حافظ الأسد وسقوط القنيطرة وسقوط الجولان

حافظ الأسد وسقوط القنيطرة وسقوط الجولان

أسئلة حول الجولان

د.رياض معسعس

كلما طال أمد الثورة السورية، وعتا النظام القمعي واستكبر، كلما ازداد الشعب السوري عنادا وإصرارا على إسقاطه. لكل سلاحه، الدبابة تواجه الكلمة، وفوهة البندقية في الصدر العاري الأعزل، والشارع المنتفض في كل المدن السورية ينسج هتافاته وشعاراته ويطورها يوما بعد آخر. فبتنا نسمع آلاف الحناجر تغني ” يلا إرحل يا بشار”، ” وسوريا حرة حرة وبشار يطلع بره” وسواهما من الهتافات التي تميز الشعب السوري وثورته.

لكن ما يلفت الانتباه أن الأيام الأخيرة بتنا نسمع هتافا جديدا يعيد إلى الأذهان حقبة أبي بشار، حافظ الأسد. إذا راح السوريون يهتفون في كل شوارع المدن  السورية: ” باع الجولان إبن الحرام”. وإن دل هذا الهناف على شيء فإنما يدل على أن الشعب السوري بأكمله، وخاصة الجيل الجديد الذي ولد بعد فضيحة حرب 67، لم ينس هذا الحدث الذي كان علامة فاصلة في تاريخ العرب الحديث بشكل عام وسورية بشكل خاص.

فقضية هضبة الجولان السورية مازالت تثير الشكوك الكثيرة حول كيفية تخلي الجيش السوري عنها والانسحاب منها دون قتال، في الوقت الذي كان بإمكان هذا الجيش أن يدافع عن تراب الوطن،على أقل تقدير، وإن خسر الحرب فيخسرها بكرامة. هذا الجرح في كرامة السوري لم يندمل، ولن يندمل ما لم تظهر الحقيقة بكاملها، وتعود هضبة الجولان إلى أهلها.

وفي عودة سريعة إلى أجواء تلك الحقبة السوداء من تاريخ سورية يمكن أن نستعيد بعضا من مجريات أحداثها التي بشكل أو بآخر تجعل السؤال مفتوحا على مصراعيه حول قضية الجولان.

ففي الأشهر القليلة التي سبقت الخامس من حزيران كانت الحكومة السورية ( حكومة يوسف زعين ) قد دخلت في حالة من “المزايدة الوطنية” دون حساب العواقب، فكثرت الخطابات الحماسية، والتصريحات النارية التي تتوعد إسرائيل. حتى أن إحدى  الصحف الفرنسية علقت على ذلك بقولها بعد الحرب:” سورية يحكمها أطباء فلا بد أنها مريضة ” في إشارة إلى حكومة الأطباء ( نور ا لدين الأتاسي، يوسف زعين، إبراهيم ما خوس).

ففي كلمة لحافظ الأسد، وزير الدفاع آنذاك، قال فيها:” لا بد من اتخاذ حد أدنى من الإجراءات لتنفيذ ضربة تأديبية لإسرائيل لتركع ذليلة مدحورة وتعيش جوا من الرعب والخوف،.. إن الوقت قد حان لخوض معركة تحرير فلسطين.. والقوات السورية جاهزة لنسف الوجود الصهيوني، .. إن سلاح الطيران تطور وأصبحت لديه زيادة كبيرة في عدد الطائرات الأحدث في العالم”

يوسف زعين رئيس الوزراء آنذاك صرح بقوله” إن الظروف اليوم هي أفضل من أي وقت مضى لخوض المسيرة إلى فلسطين.. هي المسيرة إلى إسقاط الرجعية العربية والاستعمار، والصهيونية إلى الأبد”.

هذه المزايدات على نظام عبد الناصر الذي كان يناصب حزب البعث العداء بعد أن غدر به، كانت تهدف إلى توريطه في هذه الحرب غير المتكافئة، والتي كانت تعد مغامرة غير محسوبة العواقب. أو حسب قول أحدهم: لقد وضعوا قشرة موز في طريقه”.

لكن المتابعين للأحداث عن قرب والباحثين في تلافيف وأنفاق هذه الدوامة المرعبة والتي ما زالت ترسم إشارات استفهام كبيرة يقولون إن التصريحات والخطابات النارية لم تكن تتوافق والواقع. فالكثير من ضباط الجيش الكبار أبلغوا بتسريح أكثر من ألفي ضابط قبل شهر واحد من اندلاع هذه الحرب. وأن سلاح الطيران السوري كان مشلولا ولا يملك حتى طائرة واحدة توازي طائرات الميراج الاسرائيلية. وأن اللواء 70 الضارب والأفضل تجهيزا بقي في ضاحية دمشق لحماية النظام. فلماذا إذن يأخذ وزير الدفاع حافظ الأسد قرار الخوض في مثل هذه المغامرة، ويعطي للشعب السوري معلومات خاطئة تماما ولا تمت للواقع بصلة؟

في الخامس من حزيران استيقظ الشعب السوري على أخبار انكسار الجيش المصري بعد هجوم اسرائيلي كاسح على المطارات المصرية. وتبين من اللحظة الأولى أن الجيوش العربية منيت بهزيمة كبرىKورغم ذلك كانت إذاعة دمشق تبث بيانا تلو الآخر تؤكد فيه أن الجيش السوري كان يسقط الطائرات بالعشرات وأن الجيش السوري يلتحم ببسالة مع الجيش الإسرائيلي، في حين أن الجبهة السورية كانت هادئة تماما ولم تطلق طلقة واحدة بحسب شهادات كل الضباط الذين كانوا على الجبهة.

لكن هذه التصريحات الكاذبة لم تنطل على أحد بعد أن بات السوريون يشاهدون الطائرات الإسرائيلية تحلق في أجواء دمشق وكأنها في نزهة. فلماذا هذا الكذب على الشعب السوري الذي دفع الثمن غاليا لتسليح جيشه ليكون جاهزا للمعركة؟

لكن المفاجآت لم تنته بعد. ففي العاشر من حزيران وبعد أن اتضح سقوط الجبهة المصرية، والأردنية، تفاجأ الشعب السوري بالبلاغ رقم 66 الصادر عن وزير الدفاع حافظ الأسد والذي هذا نصه” إن القوات الإسرائيلية استولت على القنيطرة بعد قتال عنيف في منطقة القنيطرة ضمن ظروف غير متكافئة، وقد قذف العدو في المعركة بأعداد كبيرة من الدبابات واستولى على القنيطرة”

جاء هذا البلاغ قبل 48 ساعة من وصول أول جندي إسرائيلي إلى المدينة، وما هو مثير للدهشة في هذه القضية ان المندوب الإسرائيلي في الأمم المتحدة أكد أن شيئاً من كل ذلك لم يحصل. وأن الجيش الإسرائيلي لم يحتل القنيطرة عند إذاعة هذا التصريح.

أحد الضباط المقربين جدا من العائلة كان يحتل مركزا كبيرا في الجبهة السورية وجراء هذه الصدمة كان دائما يقول” من يعرف هضبة الجولان يتساءل بحيرة كبيرة كيف استطاع الجيش الاسرائيلي الوصول إلى أعلى الهضبة وهناك تقبع مدافعنا المسلطة عليه، فلو أن نسرا أراد الطيران من سفح الهضبة عند بحيرة طبريا ليصل إلى قمتها لأخذ استراحة مرتين في طريق الصعود”، ألم يصمد مقاومو حزب الله أكثر من شهر في وجه الجيش الإسرائيلي وهزموه وهم لا يملكون إمكانيات الجيش السوري عدة وعددا ولا هضبة كهضبة الجولان الاستراتيجية.

ما معنى أن يُرفَّع وزير دفاع ، سبّب لبلاده أشنع هزيمة عرفتها في تاريخها.. إلى رئيس للبلاد ، ويستمر في حكمها ثلاثين عاماً؟

و لماذا يصدر الأسد البلاغ المشؤوم قبل وصول القوات الإسرائيلية إلى القنيطرة بيومين؟

ولماذا يطلب الانسحاب الكيفي من الجيش؟

ولماذا يقول اللواء أحمد سويداني قائد الجيش السوري عندما سئل عن هذا البلاغ :” إنني كمسؤول عن الجيش لم استشر في البلاغ الذي أعلن سقوط القنيطرة، لقد سمعته من الإذاعة كغيري”.

أسئلة محيرة يطرحها كل ذي لب.

على أية حال، وزير الإعلام السابق المنشق عن النظام سامي الجندي دون في كتابه كسرة خبز: ” لم أُخفِ أبداً أن النظام في سورية يعد لهزيمة وليس لاسترداد فلسطين نعم .. نعم.. لم تكن هناك أية بادرة للنصر، ولا أعني أنه كان يعد لهزيمة نفسه وإنما لهزيمة العرب الآخرين ، كي يبقى الثوري الوحيد سيد المناخ الثوري العربي.. إن النظام الذي يقرع طبول الحرب وهو يعلم ضعف إعداد الجيش إنما يهدف من وراء ذلك إلى تسليم العدو جزءا من الأراضي السورية”.

الدكتور عبد الرحمن الأكتع وزير الصحة السوري آنذاك يقول: “كنت في جولة تفقدية في الجبهة وفي مدينة القنيطرة بالذات عند إذاعة بيان سقوط القنيطرة وظننت أن خطأً قد حدث فاتصلت بوزير الدفاع حافظ أسد وأخبرته أن القنيطرة لم تسقط ولم يقترب منها جندي واحد من العدو وأنا أتحدث من القنيطرة ودهشت حقاً حين راح وزير الدفاع يشتمني شتائم مقذعة ويهددني إن تحدثت بمثلها وتدخلت فيما لا يعنيني . فاعتذرت منه وعلمت أنها مؤامرة وعدت إلى دمشق في اليوم الثاني وقدمت استقالتي” .

ومعظم الذين تأخروا في تنفيذ أمر الانسحاب وتدمير الأسلحة أحيلوا إلى محاكم ميدانية نالوا فيها عقابا قاسيا وسرح الكثير من الضباط، واغتيل البعض الآخر، وهناك من هرب من سورية إلى دول عربية أخرى خوفا من الانتقام.

يوسف زعين الذي تم اعتقاله ثم الافراج عنه فيما بعد لإصابته بمرض السرطان قال:” لقد اشتغل الغرب على تأسيس حكم طائفي لأنه في وجود الحكم الطائفي لا يوجد  نهوض”.

ويشير إدوارد شيهان، مرافق وزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كيسنجر، في كتابه كيسنجر والإسرائيليين والعربن: “إن المخابرات الصهيونية كانت تتعمد عند عودة كيسنجر من دمشق إلى القدس أن تدهشه بإطلاعه على ما دار بينه وبين حافظ الأسد في دمشق كما تطلعه على مضمون الرسائل المتبادلة بين الأسد وبين الملوك والرؤساء العرب الآخرين. مع العلم أن أغلب اللقاءات كانت محكمة الإغلاق”

اليوم وبعد هذه الهزيمة وبقاء الجولان محتلا، بعد خمسة وأربعين عاما من احتلاله، وقرار اسرائيل بضمه في العام 1982 ، والمجازر التي ارتكبها حافظ الأسد بحق الشعب السوري في سجن تدمر في العام 1980 وحماه في العام 1982 ومجازر أخرى في أكثر من مدينة، وآلاف المعتقلين والمفقودين، يأتي الأسد الإبن ليفتح جبهة الجولان أمام مجموعة من المدنيين كي يغطي على ما يرتكب من مجازر بحق الشعب السوري في كل مدينة منتفضة. ولياتي رامي مخلوف ليصرح بالفم الملآن:” إن أمن إسرائيل من أمن سورية”…فكيف يمكن للشعب السوري الوثوق بهكذا نظام، ألم يكن هذا الشعب المسحوق من قبل نظام يحكمه بالحديد والنار منذ زهاء نصف قرن محقا في جميع هتافاته؟

المصدر: موقع الدولية