المصري بين شقي الرحي‏..الكرامة أم لقمة العيش؟

 

هل تتناقض بالضرورة مساعي المصريين لاكتساب لقمة حلال في بلاد الله الواسعة مع احتفاظهم بكرامتهم في نفس الوقت؟

ولماذا يضطر بعض المصريين في احيان لتعليق كرامتهم في مطار القاهرة قبل المغادرة الي بلاد الغربة بحثا وراء الرزق؟ ما هي الاسباب القاهرة التي اضطرت بعض المصريين لترك بلدهم سعيا وراء الرزق مع التضحية بالغالي والنفيس؟ وهل احتفظ المصري بكرامته في بلده حتي يحرص عليها خارجها؟ اسئلة كثيرة فجرتها قضية مواطن مصري اسمه احمد الجيزاوي. أسئلة حائرة بين نقيضين, احدهما يزعم انه مواطن ثائر حر كريم ناضل من اجل حقوق الانسان والحرية في كل البلدان بما فيها السعودية, والاخر يتهمه بانه مجرم مهرب حاول نقل مخدرات الي بلد آخر متذرعا بالحاجة للقيام بعمرة واجبة.

في البداية يقول د. محمد السعيد ادريس رئيس لجنة الشئون العربية بمجلس الشعب, كرامة المصري في الخارج تبدأ من الداخل لأنني اتحدث عن مواطن لا يجد حقوقه المشروعة متاحة بل يجد أن حقوقه تسلب منه تلو بعضها, حتي حق الحياة, بدءا بمسألة أطفال الشوارع والمتاجرة بأعضائهم كقطع غيار, ومافيا الدم الملوث, وملايين الشباب العاطلين عن العمل وملايين العوانس بلا زواج وعددهم9 ملايين عانس ومئات الأسر التي تعيش في القبور.. حق العلاج لا يوجد, حق العمل والتعليم لا يوجد, التعليم طبقي.. تعليم حكومي فاشل, مدارس خاوية من مدرسين فقدوا رسالتهم وتحولوا الي تجار.. التعليم الخاص للأولاد الأغنياء ومن فشلوا في الحصول علي كليات مرموقة.. التعليم الأجنبي الأرقي لأبناء الصفوة ورجال الأعمال وأمامهم فرصة الجامعات الأجنبية الأمريكية والألمانية والفرنسية والكندية, هناك تمييز بين خريجي الجامعات الأجنبية وغيرها, فخريجو الجامعات الحكومية لا يجدون عملها بل إنهم لا يجدون حتي ما ينفقونه اذا جلسوا علي المقاهي. في ظل نظام مبارك تحول الشعب الي عبء عليه لدرجة أنه تمني لو مات نصف الشعب المصري الذي يكدر صفو سيادته وزوجته الامبراطورة بمطالبهم الحياتية. المواطن المصري خرج من مصر بعد أن فقد حقوقه السياسية, فليس من حقه الترشيح أو الادلاء بصوته.. الآلاف من الفتيات فرطن في أعراضهن من اجل ثمن دواء أو عملية جراحية لذويهم علي يد سماسرة الرق.. وهناك شباب ألقوا بأنفسهم في مراكب مؤكد غرقها بحثا عن فرصة عمل, فهل يحرص علي كرامته من خرج من بلده كالمطرود, لقد خرجوا فارين من ضغط الحياة وبحثا عن لقمة العيش لاغير.

ويضيف لا أحد يحب بلده كالمصري, انه اذا اشتري بدلة أو زجاجة بارفان ادخرها ليلبسها في مصر وبعضهم مات قبل أن يلبس بدلته.. المصري عزته في بلده, قرشهم لبلدهم, واتساءل لماذ لا ينقل جثمان المصري الذي يموت بالخارج علي نفقة دولته, لماذا تجمع الأموال اذا كان فقيرا لنقله علي بلده؟.لماذا الاهانة المصري يهان من سلطات الدولة, سافر وترك عزته في المطار.. والسفراء مهمتهم استرضاء حكامهم.

مبارك كان مقاول تراحيل قبض ثمن المصريين من الأمريكان والعرب وحولنا الي عبيد كالرجل الذي كان يجلب ابنته للباشا ليفعل بها ما يشاء ورحل وقد دفع ثمنهاـ هكذايؤكد. إدريسم ؤكدا ان المصري مطرود من بلده ويري أمام عينه الدنيا تقوم ولا تقعد اذا جرحت اظافر مواطن هندي أو ارتعش له رمشا, هؤلاء المواطنون لهم سلطات تحميهم, أما سفراء مصر فكانت مهمتهم حماية العلاقة بين مبارك ورؤساء الدول جهة التنفيذ.

ويقول: تقدمت الي لجنة المقترحات والشكاوي بمشروع قانون بانشاء المجلس الأعلي للمراقبة والمحاسبة الذي يدرس حاليا في لجنة الخطة والموازنة ليأخذ طريقه الي اللجنة الدستورية ومهمة الجهاز مراقبة المال العام في كل مكان في مصر بلا استثناء ويكون مستقلا من جميع السلطات في التعيينات والترقيات وله حق الضبطية القضائية ومحاسبة كل مسئول. لا يمكن أن يصدر قرشا واحدا دون مراقبة أو تدقيق. وهذا أول طريق للدفاع عن كرامة وعزة المصريين فالفساد جاء من الانفلات وقاد الي الاستبداد ولابد للمصريين أن تكون حياتهم مؤمنة داخل مصر بحيث عندما يتعرض لذرة اهانة يعود مكرما الي بلده, لا يضطر لابتلاع الاهانة, الاضطرار يهدر الكرامة لو المصري شنطته بجوار الباب وعمله في بلده مؤمن وأسرته سعيدة سيعود الي وطنه عندما يمسه أي شئ.

ويرفض د. ادريس فكرة تغيير القوانين المنظمة للعمل بالخارج ومنها مسألة الكفيل مشيرا الي أنه ليس من حقنا اصلاح قوانين العمل وعلينا اصلاح قوانين العمل في مصر. والمشكلة من وجهة نظري أن قوانين العمل بالبلاد العربية تعطي للكفيل حق التعامل كالسيد مع الوافد, الأمر الثاني مكانة الدولة, الأمر المؤكد أن مكانة الدولة تنعكس سلبا وايجابا علي المواطن, فهناك40 ألف سجين دون محاكمة.. واقول هنا مكانة الدولة لو أن مصر دولة محترمة لن تسمح بحبس مواطنيها ودون محاكمة لو أن مواطنا ـ أمريكيا, سوريا أردنيا باكستانيا أو هنديا ـ سجن لانقلبت الدنيا رأسا علي عقب, فمكانة الدول لها دور بهذا الخصوص..

كذلك لابد من معالجة الخلل السياسي والاجتماعي, فانعدام العدالة والحرية تجعل المصري مسافرا مدفوعا كهارب يبحث عن قارب نجاة خارج بلده.. ويضطر المصري لقبول الاهانة خارج بلاده.

وقوانين العمل ظالمة وقانون الكفيل يحول العلاقة الي رق وعبودية ويمكن الكفيل من تلفيق التهم للوافد اذا حدث بينهما خلاف في الرأي وذلك بالطبع في ظل خلل قضائي.. ومكانة مصر ان تحسنت أوضاع المصريين بالخارج.. هل يعقل أنه لا توجد مدرسة مصرية في الكويت مثلا.

ولذا اطالب ـ يضيف د. إدريس ـ بانتخاب جاليات مصرية لها مجلس ادارة تجري انتخاباته تحت اشراف السفارة, ولابد من انشاء وزارة للمصريين بالخارج, وكذلك لابد من تمثيل للمصريين في المهجر وبلاد العرب فلا يعقل ابدا ألا يكون هناك ممثل للمصرين خارج بلادهم خاصة أن عددهم10 ملايين مصري. وهؤلاء المصريون هم بقرة حلوب بتحويلاتهم النقدية الي مصر. لكنني في الوقت نفسه استنكر المظاهرة التي خرجت مسيئة لمصر وما كان يجب أن تستخدم الألفاظ النابية من المصريين ضد بلد شقيق.. وأحمل نظام مبارك مسئولية تحجيم العلاقة مع المملكة السعودية ارضاء للأمريكان واسرائيل, والبرلمان المصري معني بعلاقات عربية متميزة ومعني باحياء الاتفاقيات العربية وفي مقدمتها الدفاع المشترك.

يقول د. جمال حشمت رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب اشكاليات الكفيل ناتجة عن غياب الدولة وبدأ المواطنون يمارسون حياتهم وعقودهم بشكل فردي عندما كانت مصر مسئولة عن اعارة بعثاتها كان التعامل بين حكومتين, وفي ظل غياب الدولة يتعرض المصريون لحالات من العسف الفردي وليس الرسمي فالسلطات السعودية لا تتعمد بالطبع اعتقال البعض وعدم تقديمهم لمحاكمات نحن نقبل محاكمات عاجلة ناجزة شفافة في ظل حق المتهم في الدفاع عن أنفسهم, ويجب أن تراعي الدول العربية بعد25 يناير حقيقة ان المصريين لا يقبلون الاعتقال والحبس دون أسباب وحتي المحاكمات الاستثنائية والعسكرية وعندما نشعر بالروح الجديدة لثورة يناير, نتألم أن يتعامل الكفيل بشكل متعسف.. وهل يعقل أن يكون هناك50 سجينا في السجون السعودية لم يقدموا الي محاكمات عاجلة, وهل يعكس ذلك الا اهانة, ولا بد من فرض هيبة الدولة وعلي العرب أن يعلموا أن مصر لن تقبل الاهانة أو الاساءة والذي حدث في السفارة السعودية أمر مخالف للقوانين والأعراف والأخلاق وينبغي علي العقلاء من الدولتين معالجة الأمور بحكمة.. وعندما تدخلت وسائل الاعلام في قضية أحمد الجيزاوي, أفسدت علاقتنا بالدول العربية ويجب علي من يبث معلومة عبر وسائل الاعلام التحقق من مدي صحتها حتي لا يبث فتنة أو خلافا في الداخل والخارج لهذا أطالب بتفعيل ميثاق الشرف الصحفي. ويضيف: لا يزال ملف المصريين العاملين بالخارج مفتوحا وما زلنا مشغولين بقضاياهم التي ترد الينا وهناك برنامج للتواصل معهم في الخارج, لكن وللأسف الشديد غالبية المصريين بالخارج غير مسجلين في السفارات والقنصليات لهذا أناشد كل مصري اضطر للخرروج من بلده سعيا وراء الرزق أن يتقدم لقنصليته لتسجيل بياناته حتي يمكن لدولته التدخل لحمايته اذا استدعي الأمر, وهناك تنسيق مع وزارة الخارجية لمشروع قانون لعمل صندوق للعاملين في الخارج لرعاية المصريين في نكباتهم والعوائق التي يلاقونها في الخارج..

وينتهي حشمت الي أن قضية الجيزاوي لا تزال قيد التحقيقات والادعاءات وأن المشكلة الحقيقية في حجم المعلومات الصحيحة المتوفرة, مشيرا الي أنه من غير المعقول ألا يستطيع محاميه الانفراد به حتي الآن؟ ما يعكس بالطبع تعنتا واضحا من قبل مسئولي السعودية, وأنه لا بد أن يمنح المتهم فرصة الانفراد بالدفاع دون تدخل من الأمن السعودي. خاصة اذا افترضنا جدلا أن التهم الموجهة للجيزاوي صحيحة فلماذا الخوف من الانفراد به. وقضية أحمد الجيزاوي كغيرها من قضايا المصريين بالخارج تمت مناقشتها بحضور وزير الخارجية وخرجت التوصيات تطالب بحزمة من القوانين تنظم حركة المصريين وتحافظ علي كرامتهم وتحمي حقوقهم بالداخل والخارج.

يقول د. عبداللة الاشعل القنصل المصري الاسبق بالسعودية أن المصري يلقي اهانة في الداخل في بلده فلا عجب أن يهان بالخارج, وهذا ما نرفضه جميعا. فالمواطن المصري لا بد أن يعاقب بالقانون اذا ارتكب جريمة وأنا في غاية الدهشة من التصريحات التي خرجت علي لسان وزير الخارجية أنه يخشي أن يتخذ موقفا حاسما حتي لا تسحب السعودية تمويل المشروعات. الفساد هو الذي جعل مصر تتجه نحو السعودية.. الكرامة المصرية مرهونة بالمعونة.. وزير خارجيتنا يربط بين المعونة وعلاقتنا بالسعودية ومع تقديرنا الكامل للمملكة وحرصنا علي أوثق العلاقات معها الا أن القانون والعدل لا بد أن يأخذ مجراه ولا يجوز حبس المواطنين والتساهل في اعتقالهم دون محاكمة من قبل السعودية.

ويضيف: الحكومة ليست علي مستوي المواطنين الذين خرجوا الي الشوارع ثائرين رافضين امتهان كرامة المصري, وعليها أن تعرف أن الشعب المصري أصبح طرفا في المعادلة وأن التستر علي حقوق المصريين واهاناتهم يجب أن تنتهي.. واذا كانت حكوماتنا السابقة قوية وتصرفت مع نظيرتها السعودية بندية لما خرج المصريون ثائرين الي الشارع وقد اثقلوا بتقارير عن حماية السعودية لمبارك ونظامه, وكذلك نية السعودية لوقف معونتها خاصة أن هناك دولا تسعي جاهدة لافساد العلاقة بين مصر والسعودية فكانت قضية الجيزاوي الشرارة التي ألهبت مشاعر الغضب لدي المصريين.

يقول السفير عبد الرءوف الريدي: ليس هناك شك أن تعامل الكفيل مع العمالة المصرية في السعودية وأغلب البلاد العربية به تجاوزات وأمور غير مقبولة, خاصة أن العالم كله وحقوق الانسان ترفض التجني علي حقوق العمالة الأجنبية.. وقد طالبت منظمة العمل الدولية كثيرا بتغيير هذا النظام, وبالنسبة لقضية الجيزاوي من حق أي بلد أن تجري التحقيقات اللازمة بشأن ما يحدث علي اراضيها, وتقوم سلطات النيابة العامة بالتعامل مع هذا الملف, في ظل متابعة القنصل كممثل لبلد المتهم ليقوم بابلاغ حكومته مع مراعاة مصلحة المتهم وتوكيل محام للدفاع عنه.

الا أنه في الوقت نفسه لا ينبغي لنا كشعب ذي حضارة وتاريخ التعبير عن غضبنا من خلال الاعتداء علي السفارة السعودية او محاولة اقتحام مقر السفير السعودي بالقاهرة خاصة أن الأعراف الدولية واتفاقية فيينا تفرض علي الدولة المضيفة حماية المقرات الدبلوماسية علي اراضيها بغض النظر عن اي خلاف مع تلك الدولة, ناهيك عن ان السعودية دولة شقيقة.

وترتبط مصر مع السعودية بعلاقة استراتيجية وطيدة, فكلاهما دولة كبيرة تقع عليها المسئولية في استقرار النظام العربي والحفاظ علي المصالح العربية الكبري.

هذه هي رؤية بعض رموز وممثلي المجتمع في مصر, وبالرغم من ذلك تظل الاسئلة التي طرحناها في بداية هذا التحقيق قائمة, وبالرغم من الاتفاق بين الجميع علي ان كرامة المصري تبدأ في وطنه, الا ان الامر لا يقتصر علي ذلك فقط وان كان يبدأ به. كذلك لا يجب بأي حال من الاحوال التغافل عن حقيقة ان المصلحة العليا لمصر وشعبها تقتضي الحرص كل الحرص علي اقامة علاقات متوازنة وصحية وجيدة مع كل الدول العربية وخاصة تلك التي يوجد بها جالية مصرية كبيرة, والعلاقات بين مصر والسعودية علاقات هامة تتجاوز في طبيعتها المصالح المادية الضيقة الي فضاء ارحب واوسع, والشعب السعودي شعب شقيق بكل معني الكلمة ولا يعني علي الاطلاق تعرض مصري في السعودية بحق او بدون للمحاكمة توجيه السباب والشتائم للشعب السعودي بأكمله او لحكومته ونظامها, فهذا لا يصح, ويذكرنا بما حدث ايام الفشل الاعلامي والسياسي والاقتصادي والاخلاقي خلال حقبة النظام السابق, بسبب مباراة مع الجزائر. للمصري الحق كل الحق كغيره من رعايا دول العالم في الاحتفاظ بكرامته حتي لوكان متهما في قضية ما, وفي نفس الوقت سيكون من العار علينا كمصريين مهاجمة شعب وبلد كامل من اجل فرضية لم تثبت بعد, واذا كان الجيزاوي مظلوما فسيستعيد حقه, واما اذا ثبت عليه اتهام نقل الحبوب المخدرة فوجب علينا الاعتذار, وتأمين محاكمة عادلة له.

بقلم: 
سهيــر غنــــام
المصدر: 
الاهرام 4-5-2012