الســـلطة القضائيــة‏..‏ وأحاديــث التغــول

الســـلطة القضائيــة‏..‏ وأحاديــث التغــول

مع سلسلة من الأحكام القضائية المثيرة للجدل والاختلاف العنيف علي ساحة الدولة المصرية يمكن رصد حلقة جديدة من حلقات الترويع المخطط والممنهج التي يتعرض لها عقل وضمير ووجدان الإنسان المصري بما يضمن اخضاعه واسكاته وعودته القسرية لزنازين الطغيان والقهر والاستبداد وبعد سلسلة الترويع الأمني والترويع الاقتصادي متصلة الفصول والحلقات وجدت أم الدنيا نفسها تواجه مأزقا كارثيا يتمثل في الترويع القضائي القانوني الذي يهدد حلم الثورة المصرية بنهاية المرحلة الانتقالية لإدارة شئون البلاد مع03 يونيو.2102

ويفرض ذلك لو تحقق علي الجميع العودة إلي المربع صفر ونقطة البداية من جديد بدرجة عالية من الغموض والالتباس وبدرجة عالية من الاثارة للمشاعر الثورية والوطنية في ظل التعارض الصارخ للأحكام القضائية مع طموحات وتطلعات الارادة الشعبية للغالبية العظمي من الشعب المصري وما تثيره هذه الأحكام بالصورة التي صدرت بها من امتلاك احدي السلطات الثلاث للدولة وهي تحديدا السلطة القضائية القدرة علي أن تتغول في مواجهة باقي السلطات وفي مقدمتها سلطة التشريع الملتصقة التصاقا وثيقا عند اختيارها برغبة الارادة الشعبية وقرارها ومشيئتها وكأن هناك فرعونا جديدا قد ولد من رحم المجهول وهو الفرعون الاله بجميع المقاييس بحكم ما يقول به البعض من أن الأحكام القانونية عنوان للحقيقة لا يجوز الاقتراب منها بالتعليق والنقد ولا يسمح للإرادة الشعبية بأن تقف منها موقف الرفض وعدم القبول وكأنها أحكام مقدسة لا يسمح حتي بتأويلها وتفسيرها وهي بذلك تعلو الكتب السماوية القابلة دائما للتأويل والتفسير استنادا للعلم والمعرفة.

وبحكم أن الغالبية العظمي من قضاء مصر الشامخ لا تقول بالقداسة ولا تتحدث عن القضاء باعتباره السلطة الأعلي بين السلطات المحصنة من الخطأ والزلل وبحكم أن كودية الزار الساعية لتغييب عقل وضمير ووجدان المواطن المصري لا تضم إلا قلة قليلة من فقهاء القانون علي الرغم من الجرائم النكراء التي تمارسها أجهزة الإعلام وفي مقدمتها القنوات الفضائية المشبوهة وما تفرضه من رأي لعدد لا يتجاوز أصابع اليدين هم في الأول والآخر حملة المباخر وترزية القوانين لكل سلطة ولجميع السلاطين فان هناك دعوة لابد وأن تنطلق علي أوسع نطاق ومدي تسأل أهل الأمانة والوطنية والشرف من ابناء صرح العدالة المصري المتين أن يكون لهم اليد العليا في مواجهة مخططات الترويع القضائي القانوني لأنه حال تحققه واستقراره في وجدان وضمير وعقل المصريين لابد وأن يشكل سلوك الهدم الكارئي للدولة المصرية ويكتمل معه تكسير عظامها وتفكيك أوصالها والإعلان الكامل عن عودة سطوة الفساد والإرهاب والانحراف عن كل مقاديرها.

ولابد أن يدير أهل القضاء والقانون معركتهم المصيرية المحتمة لكسر شوكة الترويع القضائي القانوني بما يحقق نقلة حضارية عصرية تضمن لمصر أن تدخل بالفعل عصر سيادة القانون وهو الأمر الذي يتحقق فقط لاغير في ظل ثقافة مجتمعية قانونية تعرف من خلالها الأكثرية الحقوق والواجبات الأساسية للمواطن في مواجهة جميع السلطات باعتباره شريكا رئيسيا في الحكم من خلال صناديق الاقتراع وباعتباره الممول الأكبر للميزانيات العامة بما يدفعه ويتحمله من ضرائب والتزامات وأن القائمين علي الحكم مجرد موظفين عموميين لتعدد درجاتهم باختلاف مناصبهم وانهم جميعا في خدمة الشعب وان الإرادة الشعبية الحرة النزيهة تحدد نطاق سلطتهم وحدود قراراتهم والأهم من كل ذلك التوعية بالدرس الأول القائل بان السلطة التي تدخل في مواجهة مع الإرادة الشعبية تفقد شرعيتها ومشروعيتها وتجبر علي التنحي والخروج من ساحة الأحداث وهو ما صنعته الثورة المصرية مع المخلوع البائد وتشكيله العصابي الإجرامي وحولتهم إلي متهمين داخل القفص وصدرت ضدهم احكام الادانة الشعبية قبل أن تصدر احكام ادانة من القضاء وهو الأمر الواقعي المؤيد بالمشروعية الثورية الذي قلب موازين الحكم والسلطات وتجاهله رئيس نادي القضاة في تصريحاته الصحفية الساعية لاثارة الخوف والرعب في نفوس المواطنين الامنين عند تفكيرهم اللحظي في التعليق علي احكام القضاء وجرأتهم علي رفضها عندما تتعارض مع مشروعية ثورتهم وحقوق الوطن ودماء الشهداء وكأن سابقة المخلوع النائم في القفص الحديدي لا تقوم دليلا علي شرعية الواقع الجديد ونفاذ حكم الارادة الشعبية حتي لو لم تكتمل حتي هذه اللحظة إلي نهايتها ومنتهاها.

وفي ظل المناخ العام المرتكز علي تغييب المعرفة بحقيقة الأمور وترويع الآمنين بفزاعات المخطط الشيطاني فان استعادة التذكير بالبدهيات البسيطة تصبح فرض عين علي أهل الذكر الذين لم تلوثهم الهنات والسقطات وفي مقدمتها اشاعة المعرفة الصحيحة بحقائق الأمور وان عقيدة المسلم لا تعرف بأي صورة من الصور أو بأي شكل من الأشكال الترخص إمكانية اضفاء صفات القداسة علي الأفراد مهما علا شأنهم في أمور الدين والدنيا وكذلك علي المؤسسات وحتي الأزهر فهو فقط منارة علم وهداية ومعرفة وما يصدر عنه هو حجة في تفسير شئون الدين لا تتحول إلي الزام إلا بنص قانوني أو من خلال عرف اجتماعي وهي تفسيرات تخضع للتغير وفقا للظروف ووفقا للمصالح المرسلة للبشر وبالتالي فان المسلمين ليست لديهم قداسة دينية لمؤسسات أو لأفراد ويتصل بذلك بالحتم والضرورة عدم تواجد قداسة لمؤسسات الدولة وقياداتها وقادتها ولا يملك الحاكم في الإسلام تفويضا الهيا بالحكم وليس هو ظل الله علي الأرض كما كان يقول الفراعنة وكما كان يقول اباطرة وملوك أوروبا في العصور الوسطي وفي المحصلة النهائية فان الإنسان هو عماد الدولة وهو صانع القوانين الملتزمة بأحكام الشرع وفقا لرأي الفقهاء الذين هم في هذه الحالة علماء التخصص والعلم كما في باقي فروع العلم والتخصص والذين لا ينفذ رأيهم في النهاية إلا بالقبول والرضا من الأكثرية المعبرة في تلك اللحظة عن الارادة الشعبية ويستوجب هذا الإطار العام الحاكم لعقل وضمير ووجدان الأمة التأكيد علي مجموعة من الأمور الكاشفة عن حقيقة وطبيعة الأحاديث المرسلة الفضفاضة عن احكام القضاء وعن القضاء في ضوء المستقر الواضح في رأي فقهاء القانون علي امتداد العالم في مقدمتها ما يلي:

(1) أن المصدر الحقيقي لجميع السلطات في الدولة الحديثة المسماة بالدولة الوطنية يرتبط بالإرادة الشعبية لمجموع المواطنين التي يتم التعبير عنها من خلال صناديق الانتخاب وبذلك فان الإرادة الشعبية تعلو جميع السلطات ولا تعلو عليها سلطة ولا تملك أي نوع من أنواع الحصانة في مواجهتها وأوامر الإرادة الشعبية لجميع السلطات لا تحتمل الرفض أو التأجيل وبالتالي فان سلطات الدولة الثلاث التنفيذية ـ التشريعية ـ القضائية تخضع لمشيئة ورغبة الإرادة الشعبية المنظمة بشكل كامل لا يحتمل الغموض أو الالتباس.

(2) ان الإرادة الشعبية هي الصانعة لكافة القوانين وهي فقط لا غير التي تحدد الدساتير وهي أيضا التي تملك سلطة التغيير والتعديل للدساتير والقوانين حتي وأن تطلب اصدار القوانين أن تتم من خلال السلطة التشريعية التي هي في الأول والآخر الجهة التمثيلية المباشرة عن الإرادة الشعبية لفترة زمنية محددة وحتي المجالس التشريعية فيما تصدره من تشريعات وقوانين وفيما تقره من سياسات عامة فانها ملتزمة بقواعد الدستور الذي يستفتي عليه الشعب بشكل مباشر وهي كذلك ملتزمة بالرضا والقبول الشعبي والا تحولت الدولة إلي فوضي وتحول المناخ العام إلي قلاقل واضطرابات.

(3) أن الدساتير العالمية المعاصرة تلتزم بشكل قاطع في النظم الديمقراطية المتقدمة التي لا تعرف الطغيان والديكتاتورية والاستبداد بمبدأ الفصل بين السلطات الذي يفترض أن لا تتغول سلطة من سلطات الدولة الثلاث في مواجهة السلطات الأخري كما يفترض أيضا حتمية ضمان التوازن بين السلطات حتي لا تنحرف سلطة عن حدود اختصاصها بما يضر بالصالح العام وفي ظل النظام البائد فان رئاسة المخلوع للمجلس الأعلي للقضاء كان يثير شبهات قوية دامغة عن تغول السلطة التنفيذية ممثلة في رأس النظام علي حساب السلطة القضائية وحرمان الوطن والمواطن من حقه الطبيعي في العدالة غير الخاضعة للسلطة التنفيذية خاصة ان قرارات تعيين رئيس المجلس الأعلي للقضاء وكذلك رئيس المحكمة الدستورية العليا اضافة للنائب العام يصدر بها قرار من رئيس السلطة التنفيذية وكذلك غيرها من القرارات المؤثرة في تشكيل هذه الكيانات وتكوينها بما يؤكد دوما علي تغول السلطة التنفيذية.

وحتي يكون الحكم الصادر من المحكمة عنوان للحقيقة فان الحكم يجب أن يكون مستوفيا لجميع الاركان القانونية السليمة, وأن يكون ملتزما بصحيح القانون وصحيح التفسير لمواده ونصوصه المرتبطة بالدعوي, ويصل الآمر بالضرورة إلي ان يكون تسبيب القاضي لحكمه سليما ودقيقا وواضحا وحال مخالفة الحكم لهذه القواعد فان محكمة الدرجة التالية تلغيه وتصدر الحكم الذي تراه متوافقا مع القانون ويملك أطراف الدعوي الحق في نقض الامام لدي محكمة النقض, وفي سبيل الوصول لنقض الاحكام الصادرة بحقهم يحددون تفصيلا اوجه مخالفة الحكم لقواعد القانون وعواره و تجاوزاته والخلل في التسبيب بجميع الاساليب والسبل والوسائل ولايعتبر ذلك اعتداء علي السلطة القضائية التي أصدرت الاحكام ولا يعد تشكيكا في نزاهتها وتدخلا في أعمالها أو أنه يمكن أن يفهم بأي طريقة باعتباره تحقيرا للقضاء والقضاة بل يعد بجميع المقاييس والمعايير أسلوبا مشروعا لاحقاق الحق وضمان العدل وعندما تنقض محكمة النقض أحكام المحاكم فإنها تسبب حكمها وترتكز إلي تحديد العوار القانوني الكاشف والمهدر لحجية الحكم المطعون فيه ولا يقول أحد أن محكمة النقض تعتدي علي عناوين الحقيقة ولو استسلمت محكمة النقض للمعني المطلق ولم تقيدت بوقت صدوره واطراف صدوره لتم الغاء محاكم النقض وهدمت قاعدة حق النقض للأحكام ولسبقها هدم قاعدة استئناف محاكم الدرجة الأولي امام محاكم الاستئناف واصبحت العدالة و رهينة لحكم قاضي واحد و درجة تقاض واحدة وامتنع علي المحامين أن يقدموا مذكرات دفاع عن متهمين تشرح ما في الاحكام من عوار وفساد وعدم التزام بصحيح القانون متضمنة نصوصه وروحه وسوابقه القضائية المستقرة.

لقد حكمت المحكمة في قضية دنشواي علي الفلاحين المصريين البسطاء بالاعدام بتهمة قتل ضابط انجليزي مات اصلا بسبب إصابته بضربة شمس وقام ممثل الادعاء المصري المنتمي لوزارة الحقانية المصرية بدور اجرامي مشهود مستخدما كل قاموس الفصاحة والبلاغة البشعة في التزوير والتلفيق حتي يثبت التهمة الوهمية علي ابناء بلده خدمة للمستعمر البريطاني وتنفيذا لإرادته ومشيئته وقامت الدنيا ولم تقعد في مصر وعلي امتداد العديد من الدول الأوروبية بحكم الاستفزاز الوقح للاحكام وتعديها علي الحقوق المشروعة الطبيعية للانسان وامتهانها للقانون وللقضاء وتحول الهلباوي لنموذج من الفلكلور المصري يجسد قصاصة الشيطان وتحولت المحكمة وقضاتها واحكامها إلي مادة خصبة لاستنهاض الروح الوطنية ومقاومة الاحتلال البريطاني وتجسيد وحشيته وخطره علي الدولة والإنسان في مصر ولم يجرؤ احد يومها علي القول إن الحكم عنوان الحقيقة لأنه كان بكل المعايير والمقاييس عنوانا للعبودية والذل للمحتل وعنوانا علي هوان ومهانة الحقانية المصرية.

بقلم: 
‏أســـامــــة غــــيـــث
المصدر: 
الاهرام 25-6-2012