظر في المصالح الإستراتيجية عموما للأمة.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقتصر على العالِم الشرعي فقط بل قد يكون رجل سياسي أو اقتصادي أو عسكري أو في مجال الزراعة أو العمران أو الرقابة على أموال المسلمين أو في التعليم أو في الإعلام .. كل كلمة من هذه الكلمات تمثل مصالح للأمة تضيع الأمة إن لم تُحصّلها .. وعلى سبيل المثال فالفساد في مجال الزراعة مثلاً أدخل أمراض السرطان في مصر بأعداد غفيرة بسبب الطعام والشراب بسبب البذور والمبيدات المسرطنة .. وهذا أمر لم يعان منه فئة بل عموم الأفراد من الأهل والذريات، فالأمم الحية التي تمنع هذا الفساد تحمى نفسها وأبناءها.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشمل كل هذه المجالات ويشمل كل فرد في الأمة، وكلما عظمت المعرفة عظم الواجب، وكلما عظمت المسئولية عظم الواجب الشرعي كذلك .. وقد يفيد رجل في هذا ما يحفظ به مقدّرات للأمة يصعب لملمتها إن ضاعت أو تفرق شعثها.
هذا من الدين .. وهذا من أعظم الواجبات .. فإنه إن ضيّع رجل ما مصالح عامة لملايين المسلمين ولأجيال قادمة أليس هذا أعظم من السرقة الفردية، وأليس من الضروري أن يوعظ فيه المسلمون كما يوعظون بأداء الصلوات ..؟.
ثم كيف سيتخلص رجل أضاع هذه المصالح من السؤال يوم القيامة حتى لو كان متدينًا بصورة فردية عالية ؟!!.
ما نريد تعريفه هنا للأمة هو أن هذه هي طبيعة دين الله تعالى، وأنه يجب تربية المسلمين على هذا وأنه أحد الفرائض الشرعية الهامة وأحد أعظم مزالق الخطورة يوم القيامة .. ومن لم يلتفت إلى هذا فهو على خطر عظيم، ووامصيبتاه لو كان داعية!!.
*  *  *
ومما ينبغي أن يُعلم أن الأداء الفردي للعبادات لا يتم ولا يتمكن منه المسلم إلا من خلال الوضع العام الذي يقيم شريعة الله تعالى .. ولينظر المسلم اليوم لصعوبة تمسكه بهذا الدين وصار كالقابض على الجمر .. ولينظر إلى صعوبة ممارسة دينه وكمثال بسيط غض البصر .. وأعظم منه تربية الولد على هذا الدين .. وقبل كل شيء التحاكم إلى شريعة رب العالمين.
وأكثر من هذا فإن ضعف المسلمين يؤدي في النهاية إلى القضاء على ما تبقى من أمر هذا الدين .. فإنه لما دخل الصليبيون الأمريكيون العراق هدموا المساجد وحاولوا تبديل القرآن نفسه بما سموه الفرقان، وهى محاولة لم يجرؤ عليها أحد من قبل، لكن أغرى بها ضعفُ المسلمين، لولا أن الله تعالى ضمن حفظ هذا الكتاب وبالتالي فشل هذه المحاولة.
ولما علا الصليبيون كذلك فرضوا تغيير المناهج الدينية في بعض البلاد بحجة أنها مناهج وهابية تعارض التعايش أو بمعنى أصح الانبطاح أمام الغرب.
وفي بلاد أخرى غيروا مناهج التعليم وحذفوا الآيات التي تتناول اليهود أو الغزوات التي تكشف طبيعتهم بحجة مناقضتها لثقافة السلام! رغم أنه في نفس الوقت يدرس اليهود لأبنائهم أشد المناهج تشددًا بل ويتعلمون احتقار العرب والمسلمين وسبهم واستنجاسهم بل وتعليمهم أنه يجب القضاء عليهم!!.
وقبيل اجتياح الصليبيين الأثيوبيين للصومال قال رئيس وزرائهم: (إن الكتاتيب التي تعلم أبناء المسلمين القرآن خطر لأنها تعلمهم الإرهاب).
وفي العراق كان قد قال من وضعه الصليبيون رئيسًا له: (متى نعيد إلى محمد أوراقه الصفراء التي جاءنا بها من جزيرة العرب؟!), رغم أن جدّ هذا القائل هو صلاح الدين الأيوبي الذي أذل الصليبيين بهذا الدين العظيم.
وعمومًا فما لم تُحفظ الأوضاع العامة لا يستطيع أحد حتى قراءة القرآن أو حتى الطهارة الشرعية أو أداء الصلاة وليراجع الناس ما حدث للمسلمين في الأندلس وكيف كانوا يراقبون استخدام البيوت للمياه، فإن كان المعدل عاليًا دل على أنه مسلم لم يتنصّر بعد، لأنه يتوضأ ويغتسل!! والمعاصرون هم في نفس الحقد والوحشية والحيوانية مع التلون العصري .. والشواهد المعاصرة أشنع مما سبق وهى لا تُحصى من جوانتناموا إلى أبي غريب إلى السجون الطائرة والعائمة والسرية .. إلى التعذيب بالوكالة إلى التآمر على المسلمين لتفتيتهم وإنشاء ودعم المنظمات التي تعمل على تفتيت المسلمين بإنشاء نزاعات داخلية في الأمة.. إلى دفن النفايات النووية في أرضنا.
ولهذا قال الإمام الشاطبي عن الفروض الكفائية العامة أنها أهم وهي الأصل للعبادات وللفروض العينية الفردية، يقول رحمه الله تعالى([10]): «فأما المقاصد الأصلية، فهي التي لا حظّ فيها للمكلف، وهي الضروريات المعتبرة في كل ملة، وإنما قلنا إنها لا حظّ فيها للعبد من حيث هي ضرورية لأنها قيام بمصالح عامة مطلقة لا تختص بحال دون حال ولا بصورة دون صورة ولا بوقت دون وقت، ولكنها تنقسم إلى ضرورية عينية وإلى ضرورية كفائية.
التكاليف العينية والكفائية:
فأما كونها عينية: فعلى كل مكلف في نفسه فهو مأمور بحفظ دينه اعتقادًا وعملاً، ويحفظ نفسه قيامًا بضرورية حياته، ويحفظ عقله حفظًا لمورد الخطاب من ربه إليه ويحفظ نسله التفاتًا إلى بقاء عوضه في عمارة هذه الدار ورعيًا له عن وضعه في وضعية اختلاط الأنساب العاصفة بالرحمة على المخلوق من مائه وبحفظ ماله استعانة على إقامة تلك الأوجه الأربعة. ويدل على ذلك أنه لو فرض اختيار العبد خلاف هذه الأمور لحجر عليه ولحيل بينه وبين اختياره، فمن هنا صار فيها مسلوب الحظ محكومًا عليه في نفسه، وإن صار فيها حظ فمن جهة أخرى تابعة لهذا المقصد الأصلي.
وأما كونها كفائية: فمن حيث كانت منوطة بالغير أن يقوم بها على العموم في جميع المكلفين لتستقيم الأحوال العامة التي لا تقوم الخاصة إلا بها، إلا أن هذا القسم مكمل للأول، فهو لاحق به في كونه ضروريًا، إذ لا يقوم العيني إلا بالكفائي، وذلك أن الكفائي قيام بمصالح عامة لجميع الخلق، فالمأمور به من تلك الجهة مأمور بما لا يعود عليه من جهته تخصيص؛ لأنه لم يؤمر إذ ذاك بخاصة نفسه فقط وإلا صار عينيًا، بل بإقامة الوجود وحقيقته أنه خليفة الله في عباده على حسب قدرته وما هيئ له من ذلك، فإن الفرد الواحد لا يقدر على إصلاح نفسه والقيام بجميع أهله فضلاً عن أن يقوم بقبيلة فضلاُ عن أن يقوم بمصالح أهل الأرض، فجعل الله الخلق خلائف في إقامة الضروريات العامة حتى قام الملك في الأرض»([11]).
ومعنى هذا الكلام:
1- أن الخطاب بالكفائي متوجه إلى جميع المسلمين فردًا فردًا.
2- أن الفرض الكفائي أهم من العيني لأن العيني لا يقوم إلا بالكفائي.
3- القيام بالفرض الكفائي قيام لمصلحة عامة، فهم مطالبون بسدها على الجملة، فبعضهم قادر عليها مباشرة وذلك من كان أهلاً لها، والباقون وإن لم يقدروا عليها مباشرة، قادرون على إقامة القادرين. فالقادر مطلوب بإقامة الفرض وغير القادر مطلوب بتقديم وإعانة ذلك القادر، إذ لا يتوصل إلى قيام القادر إلا بالإقامة والإعانة من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب([12]).
وإن كان جماع الدين أصلان أن يعبد الله وحده وأن يعبد بما شرع على ألسنة رسله في كل وقت بما أمر به في ذلك الوقت، فعبادة الله سبحانه وتعالى تكون بالتكليفات الشرعية وذلك على أربعة أنحاء:
تكليف عيني: عبادي أو عادي.
تكليف كفائي: عبادي أو عادي.
العبادي هو التعبدات التي تفتقر إلى نية التعبد، وهي حق خالص لله سبحانه وتعالى، والعادي هو المعاملات بين العباد والعادات الراجعة إلى محاسن الشيم ومكارم الأخلاق وهو راجع إلى حق الله وحق العبد لا يفتقر إلى نية التعبد، ووجه العبادة فيه هو الرجوع إلى شرع الله وما أمر فيه والموالاة على هذا الشرع.
فالتكليف العيني العبادي: كأداء الصلاة والصيام.
والتكليف الكفائي العبادي: كإقام الصلاة.
وإقام الصلاة غير أداء الصلاة، فأداء الصلاة لا يحتاج فيه الإنسان إلى معونة غيره فصار عينيًا، ولكنه رغم ذلك يحتاج إلى الاجتماع مع غيره في الجمع والجماعات. أما إقام الصلاة فمسئولية تضامنية لا يستطيع الفرد القيام بها بمفرده ولابد له من معونة غيره فيها فإقام الصلاة يقتضي: اتخاذ المساجد ووضع القراء والعلماء والمفتين لها والعناية بها، وإقام الصلاة يقتضي إجبار المكلفين على فعلها وقتال من تركها أو عاند في تركها، وإقامة الحكام والقضاة والملوك وترتيب الأجناد لذلك، وكإيتاء الزكاة وسائر التكليفات الشرعية المتعلقة بحق الله الخالص.
والتكليف العيني العادي: مثل بر الوالدين، وصلة الرحم، ورعاية الجار، وإغاثة الملهوف، وإعانة الرجل على دابته، وإماطة الأذى عن الطريق، كل ذلك يفعله الإنسان بمفرده، دون حاجة إلى معونة غيره.
وأما إقامة الأحكام الشرعية من قطع يد السارق، وجلد أو رجم الزاني، وقتل القاتل، وقتال المحاربين المفسدين في الأرض والقضاء بين الناس بالعدل الذي أمر الله به في شرعه، فكل ذلك لم يخاطب به الإمام أو الأمير أو القاضي أو القائد بمفرده وإنما خوطب به الذين آمنوا، يقول الله سبحانه وتعالى:  âالزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ([13])، ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ([14])، ويقول سبحانه: ﴿ إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ([15])، ويقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى([16])، فالخطاب للجماعة ولا يمكن ذلك بمباشرة كل فرد في هذا التكليف، وإنما يكون بإقامة السلطة الشرعية التي تقوم بذلك، وإقامة هذه السلطة هو مسئولية تضامنية يحتاج فيها الإنسان إلى غيره ولا يمكن أن يقوم بها بمفرده.
يقول سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ *وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ([17]).
يقول ابن كثير في تفسيرها: «يقول تعالى مخبرًا عن قدرته العظيمة أنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته فإن الله يستبدل به من هو خير لها منه وأشد منعة وأقوم سبيلاً كما قال تعالى:﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾([18])».
وأقـول([19]): ذكر الله سبحانه وتعالى (الفرد) في قوله: ﴿ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ ﴾أي: في نكوثه عن القيام بواجبه، وذكر (القوم) في الاستبدال وهم الجماعة وذلك دليل على أن النصرة بالجماعة من خلال جهد الفرد وقيامه بواجبه.
 المسئولية الفردية والاجتماعية والتضامنية:
وإذا كان للفرد العادي:
1- مسئولية فردية لا يحتاج فيها إلى غيره ويؤديها منفردًا، كأداء الصلاة.
2- ومسئولية فردية لا يحتاج فيها إلى غيره, ولكن يؤديها في جماعة مع الآخرين من المسلمين، مثل إقام الصلاة.
3- ومسئولية تضامنية كإقامة الدولة المسلمة التي تقيم الملة والشريعة وتحفظ البيضة وتجاهد الأعداء وتضع إطار الولاء والبراء لجهد الأفراد حتى لا يخرج عنه حسبما شرع ربنا سبحانه وتعالى.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلمون أمة واحدة، تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم», وهذه المسئولية يحتاج فيها الفرد إلى غيره ويتعاون ويتضامن فيها مع غيره من باب التعاون على البر والتقوى، وهو مسئول عنها أمام الله كمسئوليته التي لا يحتاج فيها إلى جهد غيره معه، إننا كأفراد مسئولون عن توثيق عرى الأخوة فيما بيننا, يسعى كل منا إلى غيره من أجل ذلك، حتى نعتصم بحبل الله جميعًا وهو الجماعة, ولا نتفرق كما أمرنا سبحانه وتعالى، ومسئولون عن جهاد عدونا: ﴿ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ([20]).
يقول ربنا عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ * إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ([21])، ويقول عز وجل: ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا([22]).
أقول: إذا كان الفرد العادي مسئولاً عن كل ذلك، فإنه مسئول أيضًا عن فعل غيره، بالنصيحة وتغيير المنكر ودفع الظلم.
يقول سبحانه وتعالى: ﴿ وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً([23])، يقول ابن جرير في تفسيرها: «حدثني المثنى قال حدثنا أبو صالح قال: حدثنا معاوية عن علي عن ابن عباس: ﴿ وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّة ([24])، قال: أمر المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب».
ويذكر ابن كثير في تفسيرها أحاديث كثيرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأقوال موقوفة عن أبي حذيفة وعن النعمان بن بشير كلها تدور على هذا المعنى ومنها:
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة سمعت أبا إسحاق يحدث عن عبيد الله بن جرير عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعملون ثم لم يغيروا إلا عمهم الله بعقاب»([25]).
وعن جرير بن عبد الله رضى الله عنه قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم. متفق عليه.
وعن أنس رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا لم نؤذ من فوقنا فإذا تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا».
وعن ابن مسعود رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان رجل يلقى الرجل فيقول له يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم بعض ثم قال: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ إلى قوله: ﴿ فَاسِقُونَ([26])، ثم قال: «كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرًا، ولتقصرنه على الحق قصرًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم»([27]). معنى تأطرونهم: أي تحملونهم على الحق. وتقصروهم: أي تحبسونهم عليه.
وعن أبي بكر الصديق رضى الله عنه قال: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ([28])، وإنكم تضعونها على غير موضعها, و إني موضعها، و إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله عز وجل أن يعمهم بعقابه»([29]).
يقول صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم»([30])، ([31]).