مقدمة كتاب المقومات للأستاذ سيد قطب بقلم شقيقه الأستاذ محمد قطب

مقدمة كتاب المقومات للأستاذ سيد قطب بقلم شقيقه الأستاذ محمد قطب

رد لكثير من الشبهات وتوضيح لكثير من الحقائق التى غابت عن الناس وإجابة على سؤال ماذا كتب الأستاذ سيد فى السجن .

تأخر هذا الكتاب كثيراً عن موعده الذي قدرناه له ، والذي توقعه كثير من الناس الذين علموا بوجود مخطوطته .. حتى شاء الله له أن يصدر في اللحظة التي قدرها – سبحانه – لصدوره .

كان الشقيق الشهيد قد انتهى من كتابته في الأيام الأخيرة من وجوده في السجن ، قبل تنفيذ الحكم عليه من قبل الطغاة المتربصين بالإسلام . وبدعاته الذين أقضوا مضاجعهم بكلمة الحق التي لم يطقها طاغية في التاريخ ، ولم يصبر على دعاتها طاغية في التاريخ .. كلمة " لا إلة إلا الله " التي تعني أن الولاء والعبودية والطعة ينبغي أن تكون كلها لله ، لا لأحد من أولئك الطغاة .

وكان كتاب " المعالم " قد بلغ مبلغه من أثارة حنق الذين لا يطيقون " لا إله إلا الله " ليس فقط لأن  الكتاب كله مركز حول المعنى الحقيقي للا إله إلا الله ، وكونها منهج الحياة ، ولكن لأن الشهيد – في هذا البكتاب بالذات – أراد أن يردّ لها مدلولها الحقيقي . الذي نزلت به من عند الله ، والذي صنع الله به ما صنع في واقع الأرض . من إخراج الأمة المثالية التي وصفها خالقها سبحانه بأنها خير أمة أخرجت للناس ، وانطلاق هذه الأمة بهذا الرصيد الهائل تحطم الطواغيت في الأرض ، وتقيم مكانها حكم الله وشريعته ومنهجه وتجعل الدين كله لله . ولأنه أراد أن يبين للناس أن " لا إله إلا الله " التي يدخل الناس بها الجنة في الآخرة ، ويزيل بها الجاهلية من الأرض ، ويقيم بها دولة الحق في الحياة الدنيا ، ليست الكلمة التي تُنطق باللسان دون أن يكون لها رصيد من يقين القلب وواقع السلوك ، إنما هي تلك التي تُنطق باللسان ، ويملأ اليقين بها القلب وتتمثل في سلوك واقعي يقيم المنهج الرباني والشريعة الربانية ، ويجاهد الأنظمة الجاهلية ولا يرضى بها ولا يرضى عنها ، وإلا فهي كلمة بلا رصيد ، لا يقبلها الله فب الأخرة ، ولا تغيّر شيئاً في واقع الأرض ، لأنها لم يبرأ من الشرك المتمثل في إقرار حاكمية البشر بدلاً من حاكمية الله . والبراءة من الشرك هي الشرط لقبول لا إله إلا الله في الآخرة ، تلك البراءة التي قال عنها الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – " من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة " كما أنها شرط التمكين في الأرض لقول الله سبحانه : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين قبلهم ، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً " .

ولقد كان أعداء الإسلام حين جاسوا خلال الديار الإسلامية قد نحوّا شريعة الله عن الحكم ، وحكموا بدلاً منها شرائع البشر ، ثم قالوا للناس : لا بأس عليكم ! فأنتم مسلمون مادمتم تصلون وتصومون  وتقومون بشعائر العباده . ثم صلتوا عليهم من الافكار والمعتقدات والانظمه وانماط الحياة الواقعيه ما يصرفهم عن الصلاة والصوم والعبادة ، ثم قالوا  لهم : لا بأس عليكم ! فأنتم مسلمون مادمتم تقولون : لا إله إلا الله ! فلما جاء كتاب  (( المعالم )) يقول للناس : إنها ليست هذه التي تعطي الناس صفة الإسلام ، إنما هي تلك التي ينطقها الناس بلسانهم ، وتستيقن بها قلوبهم ، ويعملون بمقتضاها في واقع حياتهم .... لم يطق أعداء الله أن يفسد عليهم الكتاب جهد قرن كامل من الزمان ، ظلوا فيه يبعدون الناس عن حقيقة الإسلام ، وهم يوهمونهم طول الطريق أنهم مازالوا مسلمين ! لذلك صدر الحكم – من اكثر من مكان في الارض – بقتل صاحب الكتاب !

أما هذا الكتاب الذي نقدمه اليوم ، الذي انتهي منه صاحبه في الأيام الأخيره في السجن قبل تنفيذ الحكم ، وكتب القسم الأخير منه علي أوراق الادعاء التي أعطيت له قبل المحاكمه ، فهو الجزء الثاني من كتاب (( خصائص التصور الإسلامي ومقوماته )) وهو يحوي مقدمة وعددا من الفصول أشار إليها المؤلف أكثر من مره في ثنايا الكتاب : المقدمه بعنوان ((( وجهة البحث )) ثم فصل بعنوان (( مقومات التصور الإسلامي)) وفصل بعنوان ((ألوهية وعبوديه )) وفصل بعنوان (( حقيقة الألوهية )) وفصل بعنوان (( حقيقة الكون )) ، ثم فصلان بعنوان (( حقيقة الحياة )) و(( حقيقة الانسان )) زلكن الذي وصل الينا منه هو المقدمة والفصول الاربعة الاولي . اما الفصلان الاخيران (( حقيقة الحياة )) و((حقيقة الانسان )) فهما مفقودان .... ولقد ظللنا فترة طويله امتدت الي سنوات نبحث عن الفصلين الضائعين ، أو ننتظر أن يعثر عليهما احد الاصدقاء في اي مكان فيرسلهما الينا ليكتمل الكتاب . ولكن انتظارنا طال بلا جدوي . فرأينا آخر الأمر أن ننشره في صورته الراهنه ، بدون الفصلين الاخيرين ، علي أن نعيد نشره في صورته الكاملة في أي لحظه نعثر فيها علي بقية الكتاب .. إن كان ذلك في قدر الله .

قال لي كثير من الاصدقاء ونحن في فترة الانتظار : لماذا لا تكتب انت الفصلين الناقصين علي نسق الفصول الاربعة الموجودة  ، وتخرج الكتاب كاملاً للناس ، وأنت أقرب الناس إلى مؤلفه ، وأولى الناس أن تقوم بهذا العمل من بعده ؟!

وكنت أقول لهم دائماً ، كما أقول في هذه اللحظة : " رحم الله أمرأٍ عرف قدر نفسه ". وإن معرفتي بقدر نفسي ألا أتعرض لهذا العمل الذي لا أحسنه . فلست أحسن إلا ما أكتبه لنفسي ، وعلى المستوى الذي  أكتب به ، ولست أبلغ مستوى الشقيق ، وخاصة في هذا الكتاب بالذات ، الذي أودعه عصارة تجربته الإيمانية ، كما بلغ فيه قمته التعبيرية ، التي تعبر عن قضايا غاية في العمق ، في سيولة متدفقة كأنما هي نشيد ينشد ، لا "فكرة " تصاغ !

إن هذه القضايا حين تتناولها الفلسفة تحيلها تجريدات ذهنية باردة تنطلق في الذهن ، أو تتعثر بداخله ، ولكنها تظل في برودها هناك – في داخل الذهن – لا تنبض بالحياة الحقيقة التي تحولها إلى تجربة نفسية متكاملة ، يعيشها الانسان بكيانة كله لا بذهنة فحسب .

وحين يتناولها الوجدان يحيلها رفرفات روحية طائرة ، تأنس الروح لها لحظة ، ولكنها تذهب مع إشراقة الروح الموقوتة ، ولا يتبقى منها شيء يمسكه الإنسان بفكره ، ليعود إليه فيتدبرة ويتملاه . فكأنما هي تجربة لحظة عابرة ليس لها استمرار محسوس فس داخل النفس !

أما تناول هذا القضايا في صورة يمكن أن يمسكها الفكر ، ليتدبرها ويتملاها حين يريد ، في ذات اللحظة التي تنطلق بها الروح في رفرفاتها الشفيفة ، فتلك قمة نفسية وقمة تعبيرية في ذات الوقت ، لا يقدر عليها إلا من فتح الله عليه بنور من عنده ، فبلغ غاية إشراقة الذهني وغاية إشراقة الروحي في آن واحد . وهو فضل الله يؤتية من يشاء ، في الوقت الذي يشاء ، وبالقدر الذي يشاء ، وقد أفاض الله منه على الشقيق بالقدر الذي يلمسه من يقرأ الكتاب

أمر أخر كنت أرد به على السائلين والمقترحين .. هو أنني آليت علي نفسي دائما وأنا أعيد نشر مؤلفات الشقيق أن أبقيها كما هي بلا زيادة ولا حذف ولا بيان ، ليقرأها قراؤها كما كتبها بنفسه دون تعديل ..

حتي حين كان هناك – فيما يبدو لبعض الناس – ما يحتاج الي تعديل بالحذف ، أو الاضافة ، أو الشرح ، أو التعليق .

حتي حين شغل بعض الناس أنفسهم بقضايا لا وجود لها في الحقيقه ، كقضية (( وحدة الوجود ))

حقيقة إن هناك في (( الظلال )) عبارات موهمة ، توهم من يأخذها وحدها أنها مما يستخدمه أصحاب " وحدة الوجود " ولكن الباحث المنصف ، حين يجد في الظلال في أكثر من مائة موضع عبارات صريحة حاسمة تقطع بإيمان كاتبها أن الله غير مخلوقاته وأنه لا مجال للخلط بين الخالق والمخلوق في صفة واحدة من الصفات ، ولا فعل واحد من الأفعال ، فإنه ينبغي أن يحمل تلك العبارات الموهمة على العبارات الحاسمة القاطعة فيزول ما بها من إيهام .

أرأيت لو أن إنساناً قرأ في كتاب الله قول الحواريين – والمقامات محفوظة لأصحابها – " هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء " فقال إن الحواريين يشكون في قدرة الله ! هل يكون لقوله حقيقة؟!

كلا بالطبع ! إننا نعلم يقينا من كتاب الله أنهم مؤمنون ، والمؤمن لا يشك في قدرة الله فوجب إذن تأويل هذه العبارة الموهمة وهي قولهم " هل يستطيع ربك " بما يصرفها عن ظاهرها ، لتتناسق مع مقتضى اليقين الثابت بإيمان الحواريين . كذلك الشأن في العبارات الموهمة التي وردت في " الظلال " في تفسير سورة الحديد والإخلاص .. ينبغي أن تؤول على مقتضى العبارات الحاسمة الواردة في الكتاب نفسه . بما ينفي ما يمكن أن توحي به من إيهام بوحدة الوجود ..

وعلى أي حال فقد جاء في هذا الكتاب الذي نقدمه اليوم ما يزيد هذا الأمر وضوحاً وينفي أي لبس من هذا القبيل .

جاء في فصل " ألوهية وعبودية " ( ص 38 ) :

" إن التصور الإسلامي يفصل فصلاً تاماً بين طبيعة الألوهية وطبيعة العبودية ، وبين مقام الألوهية ومقام العبودية ، وبين خصائص الألوهية وخصائص العبودية ، فهما لا تتماثلان ولا تتداخلان )) .

وجاء في نفس الفصل ( ص118) :

((لقد اعتبر الإسلام قضية التوحيد هي قضيته الأولي وقضيته الكبري . توحيد الألوهية وإفرادها بخصائصها ، والاعتراف بها لله وحده ، وشمول العبودية لكل شئ ولكل حي ، وتجريدها من خصائص الألوهية جميعا .. فالتوحيد – علي هذا المستوي وفي هذا الشمول – هو ((مقوم)) الإسلام الأول )).

هي كما تري عبارات قاطعة حاسمة . يحمل عليها أي تعبير – جاء بلا قصد – فيه لبس ، أو إيهام .

وحتى حين قيل إن فكر سيد هو فكر الخوارج !

إن المعروف عن الخوارج أنهم يكفرون الناس بالمعصية ، ويأخذون ظاهر العمل بصرف النظر عن النية المصاحبة له . ويحكمون على من شاءوا بالكفر لمجرد اختلاف في الرأي أو خلاف في السلوك ، دون رجوع إلى القواعد الشرعية في هذه الأحكام !

وفي الكتاب الذي بين أيدينا يجد القارئ الفهم الواضح الصحيح للقواعد الشرعية المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – في قضية " الحاكمية " التي هي مدار الحديث ..

يقول سيد في فصل " ألوهية وعبودية " ( ص 170 ) بمناسبة الحديث عن الآيات الكريمة في سورة النساء : " ألم ترى إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك " إلى قوله تعالى : " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك .. "

" أننا أمام جماعة من الناس ، في المجتمع المسلم في دار الإسلام ، " يزعمون " أنهم آمنوا بما أنزل إلى النبي – صل الله عليه وسلم – وما أنزل من قبله .. أي أنهم يقولون : نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وأن الرسلات كلها حق ، وأن ما بها من الشرائع حق ، وأن الملائكة حق ، وأن الآخرة حق أن القدر خيره وشره حق .. فهذا هو الإيمان بما أنزل إلى الرسول – صلى الله عليه وسلم – وما أنزل من قبله . وهم يزعمون أنهم آمنوا بهذا كله .

ولكن الله – سبحانه – لا يقبل منهم هذا الزعم ، ولا يعتبر قولهم هذا إيماناً ، بل يعجّب من أمرهم وأمر زعمهم هذا !

(( لماذا ؟ لماذا لايقبل الله منهم هذا القول وهذه الشهادة ولا يعتبرهما ؟ )) .

(( ذلك أنهم يقولون هذا بينما هم (( يريدون )) أن يتحاكموا إلي الطاغوت )) لا إلي شريعة الله ، ولا يرجعون فيما اختلفوا فيه إلي الله والرسول  .... والطاغوت – كما يفسره الإمام ابن جرير الطبري – هو (( كل ذي طغيان علي الله ، فعبد من دونه ، إما بقهر منه لمن عبده ، وإما بطاعة ممن عبده له ، إنسانا كان ذلك المعبود ، أو شيطانا أو وثنا ، أو صنما ، أو كائنا ما كان من شئ )) ... فهؤلاء الناس يريدون أن يتحاكموا إلي شئ من شريعة هذا الطاغوت ولا يريدون أن يتحاكموا إلي شريعة الله ، فيعبدوهم الله (( زاعمين )) لا صادقين ... مع قولهم إنهم آمنوا بما أنزل إلي النبي _ صلي الله عليه وسلم – وما أنزل من قبله . مما يقطع بأن القول باللسان : أشهد أن لاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله . وأن الرسالات كلها حق ، وأن الملائكة حق ، وأن ا لآخرة حق ، وأن قدر الله خيره وشره حق .. أن هذا القول لا يقبل ، ولا يعتبر هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله التي تدخل قائلها في الإسلام ، وتعطيه صفة المسلم ، وتعصم دمه وماله بالإسلام ...متي صحبها إرادة التحاكم إلي غير شريعة الله ، وعدم الرجوع فيما يختلف فيه – في كل شأن من شئون الحياة الإنسانية – إلي الله )) .

ثم يقول ( ص 173 ) :

(( وبعد أن يقرر أنهم كاذبون في ادعائهم الإيمان بما أنزل إلي الرسول وما أنزل من قبله . بدلالة أنهم (( يريدون أن يتحاكموا إلي الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به )) فهذه الإرادة وهذا الاتجاه يكذبان قول اللسان ويبطلان قيمته ... بعد ذلك يصمهم بالنفاق )) .

ثم يقول ( ص 174 )  :

(( والتقرير الأخير في السياق ، هو النص الصريح علي شرط الإيمان وحده ، في صورة من صور التوكيد الشديدة :

((فلا وربك لا يؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما )) .

(( وهو نص صريح قاطع . لامجال للمحاكمة فيه ، ولا قول بعده لقائل ، لأنه من المحكم الذي لا رأي – مع النص – فيه :

(( ومفاده أن أولئك الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلي الرسول – صلي الله عليه وسلم – وما أنزل من قبله ، الذين قد يقولون : نشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وأن الرسل حق ، وأن اليوم الآخر حق ، وأن القدر خيره وشره حق .. أن هؤلاء إذا اتجهت إرادتهم إلي التحاكم لغير شريعة الله ، أو حتي إذا تحاكموا إلي شريعة الله وسنة نبيه ولكن لم ترضي نفوسهم ولم تسلم قلوبهم ، لم يعتبر قولهم ذاك ، ولم تعتبر شهادتهم تلك ، ولم يدخلوا في عداد المؤمنين ، ولم يكتسبوا صفة الإيمان . إن شهادة اللسان تؤخذ وتعتبر إذا لم يصاحبها عدم الرضي والاستسلام لحكم الله ورسوله في أي شأن من شئون الحياة )).

(( علي أنه بالرجوع إلي أصل القضية ... وهي أن الحاكمية وحق تعبيد الناس ، وتشريع الشرائع لهم ، هو أولي خصائص الألوهية ، التي لا يدعيها لنفسه مؤمن بالله ، ولا يقره عليها مؤمن بالله كذلك .. وأن الذي يدعي حق الحاكمية وحق تعبيد الناس لما يشرعه لهم من عند نفسه ، إنما يدعي حق الألوهية ، وأن الذي يقره علي هذا الادعاء ، أو يحتكم إلي ما يشرعه للناس من عند نفسه – إلا مكرها كارها منكرا باليد ، أو اللسان ، أو القلب – فإنما يقره علي ادعاء صفة الألوهية .. وأن من يرفض تحكيم شريعة الله في كل شأن من شئون الحياة ، إنما يرفض الاعتراف بألوهية الله- سبحانه – ولو في جانب من جوانب هذا الكون هو الحياة البشرية – وأنه من يقره علي هذا الرفض فإنما يشترك معه في رفض ألوهية الله سبحانه في هذا الجانب ، وإن الذي يرفض ألوهية الله لايمكن أن يقال عنه : إنه مسلم لله – مهما يزعم ذلك بلسانه – طالما أن هذا الزعم مصحوب بفعل يناقض مدلوله ، وهو إرادة التحاكم إلي الطاغوت ، وعدم التحاكم إلي شريعة الله . ومن باب أولي الحكم بالطاغوت وعدم الحكم بما أنزل الله ..

(( نقول بالرجوع إلي هذه الاصول التي تقررها نصوص القرآن الصريحة لا مفهوماته المستنبطة ، لا تبقي حاجة  إلي بيان جديد ، ولا يبقي مجال للجدل الجاد ... وإنما هو المراء الذي لا يستحق الاحترام )) .

من هذه  النصوص التي توسعنا في اثباتها يتبين بوضوح أنه يشترط – لإطلاق حكم الكفر فيما يتعلق بقضية الحاكمية – إرادة التحاكم إلي الطاغوت ، والرضي بغير حكم الله . وهذا الذي اتفق عليه علماء المسلمين في جميع الأمصار وجميع الأعصار ، وبخاصة علماء السلف من هذه الأمة رضي الله عنهم وأرضاهم .

أما الحكم علي هذا الجيل من الناس ، وهل هم مريدون للتحاكم إلي الطاغوت ، راضون بغير حكم الله ، أم لا تتوفر فيهم الإرادة والرضي ... فمسالة قد تختلف فيها وجهات النظر . ولكن العبرة ليست بهذا الاختلاف ، وإنما العبرة بالقواعد الشرعية التي تنبني عليها الأحكام.

وحتي حين قيل : إن الشقيق -  في دعوته – يجافي أمر الله باستخدام (( الحكمة والموعظة الحسنة )) في الدعوة ! وأمره تعالي باستخدام (( القول اللين )) .....!

لقد أصبح كثير من الناس يتصورون من الحكمة والموعظة الحسنة أنها تعني التربيت علي أخطاء الناس وانحرافاتهم ، وعدم مواجهتهم بها خشية أن ينفروا من الدعوة ولا يستجيبوا لها !

فمن أين جاءوا بهذا الفهم لهذا التوجيه الرباني الكريم ؟ !

هل هناك من هو أكثر فهما لهذا التوجيه الكريم من الرسل الذين وجه القول إليهم ؟!

فكيف فهم رسول الله – صلي الله عليه وسلم- هذا الأمر المنزل إليه من ربه أن يدعو إلي سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ؟ وكيف فهم موسى وهارون عليهما السلام توجيه الله لهما أن يقولا لفرعون قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى ؟

فأما رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقد صدع بما أمر .. فقالت عنه قريش : لقد عاب آلهتنا وسفّه أحلامنا وكفر آباءنا وأجدادنا !!

وأما موسى وهرون عليهما السلام فقد بدأ بأن قالا : السلام على من اتبع الهدى . ولم يقولا لفرعون : السلام عليك ! وفي ذلك إشارة ملحوظة إلى أن فرعون غير متبع للهدى . ثم ثنيا بأن قالا " إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى " . وفي ذلك تهديد واضح لفرعون وقومه بالعذاب الذي ينتظرهم إن هم كذبوهما وتولوا عن الحق الذي يعرضانة عليهم ! وكان هذا هو " القول اللين " الذي أمرا بتوجيهه إلى فرعون !

إن التلطف واجب . ولكنه في إظهار الحق . ليس التلطف في إخفاء الحق ! فهذا الأخير هو الذي قال عنه تعالى لنبيه – صلى الله عليه وسلم - : " وَدُوا لو تدهن فيدهنون " .

وسيد لم يقل لأحد من الناس : أنت كافر !

إنما كان دائما يقول : إن للإيمان صفات معينة وردت في كتاب الله وسنة رسوله ، وللكفر صفات وردت كذلك في كتاب الله وسنة رسوله . فمن وجد في نفسه صفات الإيمان فليحمد الله على ما أنعم عليه . ومن وجد في نفسه الصفات الأخرى فليرجع إلى الله ويتخلص من الصفات التي تخرجه من الإيمان .. وذلك هو مقتضى الحكمة والموعظة الحسنة بالنسبة لأحوال الناس في الغربة التي يعيشها الإسلام اليوم ، تلك الغربة التي أشار إليها الرسول – صلى الله عليه وسلم- في حديثه : "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء "

ولكن حتى حين قيل هذا وذاك ، أو غيره من القضايا المتوهمة ، أو المفتعلة بغير أساس ، فإنني لم أرغب مرة واحدة أن أتدخل في النص الذي تركه الشقيق . بحذف، أو إضافة  ،أو تعليق ، أو شرح ..

كذلك كان موقفي بالنسبه لهذا الكتاب .. فلم أفكر في أن أضيف شيئاً من عندي يحل محل الفصلين المفقودين . ولكني أضع بين يدي القاريء إشارات ربما تعينه على تصور شيئ مما ضاع من أفكار الكتاب .

إن فصل " ألوهية وعبودية " هو في الحقيقة محور الكتاب كله ، المحتوي على الفكرة الشاملة فيه ، وفيه الخطوط العريضة للفصول التالية جميعاً كما أشار الشقيق أكثر من مرة في ثنايا الفصل وكما هو متحقق بالفعل في الفصل الموجود بعنوان " حقيقة الألوهية " والفصل الآخر بعنوان " حقيقة الكون " فهما في الحقيقة شرح مفصل لما جاء عن موضوعهما من خطوط عريضة في فصل " ألوهية وعبودية " . كذلك نستطيع أن نتصور محتوى الفصلين المفقودين على ضوء ماورد من خطوط عريضة عن موضوع كل منهما في ذلك الفصل الأساسي ، فصل " ألوهية وعبودية " .

كذلك فإن الشقيق كان يجمَّع قبل البدء في كتابة كل فصل ما يريد أن يعرضه فيه من الآيات القرآنية ، وكذلك النقاط الرئيسية التي يريد أن يتناولها بالحديث . وقد فعل ذلك بالنسبة للفصلين المفقودين، وخاصة بالنسبة للفصل الأخير " حقيقة الإنسان " ، فقد أورد فيه نقاطا تفصيلية . وسنثبت في نهاية الكتاب ما كان قد دونه من الآيات والنقاط تحت عنوان " حقيقة الحياة " و " وحقيقة الإنسان " لعلها تلقي ضوءاً على ما كان يريد من البيان .

ونرجو من الله التوفيق.

تعليق بقلم الشيخ عبد المجيد الشاذلى.

مناط التحاكم لا يتحقق فى حالة الاستضعاف أو عدم القدرة على إقامة شرع الله إلا بإرادة التحاكم والرضا والمتابعة, فمن كان كارها ومنكرا فلا يمكن أن يوصف بالتحاكم ولذلك كتبنا فى الرد على أهل الغلو عن لجوء الناس إلى المحاكم لرد اعتداء أو لاستيفاء حق مع عدم الرضا والمتابعة وتحقق شرط الكره والإكراه أن هذا ليس تحاكما إلى شرع غير شرع الله .

التكيف الشرعى لا يتكون إلا بفعل محسوس وقصد مقارن فالقصد له دور كبير فى تحقيق التكيف الشرعى والمناط الشرعى لأى وصف من الأوصاف. فالذى يشارك فى الحياة السياسية لإقامة شرع الله لا يعتبر كما يقولون منغمسا فى الكفر لتحقيق مصلحة بل هو أبعد الناس عن الكفر, وقد أخذ وضع المواجهة ولم ينسحب من الساحة ويولى أعداء الدين ظهره ويخلى لهم الساحة بانسحابه وانعزاله وتقوقعه لإبعاد الدين عن كل مجالات الحياة .

المصدر: 
الموقع