حقيقة حال المشرك وحال المتمزق بين أغراض وأهواء شتى

﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾

 إلى من يتعلق بغير الله ..إلى معلق قلبه بضريح أو مقبور أو مخلوق دون الله ولو كان رسول رب العالمين تعلق عبادة.

وإلى من يرجو الخلق يستحثهم ويرغب إليهم أو يخاف منهم ويرى أيديهم تملك شيئًا ..

وإلى من لم ُيجمِع قلبه الهم والقصد على الله تعالى .. فتشعبت عليه الهموم والاهتمامات وتعدد حبه وتعددت مخاوفه .. وأسلم نفسه .. يقتنص كل شيطان وكل شهوة وكل هوى وكل عارض مزعة من نفسه ومن أشواقه وطموحه ومخاوفه ..

إلى من يتعبد للمال أو الشهوات ويعلق بهذا رضاه وسخطه ..

وإلى من يرى في غير الله ركنًا ركينًا وملجأً حصينًا ..

إلى من هبط من سماء توحيده وفطرته التي فطره الله عليها: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾، وهذه هي الفطرة السليمة، فمن فقدها ففيه قوله: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾..

يا ضائع اسمع إلى ربك: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾.

يقول ابن القيم رحمه الله: «فتأمل هذا المثل ومطابقته لحال من أشرك بالله وتعلق بغيره ويجوز لك في هذا التشبيه أمران:

أحدهما: أن تجعله تشبيهًا مركبًا ويكون قد شبه من أشرك بالله وعبد معه غيره برجل قد تسبب إلى هلاك نفسه هلاكًا لا يرجى معه نجاة،فصوّر حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير في الهوى فتمزق مزقًا في حواصلها،أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطارح البعيدة،وعلى هذا لا تنظر إلى كل فرد من أفراد المشبه ومقابله من المشبه به.

والثاني: أن يكون من التشبيه المفرق فيقابل كل واحد من أجزاء الممثل بالممثل به،وعلى هذا فيكون قد شبه الإيمان والتوحيد في علوه وسعته وشرفه بالسماء التي هي مصعده ومهبطه فمنها هبط إلى الأرض وإليها يصعد منها،وشبه تارك الإيمان والتوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين من حيث التضييق الشديد والآلام المتراكمة،والطير الذي تخطف أعضاءه وتمزقه كل ممزق بالشياطين التي يرسلها الله سبحانه وتعالى عليه وتؤزه أزًا وتزعجه وتقلقه إلى مظان هلاكه،فكل شيطان له مزعة من دينه وقلبه كما أن لكل طير مزعة من لحمه وأعضائه،والريح التي تهوي به في مكان سحيق هو هواه الذي يحمله على إلقاء نفسه في أسفل مكان وأبعده من السماء»([1]).

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله:«إنه مشهد الهوي من شاهق ﴿ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء﴾.

وفي مثل لمح البصر يتمزق ﴿ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ ﴾، أو تقذف به الريح بعيدًا عن الأنظار ﴿ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾، في هوة ليس لها قرار!.

والملحوظ هو سرعة الحركة مع عنفها وتعاقب خطواتها في اللفظ "بالفاء" وفي المنظر بسرعة الاختفاء .. على طريقة القرآن الكريم في التعبير بالتصوير.

وهي صورة صادقة لحال من يشرك بالله، فيهوي من أفق الإيمان السامق إلى حيث الفناء والانطواء. إذ يفقد القاعدة الثابتة التي يطمئن إليها. قاعدة التوحيد. ويفقد المستقر الآمن الذي يثوب إليه؛ فتتخطفه الأهواء تخطف الجوارح، وتتقاذفه الأوهام تقاذف الرياح. وهو لا يمسك بالعروة الوثقى، ولا يستقر على القاعدة الثابتة، التي تربطه بهذا الوجود الذي يعيش فيه»([2]).




([1]) إعلام الموقعين، جـ 1، ص 180.

([2])الظلال، سورة الحج.

بقلم: 
الأستاذ مدحت القصراوى
المصدر: 
الموقع