فشـــل اليـــــــــــــــــورو

بعد مرور اثني عشر عاما فقط من اصداره تبين فشل اليورو ولاسباب كانت واضحة منذ البداية فلم يكن من قبيل المصادفة او نتيجة لسوء ادارة بيروقراطية وانما نتيجة حتمية لفرض عملة موحدة في مجموعة غير متجانسة من الدول‏.‏ والآثار السلبية الاقتصادية لليورو تشمل ازمة ديون سيادية في العديد من الدول الاوروبية‏,‏ تردي اوضاع بنوك اوروبية كثيرة‏,‏ ارتفاع مستويات البطالة في منطقة اليورو‏,‏ تضخم العجز التجاري في معظم دول المنطقة‏.‏

وتجربة اليورو لم تفشل اقتصاديا فحسب وانما سياسيا ايضا ومؤخرا فرضت كل من ألمانيا وفرنسا اجراءات تقشف مؤلمة علي اليونان وايطاليا كشرط للحصول علي المساعدات المالية لمواجهة ازمة ديونها‏.‏

وفي عام‏1967‏ توسعت السوق الاوروبية لتشكل الاتحادات الاوروبية‏,‏ وفي عام‏1992‏ اعطت معاهدة ماستريخت الزخم لانشاء الاتحاد الاوروبي الذي انشأ منطقة اكبر للتجارة الحرة مع انتقال الايدي العاملة ووضع جدول زمني لاعتماد عملة موحدة وسوق اوروبي متكامل للسلع والخدمات وأرست المفوضية الاوروبية هذا الترتيب ليكون بمثابة خطوة محورية نحو وحدة سياسية اكبر بزغم ان نجاح منطقة التجارة الحرة مرهون باستخدام عملة موحدة‏(‏ هذا بطبيعة الحال لا اساس له من المنطق الاقتصادي او في التجارب الاخري‏).‏

ومن جانبها عارضت ألمانيا قرار اصدار عملة موحدة رغبة منها في عدم التخلي عن المارك الالماني والرخاء الاقتصادي الذي تتمتع به علاوة علي استقرار الاسعار ولكنها وافقت في نهاية المطاف واتفقت مع فرنسا ودول اخري علي وضع جدول زمني يؤدي الي اطلاق اليورو في عام‏1999‏ وكانت المانيا قادرة آنذاك علي التأثير علي بعض شئون البنك المركزي الاوروبي واستقلاله‏,‏ كما انها فرضت اتفاقية يتم بموجبها فرض عقوبات مالية علي اي دولة يزيد عجز ميزانيتها عن‏3%‏ من ناتجها المحلي الاجمالي او يتجاوز دينها العام‏60%‏ منه ايضا ولكن عندما انتهكت فرنسا والمانيا تلك الاتفاقية في وقت لاحق صوت مجلس الوزراء الاوروبي ضد فرض عقوبات عليهما بحيث اصبحت الاتفاقية لا معني لها‏.‏

اعتمدت علي الوضع العام لجميع الدول الاعضاء في الاتحاد النقدي مع اعطاء وزن اكبر للاوضاع في المانيا باعتبارها اكبر اقتصاد اوروبي‏.‏

وسياسة البنك المركزي الاوروبي الصارمة لمكافحة التضخم ادت الي انخفاض اسعار الفائدة في دول مثل ايطاليا واسبانيا‏,‏ وهو ما شجع حكوماتها وقطاعها العائلي علي زيادة الاقتراض مما ادي الي ارتفاع نسب الدين العام والخاص الي الناتج المحلي الاجمالي في العديد من الدول ومن بينها اليونان‏,‏ ايرلندا‏,‏ ايطاليا‏,‏ اسبانيا‏.‏ وعلي الرغم من تزايد المخاطر بالنسبة للمقرضين فان اسواق الدين لم تستجب وترفع اسعار الفائدة علي تلك الدول التي لديها مستويات مرتفعة من الديون‏,‏ وافترض مستثمرو السندات ان السندات التي تصدرها حكومة في الاتحاد الاوروبي النقدي آمنة الي حد متساو مع السندات التي تصدرها اي حكومة اخري في الاتحاد ونتيجة ذلك اقتربت اسعار الفائدة علي السندات اليونانية والايطالية من سعر الفائدة علي السندات الالمانية‏.‏

وفي اوائل عام‏2010‏ عندما اكتشفت الاسواق خطأ افتراض تساوي درجة الامان لجميع سندات منطقة اليورو‏,‏ بدأت ترتفع اسعار الفائدة علي الديون السيادية لليونان‏,‏ ايطاليا‏,‏ اسبانيا‏.‏ وارتفاع الاسعار دفع تلك الدول الي حافة الافلاس‏,‏ وبالنسبة لليونان تحديدا‏,‏ الخوف من مواجهتها لمشكلة في سداد اقساط ديونها ادي الي ارتفاع اسعار الفائدة علي سنداتها‏,‏ وتحولت مشكلة السيولة في اليونان الي ازمة ديون مع اضطرار بعض اصحاب الديون السيادية اليونانية الي شطب‏50%‏ من قيمة السندات في حوزتهم‏,‏ وفي المقابل ارتفعت اسعار الفائدة علي السندات الايطالية ايضا من اقل من‏4%‏ في ابريل‏2010‏ الي اكثر من‏7%‏ في نوفمبر‏2011‏ وهي نسبة من شأنها ان تتسبب في زيادة الدين الحكومي بوتيرة اسرع من زيادة الدخل القومي مما دفع ايطاليا الي حافة التعثر‏.‏

كان هناك تأثير اخر لليورو ظهر في علاقة البنوك التجارية الاوروبية بحكوماتها فاستثمار البنوك وبقوة في السندات الحكومية ادي الي تضرر تلك البنوك من خفض قيمة السندات ثم اتجهت البنوك الي الحكومات طلبا لحماية المودعين والدائنين الآخرين مما ادي الي تضخم المشكلة الاصلية‏.‏

وبحلول نهاية عام‏2011‏ كانت نسبة الدين الي الناتج المحلي الاجمالي في العديد من الدول الاوروبية قد ارتفعت الي مستوي خطير يهدد بافلاسها‏.‏

وقد اقترح القادة الاوروبيون ثلاث استراتيجيات مختلفة لحل ازمة الديون‏:‏ الاولي ويدعمها المستشارة الالمانية انجيلا ميركل والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وتتضمن اتفاق المسئولين في منطقة اليورو في شهر اكتوبر الماضي علي زيادة نسبة رأس مال البنوك لمواجهة الخسائر المتوقعة من شطب ديون سيادية‏.‏ والاجراء الثاني زيادة موارد صندوق الاستقرار المالي الاوروبي الذي تم تأسيسه في مايو‏2010‏ لتمويل عمليات اقراض اليونان وغيرها من اعضاء منطقة اليورو من‏400‏ مليار يورو الي اكثر من تريليون يورو‏.‏

ولكن هذه الخطة لم تنجح بسبب عدم رغبة البنوك في تسييل حيازات تخص حملة اسمهما وبدلا من ذلك لجأت الي زيادة نسبة رءوس اموالها عن طريق خفض اقراضها خاصة للمقرضين من دول اخري مما ادي الي مزيد من التباطؤ في النشاط الاقتصادي الاوروبي بسبب شح الائتمان‏.‏

والخطة الثانية كانت برعاية فرنسا وتعتمد علي قيام البنك المركزي الاوروبي بشراء سندات ايطاليا واسبانيا ودول اخري مثقلة بالديون والواقع ان البنك المركزي الاوروبي يقوم بذلك ولكن ليس بقدر كاف لمنع استمرار ارتفاع اسعار الفائدة علي السندات اليونانية والايطالية‏,‏ ودعوة البنك المركزي الاوروبي لتوسيع هذه السياسة يتعارض مع شروط معاهدة ماستريخت كما ان المانيا تعارض الفكرة خوفا من تأثيرها التضخمي‏.‏

اما الخطة الثالثة فيفضلها بعض القادة الاوروبيين مثل انجيلا ميركل التي ترغب في استغلال الازمة الحالية لتعزيز تطوير الاتحاد السياسي‏,‏ وقد دعوا مؤيديها الي انشاء اتحاد مالي تستطيع من خلاله الدول التي تمتلك فوائض مالية ان تقدم مساعدات سنوية للدول التي تعاني عجزا في الميزانية وفي الميزان التجاري وذلك في مقابل السماح للمفوضية الاوروبية بمراقبة الميزانيات المحلية وفرض سياسات من شأنها خفض العجوزات المالية وزيادة النمو والتنافسية الدولية‏.‏

هذه الخطة يجري تنفيذها حيث وافق البرلمان اليوناني علي ميزانية تقشف صارمة‏,‏ ولكن الاحتجاجات التي اندلعت في شوارع اثينا كشفت عن استياء اليونانيين من الاملاءات الالمانية وفي الوقت نفسه اعترض كثير من الالمان علي دعم اليونان‏.‏

اما بالنسبة لوضع ايطاليا فيختلف عن اليونان نظرا لعدم اعتمادها حتي الان علي تسهيلات من البنك المركزي الاوروبي او صندوق النقد الدولي ولكن ايطاليا تحتاج الي مساندة البنك للسيطرة علي ارتفاع اسعار الفائدة علي سنداتها الحكومية وهو ما يسمح لفرنسا والمانيا بالضغط عليها لانتهاج سياسات تقشف جديدة مما ادي الي استقالة رئيس الوزراء السابق سلفيو برلسكوني في شهر نوفمبر الماضي وتعيين حكومة تكنوقراط ملتزمة بحل مشاكل البلاد المالية‏.‏

وهكذا فان اليورو تسبب في توترات وخلافات داخل اوروبا وهي مشكلات لم تكن لتظهر بدون اليورو واقتراح تأسيس اتحاد مالي دائم سوف يؤدي الي مضاعفة تلك المشكلات فحتي اذا كانت المانيا علي استعداد لانقاذ اليونان‏,‏ للحيلولة دون انهيار اليورو وتفكك الاتحاد النقدي بما ينهي اسعار الصرف الثابتة التي يستفيد منها المصدرون الالمان والاقتصاد الالماني فان الضغوط التي تمارسها الادارة الالمانية للسيطرة علي عجز الموازنة بخفض الاجور والانفاق في اثينا سوف تؤدي الي تصاعد التوتر بين المانيا واليونان ليصبح الخيار البديل امام اليونان هو الانسحاب من منطقة اليورو والعودة الي عملتها القديمة الدراخما وهو اقتراح يدرسه القادة السياسيون في اليونان ودول اخري‏.‏

والدراخما الجديدة ستكون قيمتها اقل مقابل اليورو مما يعني انخفاض الاجور الحقيقية وزيادة التنافسية اليونانية دون الحاجة الي تحمل اجراءات مؤلمة ومعدلات بطالة مرتفعة فعلي العكس انخفاض قيمة العملة اليونانية سوف يعزز الصادرات مما يؤدي الي تحفيز نمو الناتج المحلي الاجمالي والتوظيف‏.‏

ولكن من ناحية اخري خروج اليونان من منطقة اليورو قد يعني ايضا معاقبتها سياسيا وخروجها من الاتحاد الاوروبي مما يعني خسارتها لمزايا عضوية الاتحاد التي تشمل التجارة الحرة وحرية انتقال العمالة‏.‏

والاكثر اهمية ان خروج اليونان من منطقة اليورو سوف يسبب مشاكل مالية كبيرة للشركات اليونانية التي اقترضت باليورو من بنوك خارج اليونان وانخفاض الدراخما في مقابل اليورو سوف يزيد تكلفة ديون الشركات مما قد يترتب عليه حالات افلاس واسعة النطاق في البلاد مع ما يترتب عليها من تضرر البنوك اليونانية التي قدمت قروضا لتلك الشركات‏.‏

في النهاية تكاليف الانسحاب من اليورو قد تتجاوز صعوبات التأقلم مع الضغوط الاوروبية وخروج اليونان اذا حدث فلن يشجع بالضرورة ايطاليا واسبانيا علي المغادرة وبالتالي من المرجح استمرار منطقة اليورو بجميع اعضائها الحاليين تقريبا والتحدي سيكون تغيير الممارسات الاقتصادية الخاطئة في بعض الدول وسوف تتجنب الحكومات عجز الحساب الجاري عن طريق الحد من وارداتها والاستثمارات الاجنبية المباشرة ومن الممكن ان تؤدي هذه الاجراءات الي صمود اليورو بدون ازمات سياسية وتجنب تحويلات مالية تثير توترات سياسية داخل اوروبا‏.‏

‏**‏ بقلم‏:‏ مارتن فيلد شتاين

أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد وزميل مجلس المستشارين الاقتصاديين في الفترة من‏1982‏ ـ‏1984‏

‏**‏ فورين افيرز يناير‏-‏ فبراير‏2012‏

بقلم: 
اعداد: شريفة عبدالرحيم
المصدر: 
الاهرام الاقتصادى 12-3-2012