‏الحـد مـن هـروب الأمـــــــــــــــوال

‏الحـد مـن هـروب الأمـــــــــــــــوال

تواجه مصر ثلاث مشكلات تؤدي إلي خروج وهروب الأموال إلي الخارج‏,‏ المشكلة الأولي في طريقة التفاوض مع المؤسسات الأجنبية‏,‏ والثانية في تبييض الأموال‏,‏ والثالثة المتعلقة بالفواتير المضروبة استيرادا وتصديرا‏.‏

تتلخص المشكلة الأولي في أننا لا نجيد التفاوض مع الشركات والمؤسسات متعددة الجنسيات‏,‏ وعندما نحاول علاج القصور في بعض البنود قد نتورط في نزاعات استثمارية دولية‏.‏ لكن آن الأوان لعلاج مثل هذه المشاكل‏,‏ خاصة أن العديد من البلدان في أميركا اللاتينية‏,‏ وأفريقيا‏,‏ وشرق أوروبا‏,‏ تبادر الآن إلي إلغاء العقود التي أبرمتها مع الشركات متعددة الجنسيات‏,‏ أو تعيد التفاوض معها فيما يتصل بتنفيذ هذه العقود‏.‏ ومن المرجح أن تحذو حذوها دول أخري‏.‏

فالتحولات الكبري التي تمر ببعض البلاد مثل ما حدث نتيجة ثورة يناير أو نتيجة للتغيرات في أسعار السلع‏,‏ أو التغيرات في المشاريع الاقتصادية‏,‏ قد تؤدي إلي إعادة التفاوض‏,‏ وخاصة حين يتعلق الأمر بالاستثمارات الضخمة في الموارد الطبيعية والبنية الأساسية‏.‏ ولكن كثيرا ما يرجع السبب إلي أن معظم العقود التي أبرمناها لم تكن عادلة‏.‏ وقد وضح من تتبع العقود التي أبرمناها مع تلك الشركات أننا لا نمتلك الخبرات المطلوبة للتفاوض بما يسمح لنا بالتوصل إلي أفضل اتفاق ممكن‏.‏ فالشركات متعددة الجنسيات الضخمة قادرة علي إرسال فريق تفاوض يتضمن محامين عالميين‏,‏ وخبراء في الجيولوجيا‏,‏ ومحللين ماليين مخضرمين‏.‏ علي عكس الحال عندنا حيث لا نستطيع مجاراة مثل هذا الفريق‏.‏ بل وربما لا ندري حتي ما الذي قد نحتاج إليه في إدارة مثل هذه المفاوضات‏.‏ وبالطبع سوف تكون النتيجة عقدا أشد إثارة للشكوك والمشاكل‏.‏ لذلك من الأهمية أن نستعين بخبراء دوليين لمساعدتنا في المفاوضات‏.‏ كما وضح بعد كثرة المنازعات علي المستوي المحلي والعالمي أن الشركات متعددة الجنسيات تريد أفضل صفقة ممكنة لصالحها‏;‏ ولكنها أيضا تريد عقودا مستمرة لا ترفضها الحكومات القادمة‏.‏

وهذا يعني أن لديها مصلحة في التفاوض علي اتفاق عادل‏.‏ وآن الأوان أن نستفيد من تجارب الآخرين ومن المقترحات المطروحة علي المستوي الدولي في هذا الشأن‏,‏ مثل الاستعانة بمؤسسة لإعانة عقود الاستثمار‏ICAF,‏ تعمل تحت مظلة إحدي المنظمات المحترمة علي مستوي العالم‏.‏ وتستطيع مثل هذه المؤسسة أن تعمل كطرف ثالث مستأمن تدفع له الشركة الأجر المطلوب لتمكين الدولة المضيفة من استئجار فريق تفاوض جيد‏.‏ ثم يوجه مدير مؤسسة إعانة العقود الدعوة إلي الدولة المضيفة لاختيار الفريق‏,‏ فيقترح عليها الخبرات والمهارات المطلوبة‏,‏ بل وقد يقدم إليها قائمة بالخبراء في هذا المجال‏.‏ وبهذا يكون للدولة المضيفة الحرية في اختيار فريقها‏,‏ ولسوف تكون النتيجة في النهاية عقدا عادلا قدر الإمكان‏.‏ بالإضافة إلي الدور الجديد الذي سيلعبه مجلس الشعب في تفعيل الرقابة علي مثل هذه المشروعات وصياغتها الصياغة التي تعود بالنفع علي الوطن‏.‏

والمشكلة الثانية وهي المتعلقة بتبييض الأموال‏,‏ فهي تساعد وتدعم الفساد‏,‏ وتشوه عملية صنع القرار في المجال الاقتصادي‏,‏ وتفاقم العلل الاجتماعية‏,‏ وتهدد سلامة المؤسسات المالية‏.‏ وتزيد من خطر إفلاس المصارف‏,‏ وتفقد الحكومة سيطرتها علي السياسة الاقتصادية‏.‏ وتضر بسمعة البلاد‏,‏ وتعرض شعبها لتجارة المخدرات والتهريب وسائر الأعمال الإجرامية‏.‏وقد استفاد مبيضوا الأموال من سرعة وسهولة المعاملات المالية الإلكترونية‏.‏ ويتناول تبييض الأموال عادة سلسلة من العمليات المتعددة التي تستخدم لإخفاء مصدر أرصدة مالية لكي يصبح بالإمكان استخدام تلك الأرصدة دون أن يتعرض المجرمون الذينيسعون إلي استخدامها إلي الملاحقة أو المساءلة‏.‏ فالأموال يتم تبييضها عن طريق مؤسسات صرف العملات‏,‏ ومؤسسات بيع وشراء الأسهم والسندات‏,‏ وتجار الذهب‏,‏ وكازينوهات القمار‏,‏ ووكالات بيع السيارات‏,‏ وشركات التأمين‏,‏ والشركات التجارية‏.‏ كما تشكل مراكز الأعمال المصرفية الخاصة في المصارف الكبري‏,‏ والمؤسسات المصرفية العاملة خارج بلدانها‏(‏ أوف شور‏),‏ والشركات الصورية والوهمية‏,‏ ومناطق التجارة الحرة‏,‏ وأنظمة الاتصالات البرقية‏,‏ ومؤسسات تمويل الأعمال التجارية يمكن لها كلها أن تحجب نشاطات غير مشروعة تتم بواسطتها‏.‏

وتكمن الآثار الاقتصادية لتبييض الأموال في‏:‏

‏1-‏ تقويض مؤسسات القطاع الخاص المشروعة‏:‏ من أخطر الآثار الاقتصادية لتبييض الأموال تلك التي تطال القطاع الخاص‏.‏ فغالبا ما يستخدم مبيضوا الأموال شركات التستر التي تقوم بخلط عائدات الأعمال الإجرامية مع عائدات أعمال مشروعة من أجل إخفاء أصل الأموال غير المشروعة‏,‏ وفي وسع شركات التستر هذه الحصول علي كميات ضخمة من الأموال غير المشروعة‏,‏ ما يتيح لها دعم منتجاتها وخدماتها وتقديمها بأسعار تقل عن أسعار السوق‏.‏ وفي بعض الحالات‏,‏ تتمكن شركات التستر من توفير منتجات بأسعار تقل عن كلفة إنتاجها في مؤسسات أخري‏.‏

‏2-‏ تقويض سلامة الأسواق المالية‏:‏ تواجه المؤسسات المالية تحديات إضافية كي تتمكن من إدارة أصولها‏,‏ وخصومها‏,‏ وعملياتها بصورة مرضية‏.‏ فعلي سبيل المثال‏,‏ قد تصل كميات ضخمة من الأموال التي تم تبييضها إلي مؤسسة مصرفية ما ولكنها لا تلبث أن تسحب فجأة‏,‏ دون سابق إنذار أو تنبيه‏,‏ عن طريق تحويل برقي واستجابة لعوامل لا علاقة لها بالسوق‏.‏ ويمكن لمثل هذا الأمر أن يتسبب بمشكلة سيولة للمصرف المعني‏,‏ أو أن يتسبب بهروع المودعين إليه لسحب ودائعهم‏.‏

‏3-‏ فقدان السيطرة علي السياسة المالية‏:‏ قد تكون عائدات الأعمال غير المشروعة هذه تفوق بكثير الموازنة الحكومية‏,‏ ما يؤدي إلي فقدان السيطرة علي السياسة الاقتصادية‏.‏ ويمكن لتبييض الأموال أن يؤثر سلبا أيضا علي أسعار العملات وأسعار الفائدة إذ يعيد مبيضوا الأموال استثمار أموالهم في مشاريع حيث تقل إمكانية اكتشاف مصادر الأموال فيها عن غيرها‏,‏ بدلا من استثمارها في مشاريع تكون معدلات مردودها أعلي‏.‏

‏4-‏ التشوه الاقتصادي وعدم الاستقرار‏:‏ لا يهتم مبيضوا الأموال بتحقيق الأرباح من استثماراتهم‏,‏ بل بحماية عائدات أعمالهم الإجرامية‏.‏ ولهذا فإنهم يستثمرون أموالهم في أعمال ليس من الضروري أن تكون مفيدة للبلد الذي توجد فيه تلك الأموال‏.‏ ففي بعض البلدان‏,‏ مثلا‏,‏ هناك قطاعات بكاملها‏,‏ مثل بناء الفنادق‏,‏والقري السياحية‏,‏ تم تمويلها لا بسبب الطلب الفعلي علي الفنادق بل بسبب المصالح قصيرة الأجل لمبيضي الأموال‏.‏ وعندما لا تعود مثل هذه المشاريع تروق لمبيضي الأموال‏,‏ فإنهم يتخلون عنها متسببين بانهيار هذه القطاعات وبأضرار كبيرة للاقتصادات التي لا تستطيع تحمل مثل هذه الخسائر‏.‏

‏5-‏ خسارة الواردات الضريبية‏:‏ إن تبييض الأموال يخفض الواردات الضريبية التي تجبيها الإدارة الضريبية‏.‏

‏6-‏ المخاطر التي تتعرض لها جهود الخصخصة‏:‏ فالمنظمات الإجرامية لديها من القدرة المالية ما يجعلها تتغلب علي الشركات المشروعة في المزايدات التي تطرح لشراء مشاريع تملكها الدولة وتريد بيعها للقطاع الخاص‏.‏ ففي كثير من الحالات استخدمت الخصخصة كوسيلة لتبييض الأموال‏.‏

‏7-‏ ترتب علي تبييض الأموال تكاليف ومخاطر اجتماعية‏,‏ حيث جعلت ارتكاب الجريمة عملا مربحا ومفيدا‏.‏ مما ساعدت علي اتساع تجارة المخدرات‏.‏ ومن شأن ذلك زيادة النفقات الحكومية لضبط وتنفيذ القوانين‏,‏ من أجل التصدي للعواقب الخطيرة التي تنجم عن هذه العمليات‏.‏ ومن النتائج الاجتماعية والاقتصادية السلبية لتبييض الأموال نقل القوة الاقتصادية من السوق والحكومة والمواطنين العاديين إلي المجرمين‏.‏

لذلك لابد من العمل علي مكافحة تبييض الأموال من خلال التركيز علي خمسة أشكال من التصاريح والتقارير لاقتفاء آثار المعاملات المالية هي‏:‏

‏1-‏ التصريح عن المعاملات النقدية‏:‏ يقدم هذه التصريح عندما تقبض أو تدفع مؤسسة مالية مبلغا ما‏.‏

‏2-‏ تقرير العمل المريب‏:‏ يقدم هذا التقرير عندما يتوافر لدي أي موظف في أي مصرف سبب للاشتباه بأن شخصا يقوم بعملية تبييض الأموال‏.‏

‏3-‏ استمارة مصلحة الضرائب‏:‏ يقدم هذه الاستمارة أي شخص يقوم بعمل تجاري يقبض بموجبه دفعات نقدية مقابل تزويد سلع أو تقديم خدمات تتجاوز قيمة كل دفعة منها مبلغا معينا‏.‏

‏4-‏ تصريح السندات النقدية والمالية‏:‏ يقدم هذا التصريح أي شخص يدخل البلاد أو يخرج منها وبحوزته سندات نقدية أو مالية تتجاوز قيمتها مبلغا معينا‏.‏

‏5-‏ استمارة الحساب المصرفي في الخارج‏:‏ تقدم هذه الاستمارة من قبل أي شخص يتحكم بمبلغ يتجاوز عشرة آلاف دولار في حساب مصرفي في الخارج خلال السنة‏.‏

والمشكلة الثالثة وهي الخاصة بتزوير فواتير الاستيراد والتصدير‏,‏ وتأخذ عدة أشكال وصور كلها غير مشروعة‏:‏

أ‏-‏ عمليات تهريب الثروة والقيم المنقولة التي يعمد أصحابها إلي نقلها وإيداعها بالخارج بأسمائهم وبخاصة تلك التي تكون قد نجمت عن تهريب السلع والإتجار في العملة والسوق السوداء والمواد الممنوعة‏.‏

ب‏-‏ التهريب الذي ينجم عن إعطاء بيانات كاذبة عن قيمة الصادرات‏,‏ حيث يلجأ المصدر بالاتفاق مع العميل المستورد منه بالخارج إلي تقديم أوراق كاذبة للهيئات الرسمية‏,‏ تقل عن القيمة الحقيقية والفعلية للصادرات‏.‏

ج‏-‏ التهريب الذي يتم من خلاله مغالاة المستوردين في تقدير قيمة وارداتهم بالاتفاق مع المصدر الذي يستوردون منه‏,‏ وواضح أن هذه العملية تظهر في ميزان المدفوعات من خلال المغالاة في تقدير قيمة الواردات‏.‏

د‏-‏ التهريب الذي يأخذ شكل عمولات ووساطة وسمسرة‏,‏ تقتطع من القروض والتسهيلات الائتمانية التي حصلت عليها الدولة في مدة معينة وهي أموال تدفع لبعض الأشخاص واصحاب النفوذ علي أنها عوائد لقاء خدمات متميزة‏.‏ وتظهر هذه العمليات بشكل واضح في حالات القروض السلعية أي صفقات توريد سلع وخدمات مثل‏(‏ المواد الغذائية‏-‏ الوقود‏-‏ المنتجات الصناعية‏-‏ التجهيزات الآلية‏-‏ توريد أسلحة‏)‏ وقد كتبنا عدة مقالات عن بيزنس القروض الأجنبية وقد اعترف البنك الدولي في كثير من تقاريره بخطورة هذه الظاهرة‏-‏ ظاهرة نهب القروض‏.‏

وكل المصريين علي يقين بأن الاقتصاد المصري سوف ينطلق ليلحق بركب الدول المتقدمة إذا ما تم تفعيل دور المؤسسات التشريعية والتنفيذية بما يخدم أهداف الوطن العليا خاصة أننا لسنا في حاجة إلي الاقتراض بقدر سد كل الثغرات أمام خروج الأموال‏.‏ خاصة أن تلك الأموال المهربة إلي الخارج يعاد إقراضها لنا‏.‏ وقد أكد كل من البنك الدولي وصندوق النقد وبنك التسويات الدولية أن عودة تلك الأموال المهربة والهاربة يمكن أن يسهم في حل مشكلة المديونية الخارجية لو أنها عادت إلي أوطانها‏.‏

بقلم: 
نعمان الزياتي
المصدر: 
الاهرام الاقتصادى 30-1-2012