الطريق إلى النكسة فى مصر

الطريق إلى النكسة فى مصر

جاء فى كتاب الحكومة الخفية فى عهد عبد الناصر وأسرار مسرع المشير عامر ص14:

"وساق القدر فى النهاية الفرصة التى كان يتحينها عبد الناصر للخلاص من عبد الحكيم عامر والقضاء على نفوذه وتصفية أعوانه عن بكرة أبيهم ولكنها كانت فرصة أليمة ضاعت فيها فوق رمال سيناء المحرقة كرامة مصر وعزتها وكبرياؤها وامتهن فيها شرف جيشها العظيم ذى التاريخ الحافل بالمفاخر والأمجاد وشهد الشعب المصرى خلال مأساة يونيو عام 1967 كابوسا مروعا حينما عرف إن القوات الإسرائيلية قد وصلت إلى الشاطىء الشرقى لقناة السويس, وعندما علم أن آلته الحربية الجبارة التى أنفق عليها بلايين الجنيهات من عرقه ودمائه طوال تلك السنةات قد أصبحت فى بضع ساعات هشيما تذروه الرياح."

جاء فى كتاب  تحطيم الآلهة قصة حرب يونيو 1967 ص17-32.

" في أعقاب هزيمة يونيو 1967 , وفي جو الصدمة والذهول والألم الممض , كنت استمع إلى إذاعة لندن , بحثا عن الأنباء والتحليلات , حين استمعت الى إجابة عن سؤال يقول : ما هو مدى مسئولية جمال عبد الناصر عن هزيمة الجيش المصري في حرب الأيام الستة ؟ . وكانت الإجابة التي قدمها أحد العلماء المختصين , هي أن مسئولية عبد الناصر تنحصر في إطار المسئولية السياسية وحدها , لأنه على الرغم من كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة , إلا أن من الناحية العملية لا يقود الجيش , وإنما يقود الجيش قائد عام القوات المسلحة تقع عليه مسئولية الهزيمة أو النصر .

وقد تذكرت على الفور أزمة الجيش ي عام 1937 بين حكومة الوفد برياسة مصطفى النحاس وبين الملك فاروق . فقد عمدت حكومة الوفد في أعقاب معاهدة 1936 الى تجميع السلطة في يد الأمة , وسلب الملك أية سلطة لا يبيحها له دستور 1923 , ولما كانت صيغة يمين الجيش قد وضعت قبل الدستور , وكانت تخلو بالتالي من أية إشارة إليه , حيث كانت تتضمن حلف الضابط بأن يكون " خادما مخلصا أمينا " للملك , " مطيعا " لأوامره الكريمة – فقد رأت تعديل هذه اليمين بإدخال الدستور عليه , وحذف العبارة المذكورة , وجعلت " الإخلاص " للوطن والملك , و " الطاعة " للدستور وقوانين الأمة المصرية , وبذاك جعلت الجيش في خدمة حقوق الشعب لا حقوق العرش .

وكانت وجهة نظر حكومة الوفد أنه على الرغم من أن حق قيادة قوات الدولة هو بطبيعته من اختصاص رئيس السلطة التنفيذية , ما دام هو المكلف باستتاب النظام والأمن في الداخل , والمحافظة على استقلال الوطن وسلامة أراضيه في الداخل والخارج . وبالرغم من أن الدستور ينص على أن " الملك هو القائد الأعلى للقوات البرية والبحرية " , إلا أن استعمال حق قيادة الجيش على هذا الوجه , أي قيام الملك بقيادة الجيش بنفسه , وإصدار الأوامر اليه , ووضع خطط الدفاع والهجوم , كان أمراً غير مستطاع في عصر الحروب الحديثة التي تتطلب اختصاصا في فن الحرب , وأن بعض الدول مثل فرنسا في الحرب العالمية الأولى , قد تنحى رؤساؤها عن استعمال هذا الحق , ليس فقط من الناحية الفعلية , بل ومن الناحية الشكلية أيضا . فبعد أن كانت الحكومة تصدر الأوامر للجيش باسم رئيس الجمهورية . ما لبثت أن تنحت عن هذا الجانب الشكلي من القيادة , وتركن إصدار الأوامر كلية لقائد عام الجيش .

حدثت هذه الأزمة في عام 1937 , وهي تصور من أحد جوانبها مسئولية رئيس الدولة عن قيادة الجيوش في أثناء الحرب . وبالتالي مسئوليته عن الهزيمة أو النصر .

فهل يصلح هذا الأنموذج لتحديد مسئولية جمال عبد الناصر عن هزيمة يونيو 1967 ؟ .. في الواقع أن المسألة في عام 1967 كانت أعقد بكثير من هذا الأنموذج ومن النماذج التي سبقت عن الحرب العالمية الأولى . فكلها قد استقيت من نظم كانت تنتهج النظام الليبرالي الذي يلقى مسئولية الحكم كلية على عاتق الحكومة المنتخبة بإرادة الشعب , ويرفع هذه المسئولية عن عاتق رئيس الدولة . ولم يكن الأمر كذلك في النظام المصري الذي أرسته ثورة 23 يوليو , والذي كان قد تعرض لتطورات كثيرة عندما وقعت حرب يونيه 1967 .

فمنذ أن نجحت الثورة في طرد الملك فاروق في 26 يوليو 1952 سقطت السلطة في يد تنظيمين : الأول : تنظيم الضباط الأحرار , الذي أنشأه عبد الناصر في بدالية 1950 , والذي قامت على أكتافه الثورة , ولم يكن يزيد عدد أفراده عن مائة ضابط , والثاني , مجلس قيادة الثورة , المنبثق عن تنظيم الضباط الأحرار .

ولم تكن قد استقرت بعد سلطة الفرد في يد أحد , لا في يد محمد نجيب , القائد الذي أختاره تنظيم الضباط الأحرار لتصدر الثورة , ولا في يد جمال عبد الناصر , الرئيس الفعلي للهيئة التأسيسية للضباط الأحرار . فمن ناحية كانت القرارات تتخذ داخل مجلس قيادة الثورة بالأغلبية . ومن ناحية أخرى , كان تنظيم الضباط الأحرار يمثل بالنسبة لمجلس قيادة الثورة أداة حساب ومراقبة . فكان عبد الناصر يعقد له الاجتماعات دوريا في البداية للاستماع لأراء الضباط , حتى اعتبره البعض بمثابة برلمان صغير لمجلس قيادة الثورة .

على أن الأمور أخذت تسير في طريق رفع رقابة هذا البرلمان الصغير . فقد أخذت الاجتماعات التي تعقد له تتباعد تدريجيا , حتى صدرت الأوامر بإيقافها تماما , فتوقفت . ثم لم تلبث أن وجهت إليه ضربتان متتاليتان : الأولى , فى يناير 1953 حين استقر الرأي بين ضباط المدفعية عل أن حل مشكلة استئثار مجلس قيادة الثورة بالسلطة يتمثل في ضرورة أن يكون تمثيل الجيش في مجلس قيادة الثورة بالانتخاب . فكانت نتيجة هذا الرأي اعتقال 35 ضابطا من ضباط المدفعية , ومحاكمة قائدهم البكباشي حسني الدمنهوري أمام محكمة من مجلس قيادة الثورة برياسة عبد الناصر , لم يحضرها خالد محيى الدين ولا يوسف صديق أو أنور السادات , وأصدرت حكمها عليه بالإعدام .

كما تم الحكم بالسجن المؤبد على رشاد مهنا وسجن تسعة من الضباط بمدد مختلفة.

أما الضربة الثانية, فقد وجهت الى سلاح الفرسان بعد عام واحد , أي في فبراير – مارس 1954 . ففي تلك الأثناء تصاعدت المقاومة ضد الحكم العسكري في مصر تحت قيادة الوفد والإخوان المسلمين والشيوعين , وتفاقم الخلاف داخل مجلس قيادة الثورة بين محمد نجيب وبقية الضباط , فقدم محمد نجيب استقالته المشهورة في 23 فبراير 1954 , التي فجرت قضية الديمقراطية , وقد اجتمع ضباط الفرسان واتخذوا قرارا يطالب بعودة رئيس الجمهورية محمد نجيب , كرئيس بلا سلطات لجمهورية برلمانية , ولكن وقفت بقية الأسلحة الأخرى في الجيش ضد هذا القرار وطالبت ببقاء الثورة , وقاومت سلاح الفرسان بقوة السلاح . ووجد خالد محيى الدين نفسه يواجه بالاعتداء والتهديد والاعتقال , ثم تم استبعاده من السلاح بعد استقرار الأمر في يد مجلس الثورة في أحداث 25-29 مارس 1954 وأعقب ذلك إخماد حركة انقلاب من جانب السلاح في 24 ابريل , وتم اعتقال جميع الضباط الذين كانوا قد طالبوا في فبراير بعودة محمد نجيب , وتمت محاكمتهم أمام محكمة ثورية , وصدرت ضدهم أحكام بالسجن مددا مختلفة .

وعلى هذا النحو تمت تصفية تنظيم الضباط الأحرار كأداة رقابة ومحاسبة , ورؤى تعويض أعضائه بالوظائف في شتى المجالات الحكومية والإدارية , وانفرد مجلس قيادة الثورة بالسلطة في غياب أية سلطة شعبية برلمانية .

وقد حمل عبء المقاومة الشعبية في ذلك الحين جماعة الأخوان المسلمين , التي كانت هي التنظيم السياسي الوحيد الذي نجا من التصفية في أزمة مارس 1954 . وبلغت هذه المقاومة ذروتها حين عقد عبد الناصر اتفاقية الجلاء مع بريطانيا في 19 أكتوبر 1955 , وفيها حق القوات البريطانية في العودة الى مصر في حالة وقوع هجوم مسلح على أي بلد يكون طرفا في معاهدة الدفاع المشترك بين دول الجامعة العربية أو تركيا – فقد أعلنت الجماعة معارضتها لهذا الاتفاق , وتم تدبير حادث اغتيال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية في 26 أكتوبر من جانب التنظيم السري . وأعقبت هذه المحاولة تصفية واسعة النطاق للجماعة , تخلصا من خطرها .

ولم تلبث خيوط السلطة في مجلس قيادة الثورة أن أخذت تتجمع تدريجيا في يد جمال عبد الناصر , بحكم رئاسته لمجلس الوزراء وسيطرته على شئون الحكم , مما أثار ضده تحالفا من عبد اللطيف البغدادي وحسن إبراهيم وجمال سالم وصلاح سالم . وكانت وجهة نظر عبد اللطيف البغدادي أنه (( يجب علينا أن نخرج بكرامتنا , وأن نعمل على إضعاف جمال عبد الناصر , لأن غروره بقوته سيضر هذه البلاد في المستقبل , ولا بد  أن يشعر بأن هناك قوى أخرى تناوئه حتى لا يشتط في تصرفاته )) .  

على أن انتهاء فترة الانتقال نقلت السلطة الى مستوى جديد . وكانت فترة الانتقال هذه قد أعلنت في 16 يناير 1953 بمرسوم قضى بحل الأحزاب , وقيام فترة انتقال لمدة ثلاث سنوات . وقد انتهت هذه الفترة في يناير 1956 , وأعلن عبد الناصر يوم 16 منه قواعد الدستور الجديد , الذي جعل الجمهورية المصرية لا هي جمهورية رئاسية ولا هي برلمانية ليبرالية , ولكنها خليط من الاثنين . ووضع في يد رئيس الجمهورية , بوصفه رئيس السلطة التنفيذية , سلطات واسعة بغرض ضمان السيطرة . وقضى بتعيين قائد الثورة , أي جمال عبد الناصر , رئيسا للجمهورية في الفترة الأولى لضمان استمرار النظام والثورة . ثم جرى الاستفتاء على الدستور المقترح وعلى رئاسة عبد الناصر في 25 يونيو 1956 , وكان هو المرشح الوحيد ولم يسمح لغيره بالترشيح , فانتخب بأغلبية 99.9 في المائة ( وهي النسبة التي ظلت بعد ذلك مثلا يحتذى !) وأصبح رئيس الجمهورية الشرعي المنتخب .

ومنذ ذلك الحين انتهت سلطة مجلس قيادة الثورة من الناحية الشرعية , ولكنه لم يختف من الحياة السياسية . فقد عين عبد الناصر خمسة من أعضائه , هم : عبد اللطيف البغدادي وزكريا محيى الدين وحسين الشافعي وعبد الحكيم عامر وكمال الدين حسين , كأعضاء في الوزارة الجديدة التي ألفها يوم 26 يونيو . وأعطوا أسبقية على الوزراء المدنيين السابقين في التعيين . فكان ذلك تأكيدا لسلطة الحكم العسكري على الحكم المدني .

وجاءت حرب السويس في 29 أكتوبر 1956 لتبرز دور الجيش . ودور عبد الحكيم عامر بالذات . ومن الغريب أن ذلك لم يحدث بسبب أداء الجيش مهامه على الوجه الأكمل , بل بسبب الأخطاء التي ارتكبتها قياداته أثناء المعركة , والتي كان المفروض أن يحاسب عليها عبد الحكيم عامر عسكريا .  فقد عاب " عبد الناصر على قيادات الجيش وعلى عبد الحكيم عامر روح الاستسلام التي كانت قد انتابتهم , والشلل الذي حدث لهم بعد دخول الانجليز والفرنسيين المعركة , وعدم إطاعة الجيش لأوامره رغم تكرار الاتصال بهم " وأعلن ضباط القوات الجوية في أحاديثهم أنهم فقدوا الثقة في قياداتهم نتيجة للأخطاء التي حدثت . وطلب عبد الناصر نقل صدقي محمود رئيس هيئة أركان حرب القوات الجوية الى منصب وكيل وزارة الحربية لشئون الطيران  كما تقرر عزل قادة القوات البرية والبحرية والجوية . ولكن عبد الحكيم عامر رفض , وعرض استقالته . وفي الوقت نفسه كان يضغط على عبد الناصر بشعبيته لدى ضباط الجيش . ففي يوم تسليم قلادة النيل لأعضاء مجلس قيادة الثورة في حفل نادي الضباط في الزمالك , كان عبد الحكيم عامر هو الوحيد الذي وقف بعد أن تسلم القلادة , ورفعها نحو الضباط , فأخذوا يصفقون له . لذلك رفض عبد الناصر استقالته , " لأن عبد الحكيم محبوب من الشعب والجيش"! .

المصدر: 
الموقع