بيان عاجز‏..‏ والتراجع مسئولية القضاء والعسكري

بيان عاجز‏..‏ والتراجع مسئولية القضاء والعسكري

جاء بيان الحكومة التي تملك صلاحيات رئاسية كاملة باستثناء الشئون الدفاعية والقضائية‏,‏ باهتا وخطابيا ولا يحتوي علي أي إجراءات حقيقية لمعالجة الأوضاع والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية‏.‏ وبدت الحكومة من خلال ذلك البيان عاجزة عن فعل أي شيء في القضايا الحقيقية‏.‏

فافتعلت حالة من الوطنية الزائفة برفع الصوت في قضية التمويل الأجنبي والزعيق بأننا لن نركع, واكتملت المأساة بالركوع فعلا والسماح لموظفي الجمعيات الأمريكية, التي تم اتهامها بخرق القوانين والسعي لتقسيم مصر, بالخروج بصورة مهينة, وتم التجاوز علي استقلال القضاء بعد أن كشف المستشار المحترم محمود شكري الذي تنحي عن نظر القضية, عن تعرضه لضغوط من المستشار عبدالمعز إبراهيم رئيس محكمة الاستئناف للسماح بسفر المتهمين الأمريكيين في القضية, بما يثير الكثير من التساؤلات المشروعة حول مصداقية نتائج الانتخابات البرلمانية التي كان المستشار عبد المعز إبراهيم هو المشرف عليها, ويثير التساؤلات حول الانتخابات الرئاسية القادمة والحصانة الممنوحة للنتائج التي تعلن عنها اللجنة المشرفة عليها, فإذا كان القضاء يحدث به تدخلات وضغوط مثل التي تعرض لها المستشار محمود شكري, فإن حصانة قرارات هذه اللجنة أمر غير مقبول إطلاقا, فضلا عن أن ما طالب به الشعب من استقلال القضاء هو أمر حاسم بدوره. ولأن المجلس العسكري قد اختص نفسه بالشئون الدفاعية والقضاء, فإن مسئوليته واضحة عن الضغط علي القضاء بصورة مباشرة أو غير مباشرة, وبالتالي فهو المسئول عن التراجع المهين الذي حدث في هذه القضية التي يبدو أنها كانت مفتعلة منذ البداية لإلهاء الشعب المصري في معارك مزيفة, لأن الوطنية الحقيقية غائبة, فما زالت مصر وشعبها يرزحان تحت كل الرزايا التي خلفها الديكتاتور المخلوع مبارك. والوطنية الحقيقية تتمثل في إنهاء التبعية المهينة للولايات المتحدة والاستغناء عن معوناتها الهزيلة والمسممة بالتبعية, وإيقاف النهب الاستعماري لمصر الذي أشرت إليه في هذه الصفحة قبل شهر من الآن إلي أنه أدي إلي نزح الأجانب لنحو86 مليار دولار أي نحو500 مليار جنيه تم تحويلها كأموال وموارد من مصر للخارج خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة من عصر مبارك وهي عملية متواصلة حتي الآن. والوطنية الحقة تعني تحقيق الديمقراطية الحقيقية واحترام حريات وحقوق وكرامة الإنسان وتطهير كل أجهزة الدولة من القيادات التي تنتمي لنظام مبارك بكل فساده وانحطاط كفاءته. وتعني أيضا تحقيق الاستقرار الأمني بصورة حاسمة وتحترم القانون في آن, وإنهاء الفساد المعوق للأعمال الخاصة بكل أحجامها, واستنهاض النمو الاقتصادي بما يعنيه من زيادة الناتج وإيجاد الوظائف للعاطلين لتمكينهم من كسب عيشهم بكرامة من خلال القطاعين الخاص والعام لينهض اقتصادنا علي ساقين قويتين في ظل رقابة مانعة للفساد في نظام ديمقراطي تتمتع الأجهزة الرقابية فيه باستقلالية كاملة, وتحقيق العدالة الاجتماعية بنظام أجور عادل ونظام ضريبي تصاعدي ومتعدد الشرائح ودعم يذهب للفقراء والطبقة الوسطي وليس للأثرياء والرأسمالية الكبيرة المحلية والأجنبية, وتحويلات اجتماعية للفقراء والعاطلين.

كما جسد بيان الحكومة غياب الرؤية والعجز والخطابة الفارغة. وأشار د. الجنزوري إلي خروج10 مليارات من البنوك المصرية للخارج خلال أحداث الثورة, وتشير بيانات البنك المركزي إلي أن إجمالي الودائع في الجهاز المصرفي المصري قد بلغ نحو952 مليار جنيه في نهاية ديسمبر2010, ثم انخفض إلي944 مليار جنيه في نهاية فبراير2011, وبدأ بعدها في الزيادة بصورة متواصلة وبلغ966 مليار جنيه في يونيو2011 واستمر في الزيادة بعد ذلك, فلماذا الصراخ علي انخفاض مؤقت, في فترة لا علاقة للجنزوري بها خاصة وأن الأمور عادت إلي طبيعتها ؟!

وأشار الجنزوري إلي أن انخفاض الإنتاج أدي لزيادة الدين الحكومي, وهو خلط لا يليق علميا, فالدين الحكومي ناتج عن عجز الموازنة, وليس انخفاض الإنتاج. وبلغ العجز في الموازنة العامة للدولة للعام المالي2012/2011 والتي أعدها وزير المالية الأسبق د. سمير رضوان,1343 مليار جنيه, يضاف إليها1001 مليار جنيه مخصصات سداد الديون ليصبح المجموع الكلي2344 مليار جنيه, ومع قدوم الجنزوري تحدث عن اقتطاع نحو20 مليار جنيه من الإنفاق العام, بما يعني تقليل العجز في الموازنة بنفس القيمة, لكن الذي حدث هو أن العجز ارتفع إلي144 مليار جنيه يضاف إليها مخصصات سداد الديون ليصبح العجز الكلي نحو244 مليار جنيه, أي أنه زاد ولم ينقص فأين إجراءات التوفير في الإنفاق التي تحدث عنها الجنزوري ؟!

وأشار الجنزوري إلي أن الدين الحكومي قد ارتفع من147 مليار جنيه عام1999 يعني في نهاية وزارته الأولي ليصل إلي807 مليارات جنيه حاليا, لكنه لم يقل إن ذلك الدين كان114 مليار جنيه في منتصف1996, يعني سيادته مسئول عن بداية الزيادة السريعة للديون الحكومية. كما أن الأهم هو إجمالي الدين العام الداخلي الذي وصل إلي1133 مليار جنيه حاليا, ولم يقل لنا رئيس الوزراء كيف سيوقف تزايده برغم أن الإجراءات المطلوبة لذلك ممكنة وأهمها إزالة دعم الطاقة للأثرياء والأجانب وتحصيل الضرائب المتأخرة علي الرأسمالية الكبيرة, وتغيير نظام الضرائب لنظام متعدد الشرائح وتصاعدي, وتغيير أسعار صادرات مصر من الغاز, وفرض ضريبة ثروة ناضبة علي خامات الأسمنت والجبس والذهب والنفط والغاز, وفرض ضرائب علي المكاسب الرأسمالية وغيرها من الإجراءات.

وأشار بيان الحكومة إلي تفاقم مشكلة البطالة ووصول العاطلين إلي3.5 مليون عاطل, وبغض النظر عن استمرار عدم الدقة في البيانات لأن العدد الحقيقي أكثر من ضعف هذا الرقم, فإن الجنزوري اكتفي بالصراخ ولم يقل لنا كيف سيحل المشكلة, مع أن حلها ممكن, وأشرت إليه في مقالات سابقة بهذه الصفحة وفي دراسات وكتب متعددة آخرها كتاب برنامج اقتصادي لمصر الثورة.. تجاوز تركة الفشل وبناء اقتصاد كفء وعادل.

وختاما أعتقد أن مصر تستحق حكومة أكثر كفاءة وفعالية, وأن الأحزاب الرئيسية في البرلمان المنتخب تستحق أن تشكل حكومة ائتلافية بديلة للحكومة العاجزة الحالية, ربما نري منها حلولا للمشاكل وليس مجرد ندب وصراخ كما تفعل حكومة الجنزوري, وحتي لو فشلت مثل هذه الحكومة الائتلافية لا قدر الله, فإنها ستكون رسالة للشعب, كي يعيد تقييم اختياراته في أي انتخابات عادية أو مبكرة.

بقلم: 
أحمد السيد النجار
المصدر: 
الاهرام 15-3-2012