حصاد الهشيم : تحليل عام لعصر مبارك

يعد عهد مبارك من أظلم عهود الحكم الديكتاتورى فى مصر فقد اعتمد هذا النظام على اربع سياسات مترابطة نتج عنها إنهيار تام للبنية الإقتصادية والأخلاقية فى المجتمع

 

أولها الإنفتاح على الإقتصاد الليبرالى الجديد

 

الذىزاد من اندماج الأ قتصاد المصرى بصورة غير متكافئة فى الاقتصاد الرأسمالى

العالمى مما أدى الى موجات من الإفقار متتالية وتحول الشعب المصرى الى أجير بائس يصب بعمله وجهده لصالح شركات عالمية ومجموعة من الرأسماليين المصريين ، لقد دخلت مصر حلبة الراسمالية مع عصر السادات لكن هذا الدخول فى بدايته أقتصر على تحرير التجارة وتيسير دور أكبر للرأسمال الخاص سواء كان الخاص أو الأجنبى وبقيت سيطرة الدولة سارية على القطاع العام وفى التسعينات من حكم مبارك وتحديدا فى 1991 شرع النظام فى تطبيق برنامج التكيف الهيكلى بمشاورة صندوق النقد الدولى والذى تضمن التراجع عن تشريعات سابقة كانت تحمى الفلاحين والعمال فتم تحرير سعر المنتجات الزراعية ورفع الدعم عن البذوروالأسمدة والالات وفى عام 1992 صدر قانون الايجارات وسمح بإخلاء المزارعين ممن ظلوا اجيالا يعتاشون على هذه الارض وذلك لصالح الطبقة الأرستقراطية القديمة وفى عام1996بدأ برنامج الخصخصة ومن اجمالى 314 شركة بيع 200 شركة قطاع عام صناعية وخدمية ونتيجة لذلك انخفض عدد العاملين الى النصف

50 % وانتقل 20 % من القطاع البنكى العام الى القطاع الخاص وكانت النتيجة تدهور ظروف العمل وارتفاع سريع فى معدلات البطالة ومزيد من إفقار قطاعات أوسع من المصريين ، وصاحب كل ذلك تراكم الثراء بين كبار الضباط والمسؤلين ممن باعوا واشتروا وضاربوا طوال تلك الفترة واصبح متاحا لأصحاب الملايين وهم ممن يملكون العلاقات والنفوذ أن يشتروا الأصول المملوكة للدولة بنسبة ضئيلة من قيمتها السوقية فحقق هولاء ارباحا هائلة وإتسعت الفجوة المتسعة أصلا بين القلة المالكة والغالبية المكافحة من أجل رغيف الخبز ، وقد تربح جراء ذلك كثير من المسؤلين عبر الرشوة التى ساعدت فى النهب المنظم لأموال الدولة وفى عام 2004 شكل مبارك حكومة رجال اعمال من غلاة الليبراليين ذوى التعليم البريطانى وبفضلهم أصبحت مصر جميعها مطروحة للبيع حتى الصحراء وخفضت

الحكومة الضرائب على الدخول فتساوى اصحاب البلايين مع صغار اصحاب المحلات وتساوى الجميع فى20% ، أما الرشوة والسرقة من ميزانيات الدولة فقد كانت قضية مفروغ منها المهم ان يتم تسوية كل شئ على الورق فى النهاية واصبح الحزب الوطنى سلما للنهب بكافة صوره بحيث تم تصنيف الحكومة المصرية فى نهاية الأمر فى إطار حكومات اللصوص أو( الحرمية)

 

وأصبحت نسبة من يعيشون تحت خط الفقر او عنده 44% أما من عانوا الفقر المدقع ف 20%

 

.............................

 

ثانيا : تكريس التبعية لخدمة الامبريالية الامريكية

منذ اتفاقية السلام مع الكيان الصهيونى فى عام 1979 أصبح التحالف المصرى الأمريكى حقيقة واقعة وتحولت مصر الى تابع مخلص لتنفيذ السياسات الامريكية فى المنطقة وعلى بشاعة تلك السياسات فإن نظام مبارك لم يتردد فى تنفيذها فمن الحرب الاسرائيلية على لبنان ومذابح صبرا وشاتيلا 1982 الى مجزرة غزة 2008ـ 2009 ظل النظام المصرى يعمل فى تبعية مهينة وخيانة فاجرة مصعرا خده للناس ، بلا ذرة من حياء

فى حرب الخليج الاولى والثانية فتح النظام المصرى قناة السويس أمام السفن الحربية الأمريكية لتدمير العراق وحاول إضفاء الشرعية على الحكومات العميلة

التى تعاقبت على العراق الى اليوم وفى حرب لبنان 2006 دعم حسنى مبارك

العدوان الصهيونى مستغلا التوترات الطائفية بين السنة والشيعة وأما دوره فى دعم عدوان اسرائيل على غزة فى 20080ـ 2009 فقد كان مكشوفا جدا ، حتى لرجل الشارع العادى ف ليفنى اطلقت شرارة العدون من القاهرة ، وكان عمر سليمانمنسق العمل مع اسرائيل فى مجزرة راح ضحيتها قرابة الفى فلسطينى وأعقبت خرابا هائلا

وكان الحصار على القطاع ورقة لتكسير عظام الفلسطينيين وتركيع لحركة حماس وعربون صداقة لحاخات تل ابيب وظل 1،5 مليون فلسطينى يعيشون

فى معاناة دائمة ويعتاشون على لكفاف ويتسولون من الانروا وغيرها رغيف الخبز للأطفال والنساء ثم جاءت الحرب ومارس النظام صمتا قاتلا وتأييدا صامتا لآلة الحرب الاسرائيلية التى هرست وعجنت دماء غزة بترابها وأخذ ت اسرائيل فرصتها كاملة غير منقوصة فى تدمير غزة وسحقها برا وبحرا وجوا وفى الوقت الذى كان يصرخ فيه الأطفال الفلسطينيون كان نظام مبارك يستحث الاسرائيلين لأنها عملهم بسرعة

 

*******************

 

مقابل الخيانة

.....................

مقابل كل ذلك حصل مبارك على دعم سخى من الإدارات الامريكية المتعاقبة حتى

انه كاد أن يتساوى مع اسرائيل فى الدعم الأمريكى فقد قارب (2مليار) دولار سنويا

ويشير أحد التقارير المقدمة للكونجرس فى سبتمبر 2009 أن الولايات المتحدة دعمت النظام المصرى بما يتجاوز 64 مليار دولار منذ توقيع معاهدة السلام مع اسرائيل وكوفئ النظام بإعفائه من دين قدره 7 مليارات دولار فى 1991 وذلك مقابل دعم العدوان الامريكى فى الخليج ، وكان حسنىمبارك يهدف من وراء ذلك

الى تثبيت الدعم لنظام حكمه وتمهيدا لمسألة التوريث

 

************

 

الخدمات القذرة

......................

لم يكن من المستغرب بعد كل هذا أن يؤدى مبارك ورجاله دورا من أقذر و أبشع الأدوار فى تاريخه السئ فقد دعم برنامج الولايات المتحدة الخاص باستخدام الخبرة الخارجية بالتعذيب من خلال ما عرف باسم سياسة ( التسليم الإستثنائى) وفى عام 2005 نشرت البى بى سى أن كلا من الولايات المتحدة وبريطانيا أرسلت ارهابيين

مشتبه فيهم للإعتقال فى مصر لأن قوانين هذه الدول لا تسمح بالتعذيب فكانوا يلجئون لنظام حسنى مبارك الذى أشتهر عالميا بالتعذيب والقمع وهو يأتى فى صدارة الدول المعروفة بذلك وكان الصعق بالكهرباء وانتهاك الأعراض وزرع العصى فى مؤخرات المعتقلين بل وحتى المحتجزين فى القضايا العادية حقيقة معروفة للجميع

 

******************

 

ثالثا : ترسيخ الدولة البوليسة المتوحشة لسحق المعارضة الحقيقية

 

تضخم فى مصر دور رجال الشرطة والأجهزة الأمنية المختلفة وتضخم الحجم ايضا

أصبحت مصر تسير بالعصاة دون أى جزرة وكانت كل الرؤوس فى مصر تسير منحنية أمام قسوة رجال الأمن ، حتى أكتسب المصريون قاعدة ( المشى جنب الحيط) و كانت ومازالت ثقافة رجال الشرطة تعتمد على القسوة والوحشية فى تعاملها مع المواطنين بحيث كان الدخول الى قسم الشرطة يمثل مخاطرة لأنك تعرض نفسك لشخص يرى أنه فوق القانون وانه (السيد) وانت (الحثالة) التى لا يمكن أن تشغل رأس سيدها وكانت هذه الثقافة كفيلة بجر المجتمع الى العبودية الظاهرة ، وكان على المصرى أن يطأطئ الرأس ويبكى ويتضرع كلما وضعته الظروف أمام ضابط الشرطة ، ويكفى ان نعلم أن جهاز الشرطة تضخم تضخما رهيبا فى الأفراد والعتاد والميزانية ليتفوق على عدد وميزانية الجيش المصرى نفسه ، كأن مبارك كان يرى أن العدو فى الداخل ، أن بناء هذا الجهاز العملاق كان الهدف منه منع أى معارضة كانت دينية أو علمانية ، وأن كانوا يعتبرون الاتجاه الدينى هو الحصان الجامح الذى يجب قمعه ، لم تكن دولة حسنى مبارك تؤمن إلا بالحل الأمنى ، او بألاحرى الحل القمعى ، وكانت ثقتها فى قدرة جهازها الأمنى تفوق الحدود وكانت تصريحات حبيب العادلى وزير الداخلية وابو الغيط وزيرالخارجية قبل ثورة يناير وبعد احداث تونس فى قمة العنجهية والإعتداد بالنفس

ورفض فكرة انتقال الثورة الى مصر أنه حال من يتحدث عن يقين المتجبر القاهر

ومن وجه اخر كان هذا الجهاز الضخم يحمى الفساد وكان هونفسه قلعة من قلاع الفساد والرشوة والمحسوبية فلم يكن من الممكن أن تدخل قسم شرطة دون ان ( تدفع)

وعليك أن تدفع ما يرضى أمين الشرطة أو المجند أو الخفير هذا على المستوى الأدنى أما على المستوى الأعلى فإن دخول كلية الشرطة نفسها كان يشترط فيها

الرشوة التى تصل الى 500 الف جنيه وكانت هذه هى التسعيرة المعروفة لهذه الكلية أما النيابة فقد كانت لها تسعيرة أيضا وهذا ينبئك عن حال القضاء المصرى

الذى يتبجح بنزاهته المتبجحون وخلف التسعيرات توجد المحسوبيات وهى ثابته ومؤكده فى جهاز الشرطة والقضاء وكان دفع هذا المبلغ الكبير فى الشرطة معناه

 

أن صاحب المعالى سيجنى اضعاف هذا المبلغ بمجرد الدخول للحياة العملية

أما جهاز أمن الدولة فقد كانت مهمته الأولى أمن النظام ، وكانت مهمة الجهاز هى الإرهاب عبر القمع والتعذيب وقد كان الجهاز جزء من منظومة الفساد الضخمة وكانت سلطة الجهاز متغلغلة فى كافة قطاعات الدولة حتى أن الحصول على وظيفة

كان متوقفا على على رغبة أمن الدولة ، وكشفت الصحف بعد ثورة يناير عن تورط ما يزيد عن 100 ضابط من الجهاز فى قضايا فساد وتضخم ثروات ، ولا شك ان المكشوف عنه هى فقط قمة جبل الجليد والذى يختفى ثلاثة ارباعه تحت الماء ، لقد كان التربح عبر المنصب قاعدة ثابته فى دولة مبارك ، لقد كانت هناك عصابة كبيرة

تسيطر على مصرهى خلاصة الفساد فى المجتمع المصرى ولا شك ان ذلك كله ترك أثرا فى اخلاق مصر ،

 

*****************

 

رابعا :الدجل الإعلامي وفساد مؤسسات التوجيه المعنوى

 

امتلكت مصر أدوات دعائية عملاقة فمنذ الفترة الناصرية والاعلام المصرى يقوم بدور كبير فى ايصال وجهات النظر ورسائل القيادة للجماهير والحشد والتعبئة الاعلامية التى كان معظمها بطولات وهمية ، ومع دخول عصر مبارك وتخلى الدولة نفسها عن القضايا المصيرية

 

وتراجع مفهوم القومية العربية والاتجاه نحو الدعاوى الوطنية والتغريب بدأ الاعلام المصرى ينبش قضية فرعونية مصر ، وتعزيز مفهوم المواطنة بقبول الرمز الأبوى الذى يحكم مصر ( حسنى مبارك) واخرج قطاع الانتاج بالتلفزيون المصرى العديد من المسلسلات والاغانى والحفلات تصب كلها نحو تمجيد الزعيم الحكيم وكانت النشرات التلفزيونية فى التسيعنات وقبلها بقليل لا تزال تحشد كل تصريح غربى قيل عن مبارك وحكمته ورعايته للسلام وربما كان ذلك ينفع لو انه يتحدث عن نظام شبيه بناصر الذى استخدم الاعلام بمهارة دون ان تنكشف حقائق دولته ، و على الجانب المقروء والصحف كانت الصحف القومية ( الحكومية) تمارس ادوات الدجل والكذب اما عن التنمية والرخاء وفوائد السلام واحلام المستقبل وكان الشعب ينتظر هذه الوعود لكنه كان كل يوم يكتشف انه يعيش فى المعاناة وغيره من اللصوص والمنافقين ومنعدمى الامانة يصعدون ويصيرون موضع التقدير ، وانقلب مع الجيل الجديد نموذج القدوة فصارت هذه الشخصيات الممسوخة هى موضع القدوة ونموذج الاحتذاء ومع تهميش الدين وحربه وتدمير الأهداف الكبيرة وتبنى النموذج الرأسمالى

سرت فى المجتمع الذى يقترب من الأمية قيم جديدة فطغت المادية على الحياة وصار

المال هو مانح القيمة ، وطغت قيمته على كل القيم ( العلم ـ الدين ـ الكرامة ـ الاخلاق ـ الانسانية ) وصك العامة مثلهم المشهور أو استدعوه من تاريخ المادية ( معاك قرش تساوى قرش ) كما طغت قيمة اللذة محبطة فى طريقها الاخلاق والدين ولا شك ان لكل هذا جذور بعيدة وبعيدة جدا وأن قصة الانحدار مستمرة منذ قرون إلا ان عصر مبارك كان تجسيد قوى للإنحدار وتكريس له

فى جانب المؤسسات الدينية والتى من مهمتها التوجيه المعنوى فإن عصر مبارك جعل المؤسسات الدينية يسودها أراذلها فوزارة الأوقاف المصرية أشهر الوزارات فسادا وأعقمها فى الانتاج ، ونسبة الفساد تكاد تبتلع معاملات هذه الوزارة أما الأزهر الشريف فقد سقط دوره منذ زمن وفى وقت من الاوقات فى عصر المماليك مثلا كان عالم الأزهر قد يقود انتفاضة شعبية ضد ارادة الدولة ، وكانت هيبته تعادل هيبة الأمير المملوكى أواشد ، لكن سياسة دانلوب اسقطت الازهر وتعاقب على مشيخة الازهر حديثا اطوع الناس والينهم فى يد الدولة وقد استغلت دولة مبارك الأزهر أسوء استغلال فأصبح المبرر لكل طغيانها المبارك له ويكفى كمثال فتوى المفتى على جمعة فى مظاهرات يناير حيث أجاز صلاة الجمعة فى البيت ظهرا ذلك فى مساندة فاضحة لنظام القمع ، وكان الشيخ طنطاوى شيخ الازهر السابق نموذجا صارخا لقبول وتمرير وتبرير مسلك دولة مباركاستخدم مبارك الأزهر كما استخدم الكنيسة وشنودة ولكن شنودة كانت له اهداف وفى سبيل هذه الاهداف كان يسبغ المديح على دولة مبارك واعترف رجال الكنيسة أن عصر مبارك كأن أفضل العصور بالنسبة لهم وكان مبارك دائما ما يحاول ارضاء الامريكان والأوروبيين وقد جر ذلك تغاضيا عن اخطاء واستفزازات الكنيسة الأرثوذكسية

وبوجه عام لم يكن الاقباط أقل سوء من المسلمين فى انهيار القيم بل زادو عليهم بفقدانهم قيمة الإنتماء كان كل هذه حصيلة مبسطة عن عصر حسنى مبارك ، عصر كامل من الفساد والظلم ، والارهاب ، والتعذيب وضياع قيمة إنسانية الانسان

بقلم: 
أقلام القراء