الرأسمالية المصــرية سيئة السمعة‏

الرأسمالية العالمية في مأزق‏..‏ هناك من يري انها تواجه اختبارا تاريخيا وهناك من يري ضرورة تصحيح مسارها حتي لا تواجه مصير الشيوعية‏.‏

اما الرأسمالية المصرية فهي سيئة السمعة فقد دفعت ثمنا فادحا من بريقها عندما نامت في حضن سلطة فاسدة ففسد الاثنان معا‏..‏ الرأسمالية المصرية التي نبتت في عهد السادات وازدهرت في عصر مبارك متهمة بأنها رأسمالية جشعة‏..‏ لا منتمية‏..‏ متربحة‏..‏ طفيلية‏..‏ غير منتجة‏..‏ لم تبن شيئا رغم انها استولت علي كل شيء‏..‏ امام هذه المعادلة لابد من طرح سؤال‏..‏ ما هو نوع الرأسمالية الذي يناسب اوضاع بلد مثل مصر‏..‏ وهل المراجعة التي تشهدها التجربة الرأسمالية في العالم سوف تلقي بظلالها علي الواقع المصري‏.‏ وما هو دور ثورة يناير في اعادة صياغة طبيعة وتوجه واحلام الرأسمالية المصرية‏..‏ وهل في مصر رأسماليون حقيقيون؟

هنا ملف يستشرف الرؤي ويقيم تجربتنا مع الرأسمالية ويحدد ملامح دور الدولة في الزمن القادم‏..‏ زمن العدالة الاجتماعية التي قامت ثورة يناير من اجل ارسالها‏.‏ فهل تنجح الرأسمالية في الامتحان؟‏...‏ التفاصيل في الصفحات التالية‏..‏

اقتصاد السوق الاجتــــماعي‏..‏بديل مناســـــــب

يعتقد كثيرون أن اقتصاد السوق الاجتماعي‏..‏ هو مفتاح حل ازمة مصر الاقتصادية في هذه المرحلة‏.‏ ذلك ان هذه المرحلة تحتاج الي دور فاعل للدولة مع احترام وتحفيز المبادرة الفردية ومن ثم تجمع بين مزايا الاتجاهين‏,‏ حيث لا يجب الاندفاع علي طريق الرأسمالية المتوحشة التي يتراجع عنها العالم كله حاليا‏.‏

السطور التالية تتناول هذه الرؤية‏..‏

بداية يوضح الدكتور محمد عويضة استاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة المنصورة ان الرأسمالية تقوم اساسا علي الملكية الفردية وهذا الأساس قاسم مشترك بين كل النظم الرأسمالية وهو خاصة بالملكية‏,‏ ففي الجانب الخاص بالتوزيع فإنه في النظم الرأسمالية المتوحشة تزداد عوائد الملكية باستمرار علي حساب عوائد العمل وهذه العوائد تتمثل في الفائدة‏,‏ الربح‏,‏ الايجار لكن عوائد العمل تتمثل في الأجر فقط وهذه مشكلة يتم علاجها عن طريق فرض ضرائب تصاعدية علي الدخل والعوائد المحصلة من الضرائب التصاعدية يتم استخدامها في انشاء شبكة من التأمينات والضمان الاجتماعي وايضا مشروعات تقوم بها الدولة لتلبية احتياجات سكانها‏,‏ وتلك بداية لابد ان نذكرها‏,‏ ولو نظرنا الي مصر فإننا سنجد انه في ظل التحول الاشتراكي في الستينيات كانت عوائد العمل تزداد علي عوائد الملكية ولكن في ظل العودة الي الرأسمالية في عهدي الرئيسين السابقين المرحوم انور السادات ثم حسني مبارك انقلب الوضع وأصبحت عوائد الملكية اكبر من عوائد العمل‏,‏ وفي الفترة الأخيرة من عهد مبارك تحولت الرأسمالية الي رأسمالية طفيلية تقوم أساسا علي التجارة والخدمات وتدوير رأس المال في أنشطة تخدم الطبقة الغنية والمترفة في المجتمع وهي ما يطلق عليها رجال الأعمال دون النظر الي الفقراء ومحدودي الدخل‏,‏ مما أدي الي تفاقم الوضع الاجتماعي لتلك الطبقة وهي الغالبية والأكثرية في المجتمع وقد تجلي هذا واضحا في مظاهر مختلفة منها الاضرابات الفئوية والاجتماعية التي وقعت في السنوات الأخيرة وهي التي مهدت لثورة‏25‏ يناير ولهذا كان شعار هذه الثورة التلقائي عيش‏,‏ حرية‏,‏ عدالة اجتماعية وكل كلمة من هذا الشعار لها دلالتها فالعيش تعبير عن الرغبة في تلبية الاحتياجات الاساسية الضرورية للسكان‏,‏ والحرية تعبير عن حقوق الانسان والحرية السياسية‏,‏ فيما العدالة الاجتماعية هي رغبة الجماهير في اعادة توزيع الدخل والثروة لصالح الغالبية العظمي من السكان‏.‏

فيما يعتبر الدكتور عويضة ان النظام الأمثل للاقتصاد المصري هو الاشتراكي رغم أن اتجاه العالم اصبح نحو الرأسمالية‏,‏ والنظام الاشتراكي المطلوب تطبيقه يستلزم ديمقراطية سياسية لأننا لو طبقنا النظام الاشتراكي القائم علي الملكية العامة لعناصر الانتاج بدون حريات سياسية يتحول بالضرورة الي رأسمالية الدولة الاحتكارية وفي هذه الحالة الأخيرة فإن عوائد الانتاج تعود الي البيروقراطية والي رجال الاعمال والطبقات الغنية ومن هنا فإنني اري ان النظام الاقتصادي الاشتراكي الديمقراطي هو الأفضل لمصر لأنه يحقق شعار الثورة التي قامت في مصر لأن ميزة الرأسمالية تتمثل في تقديم حوافز لرأس المال فقط وهو الذي يهدف الي الربح ورأس المال هذا لا يملكه غير رجال الاعمال وبالتالي ليس من مصلحة مصر تطبيق النظام الرأسمالي في اقتصادها‏.‏

فيما يري الدكتور حامد مرسي عميد كلية التجارة بجامعة قناة السويس ان مصر لا ينفعها الرأسمالية ولا الاشتراكية وإنما هناك ما يسمي الطريق الثالث المتمثل في اقتصاديات السوق الاجتماعي وهذا لا يهدف الي تعظيم الارباح تحت أي مسمي وإنما هناك وظيفة اجتماعية للمال بجانب الوظيفة الاقتصادية وهذا ما يهدف اليه الاسلام الذي وضع قيما وأخلاقا تضبط السلوك البشري في الاقتصاد والسياسة والاجتماع وكل مجالات الحياة البشرية عموما‏,‏ كما ان الرأسمالي حر فيما ينفق بالنسبة لماله الخاص وتلك ميزة الرأسمالية للملكية الخاصة التي تعظمها‏,‏ لكن الاسلام رغم تعظيمه الملكية الخاصة فانه وضع ضوابط وقيودا بحيث ان المال لا يخدم صاحبه فقط وإنما يعم نفعه علي المجتمع الذي حوله بمعني لا احتكار لسلعة أو خدمة‏,‏ ايضا الرأسمالية الحالية هي الليبرالية الجديدة مع تعديل لمبادئ النهب والجشع بشكل منظم تحت سمع وبصر الدولة بدليل ان هناك‏400‏ شخصية امريكية تتحكم في اقتصادها والعالم ايضا عن طريق الثروة الهائلة التي بحوزتهم وهي تتيح لهم التدخل بها لتسيير اعمالهم في امريكا او غيرها من بلدان العالم‏,‏ وهذه الرأسمالية في طريقها للزوال بدليل ما حدث في أعقاب الأزمة المالية العالمية الأخيرة من تعديل بعض الدول لنظم اقتصادها‏,‏ كما ان هناك كتابا قام بتأليفه باترك ارتو وماري يول والأول استاذ هندسة في فرنسا والثانية رئيس تحرير إحدي الصحف وعنوان الكتاب الرأسمالية في طريقها لتدمير نفسها يتحدثان فيه عن قرب زوال هذا النظام الاقتصادي من العالم من خلال تحليل لما أحدثته الرأسمالية في البلدان التي طبقتها خلال العقود الماضية كاستثمار الأغنياء أموالهم في البورصة من خلال رفع اسعار اسهم وسندات معينة يقبل عليها الفقراء بالشراء ثم سرعان ما تتراجع الأسعار وتصل الي الثمن الحقيقي للسهم والسند فيشتريها مرة أخري الأغنياء وذلك لجهل الفقراء بتلك الألاعيب وعدم الشفافية في البورصة‏,‏ وهذه طريقة لاستدراج اموال البسطاء الي جيوب الرأسماليين‏.‏ ويؤكد د‏.‏ حامد‏:‏ عيوب الرأسمالية كثيرة لا حصر لها وعلي مصر ان تسلك الطريق المناسب لاقتصادها وظروفها‏.‏

ويذهب الدكتور محمد عبد الحليم عمر مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الاسلامي سابقا الي ان الاقصاد الاسلامي هو أفضل النظم الاقتصادية لمصر لأنه نظام وسطي بين الرأسمالية والاشتراكية‏,‏ وكل منهما حدث به تنازل عن بعض مبادئها وفلسفتها وخروج عن القواعد وهناك معالم من الاشتراكية دخلت الرأسمالية والعكس ولم تعد النظم الاقتصادية في الرأسمالية مثلما كانت عليه بداية القرن العشرين التي كانت قمة في الحرية المطلقة لدرجة ان سماها البعض الحرية المنفلتة فيما الاصل في الاسلام الحرية ولكن بضوابط ترشيدية وليست تحذيرية مثل الاشتراكية‏,‏ وهناك دور للحكومة ومسئولية اجتماعية وهذا ما وصلت اليه الاشتراكية والرأسمالية ولكن برؤي مختلفة لكل منهما‏.‏

ويتفق الدكتور عادل حميد يعقوب استاذ الاقتصاد ووكيل تجارة الأزهر مع الرؤية السابقة ان النظام الاقتصادي الأمثل لمصر والمطلوب تطبيقه هو الاقتصاد الاسلامي وهذا لا يمنع من أخذ ما لا يتعارض من النظم الاقتصادية الأخري شريطة عدم تعارضها مع الاقتصاد الاسلامي الذي له اسلوبه الذي يختلف عن النظم الاقتصادية الأخري التي لم تطبق إلا علي استحياء بالبنوك الاسلامية وهذه كان عليها بعض التحفظات لسببين هما‏:‏

‏1-‏ ظروف خارجة عن إرادة القائمين علي هذا المصارف وتعامل مؤسسات الدولة‏(‏ البنك المركزي‏)‏ كما لو كان بنكا اسلاميا مما يضطره الي قيامه بعمليات غير منضبطة في بعض الاحيان‏,‏ كما ان من مميزات الاقتصاد الاسلامي ان الملكية العامة والخاصة لها ضوابط ايضا ميزانية الدولة من ناحية الانفاق والايرادات والقروض والضرائب وكل النواحي المالية في الاقتصاد الاسلامي لها تميز غير محدد وهي تحتاج الي تشريعات من البرلمان وإرادة سياسية قوية للتطبيق‏.‏

ويضيف أن الأزمة العالمية والأخيرة جعلت بعض الدول العتيقة في الرأسمالية تتجه الي تطبيق منتجات مصرفية اسلامية جديدة لديها مما يدل علي أهميتها ولأنها ايضا قادرة علي علاج اية ازمات مالية حتي لو كانت عنيفة‏,‏ وأؤكد ان التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مصر لو سارت بنظام الاقصاد الاسلامي فستحدث طفرة في مختلف انشطة ومجالات الحياة وسنشاهد اقتصادا قويا‏.‏

وتطالب الدكتورة منال متولي مدير مركز الدراسات الاقتصادية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسة جامعة القاهرة بالتحول الي اقتصاد السوق الاجتماعي بناء علي ثورة‏25‏ يناير لأن معدل النمو الاقتصادي الذي تحقق بنحو‏7%‏ في سنوات ما قبل ثورة يناير لم يستفد منه فقراء مصر بصفة اساسية وهذا يدل علي ضرورة التوجه لاقتصاد السوق الاجتماعي‏,‏ كما ان الامر يتطلب التركيز في إعداد الموازنة الاجتماعية علي نصيب الانفاق في التعليم‏,‏ الصحة‏,‏ الضمان الاجتماعي وان يتم التخلي عن النظرة الجزئية للسياسة الاجتماعية وان تكون نظرة متكاملة حتي لا يضيع الهدف النهائي المطلوب وهو الارتقاء بالطبقة الوسطي والفقراء في المجتمع وان يزداد نصيب الانفاق علي التعليم والصحة لأنه دون الارقام العالمية التي تصل به الي‏20%‏ من الانفاق الحكومي والا يذهب النصيب الأكبر من هذه الموازنة الي الأجور مما يؤثر في النهاية علي العملية التعليمية والصحة والتأمين الاجتماعي‏,‏ وفي النهاية علي الدولة ان تنظر الي النظام الاقتصادي الأفضل الذي يحقق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية‏.

بقلم: 
عبد العزيز جيرة
المصدر: 
الاهرام الاقتصادى27-2-2012