الإنفاق في الجهاد والتهلكة في التخلف

والجهاد كما يحتاج للرجال يحتاج للمال . ولقد كان المجاهد المسلم يجهز نفسه بعدة القتال , ومركب القتال , وزاد القتال . . لم تكن هناك رواتب يتناولها القادة والجند . إنما كان هناك تطوع بالنفس وتطوع بالمال . وهذا ما تصنعه العقيدة حين تقوم عليها النظم . إنها لا تحتاج حينئذ أن تنفق لتحمي نفسها من أهلها أو من أعدائها , إنما يتقدم الجند ويتقدم القادة متطوعين ينفقون هم عليها!

ولكن كثيرا من فقراء المسلمين الراغبين في الجهاد , والذود عن منهج الله وراية العقيدة , لم يكونوا يجدون ما يزودون به أنفسهم , ولا ما يتجهزون به من عدة الحرب ومركب الحرب . وكانوا يجيئون إلى النبي [ ص ] يطلبون أن يحملهم إلى ميدان المعركة البعيد , الذي لا يبلغ على الأقدام . فإذا لم يجد ما يحملهم عليه (تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون). . كما حكى عنهم القرآن الكريم.

وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)

من أجل هذا كثرت التوجيهات القرآنية والنبوية إلى الإنفاق في سبيل الله . الإنفاق لتجهيز الغزاة . وصاحبت الدعوة إلى الجهاد دعوة إلى الإنفاق في معظم المواضع. .

وهنا يعد عدم الإنفاق تهلكة ينهى عنها المسلمون:

(وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة , وأحسنوا إن الله يحب المحسنين). .

والإمساك عن الإنفاق في سبيل الله تهلكة للنفس بالشح , وتهلكة للجماعة بالعجز والضعف . وبخاصة في نظام يقوم على التطوع , كما كان يقوم الإسلام.

ثم يرتقي بهم من مرتبة الجهاد والإنفاق إلى مرتبة الإحسان:

(وأحسنوا إن الله يحب المحسنين). .

ومرتبه الإحسان هي عليا المراتب في الإسلام . وهي كما قال رسول الله [ ص ]:" أن تعبد الله كأنك تراه , فإن لم تكن تراه فإنه يراك" .

وحين تصل النفس إلى هذه المرتبة , فإنها تفعل الطاعات كلها , وتنتهي عن المعاصي كلها , وتراقب الله في الصغيرة والكبيرة , وفي السر والعلن على السواء.

وهذا هو التعقيب الذي ينهي آيات القتال والإنفاق , فيكل النفس في أمر الجهاد إلى الإحسان . أعلى مراتب الإيمان