شكر مستحق .. واعتذار واجب .. ل -طلعت حرب-!

شكر مستحق .. واعتذار واجب .. ل -طلعت حرب-!

إذا سألت عشرة من الشباب المصريين اليوم عن "طلعت حرب"، فإن تسعة منهم على الأقل سيقولون لك على الأرجح أنه "صاحب" الميدان القريب من ميدان التحرير فى قلب القاهرة .. ولا شئ غير ذلك.

وليس هذا ذنبهم .. وإنما هو ذنب ثقافة سائدة تروج لـ "أبطال" من نوع مختلف، وتهيل التراب على ذاكرة الوطن الزاخرة بأبطال حقيقيين، وليس "نموراً من ورق".
وفى الخامس والعشرين من الشهر الماضى حل عيد الميلاد رقم 140 لرائد الاقتصاد المصرى طلعت باشا حرب الذى ولد فى نوفمبر 1867 بمنطقة قصر الشوق فى حى الجمالية وفى رحاب مسجد الأمام الحسين، وهو نفس الحى الذى ألهم الأديب العالمى نجيب محفوظ أعظم ابداعاته.
وكان من الممكن – بل من المرجح – أن تمر هذه المناسبة دون أن يلتفت إليها أحد، كما يحدث فى الأغلب من المناسبات المهمة المماثلة. لكن ذكرى طلعت حرب نجت من هذا المصير، ويعود الفضل فى ذلك إلى "مركز طلعت حرب الثقافى"، الذى هو مجرد مركز من مراكز وزارة الثقافة التى يعشش العنكبوت فى معظمها ولا تقدم خدمة ثقافية تستحق الذكر. لكن هذا المركز الكائن فى شارع السيدة نفسية بمنطقة "زينهم" الشعبية، والذى تستدل عليه بأنه "أمام مجمع الدكتور فتحى سرور"!! جاء استثناء من ذلك وأصبح إسما على مسمى.
ورغم اختلافى مع كثير من سياسات وزارة الثقافة فإنه لابد لى أن أعترف بأن هذا المركز أحد حسناتها.
فمن الأمور التى تثلج الصدر أن يكون هناك فى هذه الوزارة من فكر أصلاً فى إقامة مركز باسم طلعت حرب، وأن يحرص هذا المركز على أن يكون جديراً بالأسم الذى يحمله، وهذا ما فعلته المديرة النشطة والذكية لهذا المركز الاستثنائى، السيدة إيمان عبد المحسن، التى كانت أول من وضع هذه المناسبة على جدول الأعمال، ووضعت برنامجاً بعيداً عن التقليدية والبيروقراطية للاحتفال بها، حظى بدعم رئيسها المباشر الدكتور أحمد مجاهد المشرف على صندوق التنمية الثقافية، والذى هو أيضاً – ولحسن الحظ – مثقف محترم وباحث أكاديمى حقيقى قبل أن يكون أحد أبرز القيادات الشابة غير الملوثة وغير المشبوهة بوزارة الثقافة.
ولم يتردد أحمد مجاهد فى دعم مبادرة السيدة "إيمان" مديرة المركز، وكانت نتيجة هذا التعاون تلك الاحتفالية الراقية والمحترمة التى جرت فى حى "زينهم" الشعبى بعيداً عن بريق فنادق الخمس نجوم التى تخطف الأضواء. وفى تلك الاحتفالية التى استغرقت ثلاثة أيام كانت هناك ندوة عن الدور الفكرى والثقافى لطلعت باشا حرب شارك فيها الدكتور زكريا سليمان والدكتور زكريا الشلق والدكتور حمادة إسماعيل والدكتور عبدالمنعم الجميعى والزميل رشاد كامل رئيس تحرير مجلة "صباح الخير".
وحسناً أن إلتفت برنامج الاحتفالية إلى ذلك الجانب لأن معظم الناس يتصورون أن طلعت حرب مجرد "ماكينة" فلوس واقتصاد وليس أكثر، فى حين أن له "آثارا صحفية وأدبية، كما كانت له معاركه الفكرية، من بينها إختلافه مع اجتهادات قاسم أمين فى قضية تحرير المرأة"، ورده على كتاب "تحرير المرأة" بكتاب "تربية المرأة والحجاب" كما رد على كتاب قاسم أمين "المرأة الجديدة" بكتاب "فصل الخطاب فى المرأة والحجاب".. وكانت هذه مجرد واحدة من معاركه الفكرية التى تستحق إلقاء الضوء مع الاحتفاظ بالحق لكل شخص فى معارضة وجهة النظر التى تبناها طلعت باشا حرب فى ذلك الزمان.
وفى اليوم الثانى كانت هناك ندوة أخرى عن "طلعت حرب رائد الاقتصاد المصرى الحديث" شارك فيها الدكتور محمود عبدالفضيل المفكر والباحث الأكاديمى والخبير الاقتصادى المرموق، والدكتور صلاح الدسوقى رئيس مركز أبحاث التنمية بالإضافة إلى كاتب هذه السطور وأدار الندوة الزميل محمد الشافعى رئيس تحرير مجلة روايات الهلال (سلسلة تاريخ مصر)، والذى اعتكف – فى الوقت ذاته – على إعداد كتاب "طلعت حرب قصيدة فى حب الوطن"، وهو كتاب صغير الحجم كبير القيمة أصدره صندوق التنمية الثقافية بمناسبة الاحتفال بمرور 140 عاماً على ميلاد طلعت حرب.
والكتاب يتضمن استعراضاً سريعاً للمحطات الرئيسية فى تاريخ طلعت حرب، ويتوقف بصورة خاصة أمام مقال كتبه عام 1907 على صفحات "الجريدة" قال فيه: "نطلب الاستقلال التام ونطلب ان تكون مصر للمصريين، وهذه أمنية كل مصرى، ولكن مالنا لا نعمل للوصول إليها، وهل يمكننا أن نصل إلى ذلك إلا إذا زاحم طبيبنا الطبيب الأوروبى ومهندسنا المهندس الأوروبى والتاجر منا التاجر الأجنبى والصانع منا الصانع الأوروبى وماذا يكون حالنا ولا "كبريتة" يمكننا صنعها نوقد بها نارنا ولا أبرة نخيط بها ملابسنا ولا فابريقة ننسج بها غزلنا ولا مركب أو سفينة نستحضر عليها ما يلزمنا من البلاد الأجنبية. فما بالنا عن كل ذلك لاهون ولا نفكر فيما يجب علينا عمله تمهيداً لاستقلالنا إن كنا له حقيقة طالبين وفيه راغبين .. وأرى البنوك ومحلات التجارة والشركات ملأى بالأجانب وشبابنا إن لم يعملوا فى الحكومة لا يبرحون القهاوى والمحلات العامة، وأرى المصرى هنا أبعد ما يكون عن تأسيس شركات زراعية وصناعية وغيرها، وأرى المصرى يقترض المال بالربا ولا يرغب فى تأسيس بنك يفك مضايقته ومضايقة أخيه وقت الحاجة. فالمال هو "أس" الأعمال كلها فى هذا العصر وتوأم كل ملك"
باختصار .. كان طلعت حرب يؤمن بأن الاستقلال الاقتصادى هو الأساس الحقيقى للاستقلال السياسى. ولم يكتفى الرجل بالدعوة إلى إنشاء بنك مصر بل استمر فى الترويج لهذه الدعوة ويكسب تأييد الحركة الوطنية لها، ورغم أن ظروف الحرب العالمية الأولى دفعت بهذه الدعوة إلى الوراء، فإنه ظل متمسكا بها وأعطتها ثورة 1919 بزعامة سعد باشا زغلول قبلة الحياة لينجح طلعت حرب فى إنشاء البنك عام 1920 حيث تم الاحتفال بتأسيسه مساء الجمعة 7 مايو 1920 فى دار الأوبرا السلطانية، وذلك برأسمال 80 ألف جنيه وتم تحديد قيمة السهم بأربعة جنيهات. وبدأ بنك مصر فى ركن متواضع من أركان شارع الشيخ أبو السباع، وظل طلعت حرب يعمل 15 ساعة يومياً لمدة خمس سنوات دون مقابل على الإطلاق. وساهم البنك فى تجميع أموال المصريين واستثمارها فى أكثر من عشرين شركة مصرية. وفى الوقت نفسه أرسل بعثات من شباب مصر إلى انجلترا وسويسرا وألمانيا للتدريب العملى على تكنولوجيا العمل المصرفى. وسرعان ما أنتقل البنك من مقره المتواضع فى شارع الشيخ أبو السباع إلى مقره الحالى فى شارع محمد فريد، وسريعا ما انتشرت فروع البنك لتصل إلى 37 فرعاً عام 1938.
وبعد عامين فقط من إنشاء بنك مصر قام طلعت حرب بإنشاء أول مطبعة مصرية برأس مال قدره خمسة آلاف جنيه، مؤكداً على أهمية أن تكون القراءة فى أيدينا وليس فى يد الأجنبى. وتوالت الشركات المصرية التى أنشأها البنك: الشركة المصرية لصناعة الورق (1923)، شركة مصر لحلج الأقطان (1924)، شركة مصر للتمثيل والسينما – ستوديو مصر - (1925)، الشركة العقارية المصرية (1926)، بنك مصر فرنسا (1926)، شركة مصر للغزل والنسيج، التى ظلت تتوسع حتى أصبح لها 12 مصنعا (1927)، شركة مصر لمصايد الأسماك (1927)، شركة مصر لنسج الحرير (عام 1927)، شركة مصر للكتان (1927)، بنك مصر سوريا ولبنان (1929)، شركة مصر للنقل والملاحة (1930)، شركة مصر لتصدير الأقطان (1930)، شركة بيع المصنوعات المصرية (1932) لمنافسة الشركات الأجنبية مثل شملا وشيكوريل وصيدناوى، شركة مصر للطيران (1932)، شركة مصر للسياحة (1934)، شركة مصر لعموم التأمينات (1934)، شركة مصر للملاحة البحرية (1934)، الشركة المصرية لصناعة ودباغة الجلود (1934)، شركة مصر للمناجم والمحاجر (1935)، شركة مصر لصناعة وتجارة الزيوت (1937)، شركة مصر البيضا للصباغة (1938)، شركة مصر للمستحضرات الطبية.
ولم تتوقف انجازات طلعت حرب عند صدور مصر ولكنها امتدت إلى الدول العربية، حيث أنشأ فروعاً للبنك وشركاته فى سوريا ولبنان والسودان والسعودية، وقام برصف الطريق بين جدة ومكة لأول مرة بعد أن كان طريقا ترابياً.
تلك النجاحات المبهرة أثارت أحقاد الاستعمار البريطانى والحكومات العميلة له، فاستغلوا الهزة الاقتصادية العالمية التى حدثت فى منتصف عام 1939 بعد بداية الحرب العالمية الثانية، وتآمروا على بنك مصر، فسحبت الحكومة ودائعها من البنك خلال عشرة أيام فقط، وفى إثرها تكالب عشرات الآلاف من المودعين على سحب ودائعهم وأموالهم من البنك، وسارع صندوق توفير البريد الحكومى إلى سحب كافة ودائعه من بنك مصر وحده، بالرغم من أن ودائعه فى البنك الاهلى كانت أضعاف أضعاف ما كان موجودا فى بنك مصر.
وعندما ذهب طلعت لمقابلة وزير المالية حسين باشا سرى ليحثه على إيقاف سحب ودائع صندوق التوفير الحكومى، رفض الوزير الطلب بإيعاز من على ماهر باشا الناقم على طلعت حرب بسبب منحه مصطفى باشا النحاس (زعيم الأمة) قرضاً بعد أن أنقصت الحكومة معاشه، وطلب إليه أن يتنحى عن إدارة البنك مقابل إنقاذ البنك من أزمته.
ولم يكن أمام الرجل سوى تقديم استقالته قائلاً "الحمد لله .. فليبق بنك مصر وليذهب ألف طلعت حرب".
وعاش طلعت حرب بعد استقالته عامين، كان يقول خلالهما للمقربين منه "لقد مت .. ولم أدفن" .. لكنه مات ودفن فعلا فى 13 أغسطس 1941، بعد ملحمة عظيمة حافلة بالدروس التى نحتاج إلى إعادة تعليمها، سواء من تجارب نجاح هذا الرائد أو مأساة قصم ظهره والانقضاض على أحلامه وإجباره على الاستقالة.
ولعلنا نقترب أكثر من تأثير هذه "النهضة" العظيمة التى قادها طلعت حرب على وجدان المصريين وقتها عندما نعلم أن أعظم شعراء ذلك الزمان كتبوا فيه قصائد مدهشة.
فهذا أمير الشعراء أحمد شوقى يخاطبه قائلاً:
وكأن مال المودعين وزرعهم
فى راحتيك ودائع الأيتام
مازلت تبنى ركن كل عظيمة
حتى أتيت برابع الأهرام
وهذا بشارة الخورى يناديه قائلاً:
يا "طلعة" العرب قد حققت بغيتهم
فكنت أعطف من أم على الضاد
للمال آناً وللآداب آوفة
صحائف من مروات وأمجاد
فى كل يوم على كفيك مأثرة
كأنها بسمة فى ثغر ميعاد
وهذا معروف الرصافى من العراق يقول:
إذا ما مصر فى المال استقلت
فلا تخشى التأخر فى السياسة
إذا ما الشعب كان أسير فقر
فما تجدى السياسة والحماسة
ولكن من سعى سعى "إبن حرب"
فقد نال السيادة بالكياسة
والمدهش أيضاً أن جبران خليل جبران كتب قصيدتين فى تحية طلعت حرب وبنك مصر يقول فى إحداهما:
يا بنك مصر وليد نهضة أمة
لما بنتك بنت للاستقلال
يا قوم حيو بنك مصر فإنه
حصن النجاة ومعقد الآمال
بل إن جبران خليل جبران لا يكتفى بالتغنى بالبنك المعجزة وإنما يتحدث عن "توابعه" الرائعة، وفى مقدمتها مصانع الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى.
ويبدو أن تأثر جبران خليل جبران بالتطور العائل الذى شهدته المحلة الكبرى جعله ينظم قصيدة ثانية يقول فى مطلعها:
عاد حقا أن المحلة الكبرى
بعد تعطيلها من النعت دهرا
فاحمدوا الله بكرة وأصيلا
يا بنيها ثم احمدوا بنك مصرا
هؤلاء الشعراء العظام – وغيرهن الكثير – لم يجمعوا على حب طلعت حرب بالصدفة، وإنما لأن الرجل كان صاحب "رؤية" شاملة وعابرة للسياسة والاقتصاد والثقافة تصب روافدها فى مشروع كبير يمكن أن نطلق عليه إسم "نهضة مصر". وعندما نسترجع الآن أسماء الشركات التى شيدها طلعت حرب، بتسلسل تواريخ إنشائها، وإصراره على أن يضع كلمة "مصر" فى قلب إسم كل شركة وطنية جديدة، ونرى الامتداد العربى لهذا المشروع .. وندرك سبب معاداة المستعمر الانجليزى لهذا المشروع النهضوى وحرصه على تدميره.
وندرك أن رجال الأعمال – كما نسميهم اليوم – ليسوا من طينة واحدة. فطلعت حرب رجل أعمال وأصحاب شركات توظيف الأموال وأصحاب العبَّارات التى تغرق فى قاع البحر الأحمر وتجار الفراخ الفاسدة والسماسرة ووكلاء الشركات الأجنبية رجال أعمال أيضاً. لكن هل يستوى هذا وهؤلاء؟!
وندرك أن نجاح رجل أعمال من نوعية طلعت حرب، ليس مجرد "شطارة فرد" أو ذكاء شخص واحد، وإنما هو نتاج تفاعل مجتمعى شامل، لأن طلعت حرب فى التحليل التهائى هو إبن مناخ ثورة 1919 الذى أفرزه مثلما أفرز سعد زغلول ومصطفى النحاس ومحمد عبدالوهاب وأم كلثوم وطه حسين ومحمود عباس العقاد وعلى عبد الرازق وقاسم أمين ومحمود مختار، وغيرهم من أولئك الذين قد تتنوع مشاربهم الفكرية ومدارسهم السياسية لكن جمعهم كلهم حلم كبير اسمه "نهضة مصر".
وندرك أيضاً .. بكل أسف .. أننا أبناء وأحفاد طلعت حرب نبدد تراثه وتاريخه وأحلامه، وأهملنا الشركات التى أسسها بشق الأنفس، ووضعها بعضها أمام مذلة الخصخصة، وأسأنا إدارة القلاع الصناعية التى جعلت جبران خليل جبران ينظم فيها القصائد والأشعار، حتى رأينا آلاف عمال مصانع المحلة الكبرى بالأمس القريب مضطرون للاضراب احتجاجاً على هذه الإدارة البليدة والظالمة والفاسدة.
وندرك أيضاً .. بكل حسرة .. أن أجدادنا ناضلوا من أجل إنشاء بنك مصرى للتخلص من سيطرة الأجانب على اقتصادنا، بينما نحن نسعى إلى بيع بنك وطنى مثل "بنك القاهرة" إلى الأجانب اليوم؟!
وندرك أيضاً .. بكل أمل .. أننا فى حاجة إلى طلعت حرب جديد يقنع المصريين فى مطلع القرن الحادى والعشرين بأن الاستقلال السياسى غير ممكن دون الاستقلال الاقتصادى.
مع إدراكنا فى نفس الوقت لأن الاستقلال الاقتصادى فى عصر العولمة وثورة المعلومات أمر يختلف اختلافاً جذرياً عن عصر ثورة المداخن وبدايات الرأسمالية.
وفى عيد ميلادك الأربعين بعد المائة .. الذى أثار كل هذه الشجون .. نقول لك يا طلعت باشا حرب بكل الحب والامتنان والحسرة أيضاً:
شكرا.. وعفواً!

بقلم: 
سعد هجرس
المصدر: 
الحوار المتمدن - العدد: 2119 - 2007 / 12 / 4