التمويل الإسلامي تمويل حقيقي

التمويل الإسلامي تمويل حقيقي

اهتم العالم أجمع بالمصارف الإسلامية وما تقدمه من عمليات تمويل وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية بعد الأزمة العالمية التي عصفت بأسواق العالم نهاية عام 2008 م والتي عرفت بأزمة الرهون العقارية.

ويرجع اهتمام العالم بالمصارف الإسلامية وما تقدمه من أساليب تمويل وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية نظرا لعدم إفلاس أي مصرف إسلامي علي مستوي العالم خلال الأزمة في حين بلغت المصارف التي أفلست ما يزيد علي 450 بنكا غالبيتهم في أمريكا.

ويبلغ حجم العمل المصرفي الإسلامي علي مستوي العالم في بداية عام 2012 م ما يزيد علي تريليون ومائتي مليار دولار في 58 دولة علي مستوي العالم بعدد مصارف إسلامية وتقليدية تقدم العمل المصرفي الإسلامي تبلغ 850 مصرفا.

وقد ارتفع حجم العمل المصرفي الإسلامي بمصر إلي ما يقارب من 95 مليار جنيه مصري بنسبة نمو تبلغ 2.3% عن أرقام عام 2010 م، وبحجم ودائع بلغت 85 مليارا تشكل نسبة 8.6% من حجم السوق المصرفي المصري، وما قيمته 65 مليار جنيه مصري يمثل حجم التمويل الإسلامي بالبنوك المصرية تمثل نسبة 7.6%، ويبلغ عدد البنوك التي تقدم معاملات مصرفية متوافقة مع أحكام الشريعة 14 بنكا وبعدد فروع تبلغ 211 فرعا تمثل نسبة 9% من عدد فروع القطاع المصرفي بمصر.

ويعد التمويل الإسلامي من أهم مقومات نجاح الصناعة المصرفية الإسلامية، حيث إن توفير بدائل للقروض التقليدية بطريقة متوافقة مع أحكام الشريعة يعد من أهم التحديات التي تواجه العمل المصرفي الإسلامي، وقد نجحت المصارف الإسلامية في تقديم العديد من الصيغ التي يمكن استخدامها في تمويل العديد من القطاعات الاقتصادية من صناعية وتجارية وخدمية بأساليب وصيغ متعددة ومتطورة منها البيع بالمرابحة، المشاركة، المضاربة، التأجير، الاستصناع والسلم، وتحتاج تلك الصيغ عند التطبيق إلي موارد بشرية مؤهلة لتطبيقها.

ويتم تطبيق تلك الصيغ وفقا للعقود الشرعية المستمدة من أحكام فقه المعاملات التي يتم اعتمادها من الهيئة الشرعية للمصرف الإسلامي في ضوء دراسة مجال التمويل والمشاريع المقدمة ونوعية الخدمات المطلوبة.

فعندما يتقدم العميل للمصرف الإسلامي طالبا تمويلا معينا يقوم المصرف بدراسة المشروع المقدم من قبل العميل من الناحية الائتمانية واختيار الصيغة التمويلية الشرعية التي تناسب هذا المشروع، فالميزة الأساسية للتمويل الإسلامي أن لكل مشروع احتياجا معينا وصيغة تمويلية شرعية مناسبة، فبعض الاحتياجات يتم تمويلها من خلال المرابحة مثل شراء السيارات وشراء الأجهزة المنزلية والمعدات، وبعض المشروعات يتم تمويلها من خلال المشاركة مثل مشاركة العميل في شراء البضائع وإعادة بيعها حيث يحتاج العميل إلي تمويل ويحتاج المصرف إلي خبرة العميل، وهناك مشروعات يتم تمويلها من خلال المضاربة التي تصلح لتمويل المشروعات التي تحتاج إلي آلات ومعدات يقوم البنك بشرائها ويقوم العميل بعمليات التصنيع، ويتم توزيع الأرباح بين البنك والعميل كنسب مئوية تحدد مسبقا من الأرباح المتوقعة وليس من رأس المال، كما أن هناك عددا من المشروعات التي يتم تمويلها بصيغة الاستصناع ومنها المشروعات التي تحتاج إلي مقاولات ومعمار وإقامة منشآت مثل إقامة الفنادق والأسواق التجارية والمجمعات السكنية.

ويقول البعض إن الأرباح التي يحصل عليها المصرف الإسلامي هي نفسها الفوائد التي يحصل عليها البنك التقليدي ولكن بمسمي مختلف، ويمكن القول إن الفوائد التي يحصل عليها البنك التقليدي هي مال مقابل مال مع زيادة، أما الأرباح التي يحصل عليها المصرف الإسلامي فهي تختلف من صيغة تمويلية إلي أخري، فعند التمويل بالمرابحة التي هي عملية بيع وشراء يحصل المصرف علي ربحية مقابل الجهد الذي يبذله في شراء وتملك تلك السلعة وإعادة بيعها للعميل، ومقابل المصروفات التي ينفقها البنك في سبيل تملك السلعة، ثم مقابل المخاطر التي يتحملها البنك خلال فترة تملك السلعة التي يضمن تسليمها للعميل، أما في المشاركة والمضاربة فالربحية عبارة عن نسبة مئوية من ناتج النشاط وليس من رأس المال، وفي الإجارة تتمثل ربحية البنك في القيمة الإيجارية المحصلة من العميل مقابل الانتفاع بالأصل.

ويمكن القول إن من أهم الاختلافات بين التمويل التقليدي والتمويل الإسلامي أن محل العقود في التمويل التقليدي هي النقود فالعقد هو نقد مقابل نقد مع زيادة، في حين أن التمويل الإسلامي محل العقود هو سلع وخدمات، فالتمويل هنا تمويل حقيقي وليس تمويل ديون، فمن أهم أسباب الأزمة العالمية إعادة تمويل الديون بقروض جديدة لسداد القرض القديم دون تحقيق قيمة مضافة للمجتمع، وهو ما دفع ميركل المستشارة الألمانية إلي إلغاء تمويل أو بيع الديون وقالت: اريد أن يكون لدي اقتصاد حقيقي وليس اقتصاد ديون ولا أود أن اصل لمرحلة أزمة الرهون العقارية في أمريكا أو اصل لما وصلت إليه اليونان بعدم القدرة علي سداد ديونها.

فالتمويل الإسلامي تمويل اقتصاد حقيقي وليس تمويل اقتصاد ديون.

بقلم: 
د. محمد البلتاجي
المصدر: 
الأهرام الإقتصادى 27-8-2012