من أحكام الإحرام والتحلل بالحج والعمرة

(وأتموا الحج والعمرة لله - فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي - ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله . فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك . فإذا أمنتم:فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر تستهدفه . ومجيء الاستدراكات على كل حكم قبل الانتقال إلى الحكم التالي . . ثم ربط هذا كله في من الهدي . فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم - تلك عشرة كاملة . ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب). .

وأول ما يلاحظ في بناء الآية هو تلك الدقة التعبيرية في معرض التشريع , وتقسيم الفقرات في الآية لتستقل كل فقرة ببيان الحكم الذي النهاية بالتقوى ومخافة الله . .

والفقرة الأولى في الآية تتضمن الأمر بإتمام أعمال الحج والعمرة إطلاقا متى بدأ الحاج أو المعتمر فأهل بعمرة أو بحج أو بهما معا ; وتجريد التوجه بهما لله:

(وأتموا الحج والعمرة لله). .

وقد فهم بعض المفسرين من هذا الأمر أنه إنشاء لفريضة الحج . وفهم بعضهم أنه الأمر بإتمامه متى بدىء - وهذا هو الأظهر - فالعمرة ليست فريضة عند الجميع ومع هذا ورد الأمر هنا بإتمامها كالحج . مما يدل على أن المقصود هو الأمر بالإتمام لا إنشاء الفريضة بهذا النص . ويؤخذ من هذا الأمر كذلك أن العمرة - ولو أنها ابتداء ليست واجبة - إلا أنه متى أهل بها المعتمر فإن اتمامها يصبح واجبا . والعمرة كالحج في شعائرها ما عدا الوقوف بعرفة . والأشهر أنها تؤدي على مدار العام . وليست موقوتة بأشهر معلومات كالحج .

ويستدرك من هذا الأمر العام بإتمام الحج والعمرة حالة الإحصار . من عدو يمنع الحاج والمعتمر من إكمال الشعائر - وهذا متفق عليه - أو من مرض ونحوه يمنع من إتمام أعمال الحج والعمرة - واختلفوا في تفسير الإحصار بالمرض والراجح صحته -:

)فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي). .

وفي هذه الحالة ينحر الحاج أو المعتمر ما تيسر له من الهدي ويحل من إحرامه في موضعه الذي بلغه . ولو كان لم يصل بعد إلى المسجد الحرام ولم يفعل من شعائر الحج والعمرة إلا الإحرام عند الميقات [ وهو المكان الذي يهل منه الحاج أو المعتمر بالحج أو العمرة أو بهما معا , ويترك لبس المخيط من الثياب , ويحرم عليه حلق شعره أو تقصيره أو قص أظافره كما يحرم عليه صيد البر وأكله . . . ]

وهذا ما حدث في الحديبية عندما حال المشركون بين النبي [ ص ] ومن معه من المسلمين دون الوصول إلى المسجد الحرام , سنة ست من الهجرة , ثم عقدوا معه صلح الحديبية , على أن يعتمر في العام القادم . فقد ورد أن هذه الآية نزلت ; وأن رسول الله [ ص ] أمر المسلمين الذين معه أن ينحروا في الموضع الذي بلغوا إليه ويحلوا من إحرامهم فتلبثوا في تنفيذ الأمر , وشق على نفوسهم أن يحلوا قبل أن يبلغ الهدي محله - أي مكانه الذي ينحر فيه عادة - حتى نحر النبي [ ص ] هديه أمامهم وأحل من إحرامه . . ففعلوا . .

وما استيسر من الهدي , أي ما تيسر , والهدي من النعم , وهي الإبل والبقر والغنم والمعز , ويجوز أن يشترك عدد من الحجاج في بدنة أي ناقة أو بقرة , كما اشترك كل سبعة في بدنة في عمرة الحديبية , فيكون هذا هو ما استيسر ; ويجوز أن يهدي الواحد واحدة من الضأن أو المعز فتجزيء .

والحكمة من هذا الاستدراك في حالة الإحصار بالعدو كما وقع في عام الحديبية , أو الإحصار بالمرض , هي التيسير , فالغرض الأول من الشعائر هو استجاشة مشاعر التقوى والقرب من الله , والقيام بالطاعات المفروضة . فإذا تم هذا , ثم وقف العدو أو المرض أو ما يشبهه في الطريق فلا يحرم الحاج أو المعتمر أجر حجته أو عمرته . ويعتبر كأنه قد أتم . فينحر ما معه من الهدى ويحل . وهذا التيسير هو الذي يتفق مع روح الإسلام وغاية الشعائر وهدف العبادة

وبعد هذا الاستدراك من الأمر الأول العام , يعود السياق فينشىء حكما جديدا عاما من أحكام الحج والعمرة .

(ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله). .

وهذا في حالة الإتمام وعدم وجود الإحصار . فلا يجوز حلق الرؤوس - وهو إشارة إلى الإحلال من الإحرام بالحج أو العمرة أو منهما معا - إلا بعد أن يبلغ الهدي محله . وهو مكان نحره . بعد الوقوف بعرفة , والإفاضة منها . والنحر يكون في منى في اليوم العاشر من ذي الحجة , وعندئذ يحل المحرم . أما قبل بلوغ الهدي محله فلا حلق ولا تقصير ولا إحلال .

واستدراكا من هذا الحكم العام يجيء هذا الاستثناء:

(فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك). .

ففي حالة ما إذا كان هناك مرض يقتضي حلق الرأس , أو كان به أذى من الهوام التي تتكون في الشعر حين يطول ولا يمشط , فالإسلام دين اليسر والواقع يبيح للمحرم أن يحلق شعره , - قبل أن يبلغ الهدي الذي ساقه عند الإحرام محله , وقبل أن يكمل أفعال الحج - وذلك في مقابل فدية:صيام ثلاثة أيام , أو صدقة بإطعام ستة مساكين , أو ذبح شاة والتصدق بها . وهذا التحديد لحديث النبي [ ص ] قال البخاري - بإسناده إلى كعب بن عجرة - قال:حملت إلى النبي [ ص ] والقمل يتناثر على وجهي . فقال:" ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا . أما تجد شاة ? قلت:لا . قال:صم ثلاثة أيام , أو أطعم ستة مساكين , لكل مسكين نصف صاع من طعام , وأحلق رأسك " . .

ثم يعود إلى حكم جديد عام في الحج والعمرة:

(فإذا أمنتم , فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي). .

أي فإذا لم تحصروا , وتمكنتم من أداء الشعائر , فمن أراد التمتع بالعمرة إلى الحج فلينحر ما استيسر من الهدي . . وتفصيل هذا الحكم:أن المسلم قد يخرج للعمرة فيهل محرما عند الميقات . حتى إذا فرغ من العمرة - وهي تتم بالطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة - أحرم للحج وانتظر أيامه . وهذا إذا كان في أشهر الحج , وهي شوال وذو القعدة والعشرة الأولى من ذي الحجة . . هذه صورة من صور التمتع بالحج إلى العمرة . والصورة الثانية هي أن يحرم من الميقات بعمرة وحج معا . فإذا قضى مناسك العمرة انتظر حتى يأتي موعد الحج . وهذه هي الصورة الثانية للتمتع - وفي أي من الحالتين على المعتمر المتمتع أن ينحر ما استيسر من الهدي بعد العمرة ليحل منها ; ويتمتع بالإحلال ما بين قضائه للعمرة وقضائه للحج . وما استيسر يشملالمستطاع من الأنعام سواء الإبل والبقر أو الغنم والمعز .

فإذا لم يجد ما استيسر من الهدي فهناك فدية:

(فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم . تلك عشرة كاملة). .

والأولى أن يصوم الأيام الثلاثة الأولى قبل الوقوف بعرفة في اليوم التاسع من ذي الحجة . أما الأيام السبعة الباقية فيصومها بعد عودته من الحج إلى بلده . . (تلك عشرة كاملة). . ينص عليها نصا للتوكيد وزيادة البيان . . ولعل حكمة الهدي أو الصوم هي استمرار صلة القلب بالله , فيما بين العمرة والحج , فلا يكون الإحلال بينهما مخرجا للشعور عن جو الحج , وجو الرقابة , وجو التحرج الذي يلازم القلوب في هذه الفريضة . .

ولما كان أهل الحرم عماره المقيمين فيه لا عمرة لهم . . إنما هو الحج وحده . . لم يكن لهم تمتع , ولا إحلال بين العمرة والحج . ومن ثم فليس عليهم فدية ولا صوم بطبيعة الحال:

(ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام). .

وعند هذا المقطع من بيان أحكام الحج والعمرة يقف السياق ليعقب تعقيبا قرآنيا , يشد به القلوب إلى الله وتقواه:

)واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب). .

وهذه الأحكام ضمان القيام بها هو هذه التقوى , وهي مخافة الله , وخشية عقابه . والإحرام بصاحبه تحرج . فإذا أباح لهم الإحلال فترة أقام تقوى الله وخشيته في الضمير , تستجيش فيه هذا الترج , وتقوم بالحراسة في انتباه !

بقلم: 
فى ظلال القران
المصدر: 
فى ظلال القران