نحو برنامج نووى مصرى سلمى لتخصيب اليورانيوم

نحو برنامج نووى مصرى سلمى لتخصيب اليورانيوم

يعطى القانون الدولى جميع الدول الحق فى إنتاج الطاقة النووية لاستخدامها فى الأغراض السلمية، وذلك عن طريق تخصيب اليورانيوم 235 تخصيبا منخفضا تتراوح نسبة التركيز فيه بين 3-5% ويتم ذلك فى خطوط إنتاج متوازية منفصلة عن بعضها، يتكون كل منها من نحو 150 جهاز طرد مركزى، وهذا أمر مسموح به طبقا للقانون الدولى، ويستخدم اليورانيوم المخصب الناتج من هذه العملية لتشغيل الأجهزة الطبية والهندسية والصناعية التى تعمل بالطاقة النووية، بالإضافة إلى تشغيل بعض محطات توليد الكهرباء مثل المحطة المصرية المزمع إنشاؤها فى الضبعة.

ورغم أن هذا أمر يجيزه القانون الدولى ولا يجرمه، إلا أن أمريكا و"إسرائيل" وبعض الدول الأوروبية تقف بالمرصاد لمنع أى من الدول العربية أو الإسلامية من استخدام هذا الحق وتخصيب اليورانيوم تخصيبا منخفضا، رغم أن التخصيب المنخفض يصلح بالكاد للاستخدامات السلمية فقط، ولا يصلح لإنتاج أى سلاح نووى، فلماذا إذًا تصر أمريكا و"إسرائيل" وباقى دول النادى النووى على حرمان الدول العربية والإسلامية من هذا الحق؟.

إن قلب أمريكا الملهوف دائما على ربيبتها "إسرائيل" غير مطمئن!!، فربما قامت الدولة المنتجة لليورانيوم منخفض التخصيب بالتلاعب سرا فى أجهزة الطرد المركزى للحصول على يورانيوم عالى التخصيب.. وهذا سهل ووارد ومطلوب للدول الواقعة تحت التهديد، ويقال إن وجود خطوط التخصيب تحت سيطرة الدولة هو بمثابة وجود رجل وامرأة فى حجرة مغلقة والشيطان ثالثهما، إذ لن تستطيع معظم الدول مقاومة إغراء رفع نسبة التخصيب وامتلاك القوة المطلقة، وفى العالم ما فيه من الصراعات والحروب، من هنا جاء الاقتراح الأمريكى الذى قدمته إلى إيران ومن قبلها إلى كوريا ومن قبل قبلها إلى باكستان، بأن يوقفوا تخصيب اليورانيوم ويفككوا أجهزته على أن تقوم أمريكا بإمدادهم باليورانيوم المنخفض التخصيب جاهزا "تيك أواى" لتشغيل المحطات النووية "علشان ما يتعبوش"!! وقد رفضت جميع هذه الدول الاقتراح الأمريكى الخبيث؛ لأنها تعرف مصالح شعوبها ولا تقايض عليها مهما كان الثمن، فشتان بين من يصنع الشىء وهو على دراية بكل إمكانياته وتفاصيله، وبين من يستخدمه دون معرفته فقط إذا وجد من يمده به، ناهيك عن أن أمريكا عندما تقوم بإمداد دولة ما باليورانيوم الجاهز التخصيب فإنها تستطيع منعه عنها فى أى وقت تشاء بما يوقف عمل المفاعلات كلية، تماما مثل الدولة التى تعتمد على القمح الأمريكى لصنع رغيف العيش.. إذا سارت فى ركاب أمريكا ورضيت عنها أعطتها القمح، وإذا خالفت أوامرها وخرجت عن طوعها منعته عنها، أقول: إن الدول الثلاث رفضت العرض الأمريكى، ومن ثم رفضت الخضوع لأمريكا حتى يمكنها امتلاك مفاتيح القوة الحقيقية وتكون سيدة قرارها.

إذًا ما العمل؟ إذا كان من المستحيل إجبار "إسرائيل" على التخلى عن ترسانتها النووية التى تحمى أمن شعبها، فماذا نحن فاعلون للحفاظ على أمننا القومى وأمن الأجيال القادمة من شعوبنا؟ ما العمل لكى نمنع إسرائيل من العدوان علينا مرة أخرى فى المستقبل واحتلال سيناء والاستيلاء على المنطقة السياحية التى تساوى المليارات فى طابا وسانت كاترين وشواطئ شرم الشيخ ونويبع ودهب ونعمة، وربما ما هو أكثر من ذلك وأبعد من ذلك، وربما أخذ أبنائنا ومبادلة الألف منهم بشاليط آخر؟ يؤسفنى أن أقول: إن العمل واضح، والطريق معروف.. ولكن من لديه الشجاعة لبدء برنامج نووى مصرى سلمى حقيقى فعال؟ وهذا لا يعنى بالضرورة امتلاكنا لأسلحة نووية فى الوقت الحاضر، ولكنه يعنى بالضرورة امتلاكنا للمعرفة النووية، ويعنى أكثر من ذلك ضرورة امتلاكنا لدورة تخصيب الوقود النووى كاملة، فبدون هذا سنظل خارج التاريخ ليس فى الأمن القومى فقط، ولكن فى كل المجالات السلمية التى تستخدم فيها الطاقة النووية مثل محطات توليد الطاقة، والأنظمة الهندسية، والأجهزة والطبية... إلى آخر القائمة التى تصنع الفرق بين الدول المتقدمة ذات السيادة، والدول التابعة المتخلفة علميا واقتصاديا وحضاريا.

إن الرئيس الذى سوف يتبنى تفعيل البرنامج النووى السلمى سيكون بطل مصر القومى بلا منازع، وستذكر له الأجيال القادمة -ولو بعد مئات السنين- أنه حقق لمصر أمنها القومى وحفظها من التبعية وربما من أن تحتل.

وأنا أَعلمُ أن الضغط عليه وربما على مصر كلها سيكون رهيبا.. ولكن أمن مصر وأمن أبنائها يستحق أن نواجه هذا الضغط ونحتمله من أجل الوطن، وقد سبقتنا إسرائيل إلى امتلاك هذا الردع، والعسكريون والإستراتيجيون يعلمون أنه كان موجها إلى مصر منذ نشأته تحسبا من قوتها إذا ملكته وما يترتب عليه من استقلال قرارها.

أنا اليوم أناشد الرئيس محمد مرسى الذى يحكم مصر الآن ويتحمل مسئولية أمننا، أن يضع البرنامج النووى المصرى السلمى فى أول أولوياته للإعداد له ثم البدء فى تنفيذه فى الوقت الذى يراه مناسبا.. حتى لا يتركنا عرايا تحت رحمة السلاح النووى الإسرائيلى بلا رادع يحمينا، حتى لا نصبح يوما فنجد نقاط التفتيش الإسرائيلية منصوبة فى شوارع مصر الجديدة، أو نجد القاهرة والإسكندرية قد أصبحتا هيروشيما ونجازاكى القرن الواحد والعشرين، عبرة لمن يعتبر، وثق أن امتلاك القدرات النووية هى التى تحول دون الحرب وليس العكس، وعندما استخدمت الأسلحة النووية كانت من دولة تملكها ضد دولة لا تملكها، أما الدول التى تمتلك قدرات ردع متوازنة فلا تقوم بينها حروب.

بقلم: 
د. عبد الحميد عمران
المصدر: 
بوابة الحرية والعدالة