تعليق على الخيانة العظمى والإعداد للنكسة

تعليق على الخيانة العظمى والإعداد للنكسة

1-    ما طلبه أمين الحافظ فى مؤتمر القمة الثالث من حرب فورية على إسرائيل وتحرير شامل لفلسطين لم يكن من قبيل المزايدة فهذه هى نفسها قرارات مؤتمر القمة الثاني الذى عقد فى سبتمبر 1964 فى الاسكندرية قبل انعقاد المؤتمر الثالث الذى نتحدث عنه فى الدار البيضاء فى 1965 , ولما اقترح بورقيبة أن يتم الصلح بين إسرائيل والعرب فى مقابل تنازل إسرائيل عن ثلث غالمساحة التى تحتلها للفلسطنيين وكانت الضفة وغزة فى يد الفلسطنيين أنذاك والتصور الأن يكون إضافة ثلث إسرائيل إلى الضفة وغزة وأقصى ما يطلبه الفلسطينيون اليوم هو الضفة وغزة, هاج العرب عليه من المحيط للخليج واتهموه بالخيانة وصرح أن هذا الوضع اتفق عليه مع عبد الناصر ولكن عبد الناصر أنكر ذلك وسلط عليه أحمد سعيد وغروق وكل أصوات صوت العرب لتتهمه بالخيانة والعمالة وكل الألفاظ المناسبة لحملة دعائية سوداء على بورقيبة .

2-    ربما يكون أمين الحافظ قد مات وهو لا يعلم أن الذى أفشى سر مؤتمر القمة الثالث فى الدجار البيضاء هو جمال عبد الناصر عن طريق مصطفى أمين وأوصل كل المعلومات إلى كريمبت روزفلت وأوصله أيضا أن مصر بصدد عمل انقلاب فى سوريا ضد أمين الحافظ وقد قام هيكل للتغطية كعادته بحملة كاذبة عن إفشال مؤتمر القمة الثالث وأن هذا هو العادة وأن أمريكا تعلمها من العديد من المصادر وتتجسس على مؤتمر القمة, وها خلاف الحقيقة تماما فأمريكا لم تعلم بهذا الموضوع إلا من فم مصطفى أمين إلى روزفلت بناءا على تعليمات من عبد الناصر.

3-    الدليل على ما سبق أن هذه المعلومات أثارت أمريكا جدا , فاتسم عام 1966 بتوطد التعاون الأمريكي الإسرائيلي وازدياد المساعدات الأمريكية لإسرائيل إلى 10 أمثال ما كانت عليه فى عام 1965 إذ ناهزت 1100 مليون دولار ناهيك عن صفقات سلاح كبيرة سرية بين الطرفين أثارت حفيظة الدول العربية ودفعتها فى بداية عام 1966 إلى حث الجامعة العربية على مواجهة الموقف بحزم وأثارت تخوفات سوريا بشكل كبير, ومن هذه الشرارة امتدت الأحداث إلى حرب يوليو 1967.

4-    خطط جمال عبد الناصر بذكاء خارق للانقلاب على أمين الحافظ بحيث استعمل معه كل أسايب التورية وما يعرف بإسلوب الميتادور لجذب عداءه إلى الجهة التى لا يمكن أن تقوم بالانقلاب ضده وهو محمد عمران, وفى لقاء بين عمران وعبد الناصر وعبد الحكيم عامر قربه عبد الناصر وأجلسه بينه وبين عامر وقامت علاقة حميمة بين الثلاثة أثارت حفيظة أمين الحافظ, فراح يستعين عليه باثنين هما صلاح جديد وحافظ الأسد وهما المنوط بهما الانقلاب ضد أمين الحافظ.

أصبحت قيادة المجموعة العسكرية فى جيش سورية بدلا من أن تكون فى يد محمد عمران أصبحت فى يد أمين الحافظ وصلاح جديد وحافظ الأسد, وكان أمين الحافظ ينتمى إلى القيادة القومية فى البعث, وصلاح جديد وحافظ الأسد ينتميان إلى القيادة القطرية, ومحمد عمران ينتمى إلى القيادة القومية, فكان الأولى أن بأمين الحافظ أن يتولف مع عمران ومنيف الرزاز وكل القيادة القومية ضد القيادة القطرية, ولو حدث هذا ولم تتحد القيادة القطرية علة القيادة القومية لما كان بوسع صلاح جديد أن يقيم حكم شيوعي فى سوريا ولا بوسع حافظ الأسد توأم الخيانة مع عبد الناصر والسادات أن يحقق لإسرائيل الاستيلاء على القنيطرة وعلى الجولان.

إن الهزيمة كانت مرتبطة بوجود الحكم الشيوعي أولا فى سوريا ثانيا بدور حافظ الأسد فى الحرب.

وزاد من غباء أمين الحافظ أنه لما اكتشف أن هناك صراعا خفيا فى الحقيقة بينه وبين القيادة القومية من ناحية وبين صلاح جديد وحافظ الأسد من ناحية أخرى, أنه لم يعيد محمد عمران كقائد للجيش, لكن عمران لم يستطع أن يفعل شيئا بعد التكتل الشيوعى العلوى الشديد.

وزاد من غباوة أمين الحافظ ان منيف الرزاز عرض عليه تعين أبرز وأهم أنصار محمد عمران العلويين وهم على مصطفى قائد كتيبة باللواء السبعيين الذى ساند معظم القيادة القومية, ولكن نتيجة للعقدة النفسية بين أمين الحافظ السنى والعلويين أصبح يعتبر جميع العلويين تقريبا أعداء شخصيين له, ورفض أن يقوم علوى - وأحد مؤيدي القيادة القومية والذى كان معارضا لعسكريين أمثال حاطوم وجديد وسويدان - بحشد وحداته العسكرية.

وعندما قام على مصطفى بذلك بناءا على اقتراح الرزاز أمر أمين الحافظ بإلغاء هذه الخطوة على الفور.

وهذه النقطة هى التى قسمت ظهر أمين الحافظ فقد أصبح مستحيلا اتخاذ الاجراءات الاحتياطية الضرورية لنقل أخطر معارض للقيادة القومية العسكرية, كما أصبح الطريق مفتوحا أمام أنصار صلاح جديد للقيام بانقلاب عسكرى ناجح.

كانت خطة الرزاز تقوم على أساس تجميع قوات علوية وسنية مع عمران وعلى مصطفى حول دمشق لتكون قريبة من الانقلاب بحيث كانت القوات السنية التى يعتمد عليها أمين الحافظ بعيدة عن دمشق بترتيب من جديد والاسد, وجمع جديد والأسد أنصارهما حول دمشق, وكانت خطة الرزازإفساد هذا التجميع وإحضار هذه القوات حول دمشق, وإبعاد القوات الموالية لجديد والأسد إلى خارج دمشق فينقلب الموقف لصالح القيادة القومية ضد القثيادة القطرية, ولكن عناد أمين الحافظ لم يمكنه من هذا الإجراء فأصبح نجاح انقلاب جديد مؤكدا.

تمت خديعة أمين الحافظ من قبل حافظ الأسد وصلاح جديد بأن انقلابهم ليس موجها ضده ولكن موجه ضد القوميين, وكان يشك الحافظ فى ولاء القوميين له كما يشك فى ولاء القيادة القطرية له, لأنه كقومى وكيميني مع القيادة القومية وكأحد قواد الجبهة العسكرية مع القيادة القطرية, فهناك عناصر تقربه من هذه الكتلة وعناصر تقربه من الكتلة الأخرى فوقف على الحياد, ولم يدري هو ذاته أنه المقصود بالانقلاب وأن عبد الناصر دبره ضده إلا بعد وقوع الانقلاب ولم يدري الغرض ولم يدري أن هذا الانقلاب الغرض منه الأساسي الإعداد للنكسة إلا بعد سماعه خبر النكسة وهو داخل السجن.

5-    كان صلاح جديد الغرض منه الحكم الشيوعي وقد أتى معه باثنين من السنة شيوعيين هما يوسف زعيم ونور الدين الأتاسى وأخر علوى كان وزيرا للخارجية هو إبراهيم ناخوس وكان الغرض من الحكومة الشيوعية ما يلى:

أ‌-       ما يدعى بالتحول الاشتراكي كما حدث فى مصر.

ب‌-   إضعاف العلاقات مع الغرب وتمكينها مع روسيا.

ت‌-   الانسحاب من مؤتمرات القمة .

ث‌-   تقسيم العالم العربي وهذا هو الأهم إلى قسمين: 1- رجعى متخلف تمثله السعودية والأردن. 2- ثورى تقدمى تمثله سوريا ومصر والجزائر. وأن وحدة الهدف قبل وحدة الصف, وأنه لا حرب مع إسرائيل إلا بعد بلوغ الثورة العربية نهايتها وتصفية النظم الرجعية فى البلدان العربية ومد حرب اليمن إلى السعودية والأردن وغيرها من الدول التى يقال عنها رجعية.

ج‌-    ضرب التضامن العربى فى الصميم فبعد أن كان وحدة الصف قبل وحدة الهدف أصبح الشعار وحدة الهدف قبل وحدة الصف, وبعد أن كان العرب يحاربون إسرائيل مجتمعين أصبحوا يحاربون بعضهم بعضا هذا ثورى تقدمى وهذا رجعى متخلف, وها أقصى ما تطلبه إسرائيل.

ح‌-    إشعال الصراع الطبقى داخل سوريا نفسها والسجون والمعتقلات والتصنت على البيوت ومصادرة الممتلكات وتأميم الشركات وإشعال الشارع السورى, فتمزق المجتمع من الداخل بالإضافة إلى تمزق التضامن العربى, ولذلك أبعد جمال عبد الناصر أمين الحافظ الداعية الأول إلى التضامن العربى ضد إسرائيل وللتخلص من وحدة الهدف قبل وحدة الصف, لأن إسرائيل هى مصدر القلق للعرب جميعا ثورين وغير ثورين وجاء صلاح جديد ليعكس النظرية.

هذا سر المجىء بانقلاب شيوعي فى هذا الوقت.

وفى سنة 1970 بعد انتهاء الحرب بثلاث سنوات انقلب حافظ الأسد على صلاح جديد ويوسف زعيم ونور الدين الأتاسى, وأعلن حكم عائلة أسرة الأسد, أما جديد والأتاسى فقد قضى كل منهما 23 سنة فى السجن, ويوسف زعيم أنقذه إصابته بمرض السرطان ففضلوا تركه يموت بمرضه فأفرجوا عنه, لكن المفاجأة أن الورم استأصل دون أثار متبقية.

أعلن الأسد أنه يميني ومع التضامن العربي وضد الشيوعية والاشتراكية, لأن الغرض من الشيوعية والاشتراكية قد انتهى.

6- كانت أهداف عبد الناصر من الشيوعية والاشتراكية متمثلة فى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى:

الاستيلاء على ممتلكات الطبقة الرأسمالية القديمة وتوزيعها كهبات على أنصاره وعلى نفسه وأولاده لتكوين طبقة جديدة من الرأسمالية, وبتأمين ومصادرة الأملاك وتحويل من يراد تمليكهم إلى حراس عليها ثم تصير ملكا لهم بعد فترة قليلة من الزمن, فهذه اشتراكية النهب.

المرحلة الثانية:

كانت مرحلة دولية لا تختص بعبد الناصر, وكانت أمريكا ورائء التخطيط لها لتحويل مساعدات روسيا عن الصين إلى الدول الاشتراكية الجديدة, فيقل النمو الاقتصادى فى الصين وتقوم ثورة اجتماعية ويسقط النظام الشيوعى بها, والذى حدث أن الثورة قامت بالفعل واستمرت عشر سنين وجهها ماوتس تونج إلى خصمه السياسين, وبعد وصول الصين إلى الحضيض سلمت أمريكا هدية لماوتس تونج وهى تصوير الفيالق الروسية وهى تهجم على الصين من كل جانب بالتعاون مع قائد الجيش ليمب ياو" لين بياو", وأمدته المخابرات الإسرائيلية بتفصيل المكاتبات بين قائد الجيش ليمب ياو والقادة الروس للانقلاب عليه, وأعلن وقتها سياسة الباب المفتوح والانفتاح على الغرب, وبدأمن هذه اللحظة انقسام العالم الشيوعى إلى قسمين , روسيا من ناحية والصين من ناحية أخرى, وكل منهما يطلب ود الغرب, وهذا أقصى نجاح حققته المخابرات الأمريكية.

وهكذا كانت الشيوعية وسيلة وليست غاية فى مصر, فعبد الناصر أمريكي وليس شيوعيا يحقق مطالبها وغيره من الرؤساء فى دول العا فقد أعلنه عبد الناصرلم الثالث بتخطيط أمريكي.

المرحلة الثالثة:

التحول الاشتراكى سنة 1964 بخطبته فى دمنهور سنة1966 بعد اعتقال افخوان واتهام الملك فيصل أنه وراء المؤامرة, وطلب من الفقراء الزحف على بيوت الأغنياء لتدميرها وسلب ممتلكاتهم ولايتركوا هذا للحكومة, وهذه قمة الفوضى وإثارة الحقد الطبقى, كما فعل صلاح جديد فى سوريا فى نفس الوقت, وهذا هو التخطيط للإعداد للنكسة, وكلف عبد الحكيم عامر برئاسة ما يسمى بلجنة تصفية الإقطاع, فأثارت الهلع والذعر فى قلوب المصريين جميعا, وكانت تدار من السجن الحربى بقيادة شمس بدران وحسن خليل والمباحث الجنائية العسكرية ووسائلها المعروفة التعرية ثم الكهرباء والكرابيك والكلاب, هذه وسائل التحقيق مع السائقين فى النقل العام وموظفى وزارة المالية, وغيرهم من الشركات التى يحولها عبد الناصر إلى لجنة تصفية الإقطاع, وغيرهم من الأغنياء ككمشيش وغيرها.

فعل عبد الناصر ما فعله صلاح جديد للتقرب من روسيا والابتعاد عن الغرب, وإعلان خروجه منه مؤتمر القمة العربية, وإعلان حربه على الرجعية متمثلة فى الملك فيصل والملك حسين, وإعلان الثورة العربية من اليمن إلى باقى الوطن العربي يرفع شعار وحدة الهدف قبل الصف, وهذه ضربة فى الصميم لتصفية التضامن العربي, وتصفية الإقطاع ضربة فى الصميم لتصفية التماسك الاجتماعى المصرى, وبهذا يكون قد أعد للنكسة كفعل صلاح جديد.

أما ضمان الهزيمة فهو إعطاء إسرائيل فرصة الضربة الأولى, وتحويل الجيش المصرى من الردع إلى الدفاع , رغم تخفيض الميزانية إلى الثلث فى هذا العام, وعدم إعداد خطوط الدفاع فى سيناء.

الخلاصة أن الإعداد للنكسة تم على خطوتين:

التحول الاشتراكى.

الخيانة الفعلية أثناء الحرب.