الوجه القبيح للرأسمالية

الوجه القبيح للرأسمالية

أبت الرّأسماليّة إلاّ أن تسفر عن وجهها القبيح،  وتعلن صراحة عن معبودها الحقيقيّ دون وازعٍ دينيّ أو أخلاقيّ وبتجرّد كامل من المشاعر الإنسانيّة، كما عبّر عن ذلك في أبلغ وأحقر تعبير (كريس ماهوني) مدير تجارة السّلع الأساسيّة والمحاصيل والمعادن في شركة (غلينكور)؛ فقد قال -على ذمّة صحيفة (الإندبندنت) البريطانيّة- إنّ حالة الجفاف غير المسبوقة والتي أدّت إلى انخفاض المحاصيل في أمريكا وروسيا في نسب تتراوح من 25 – 40%، بالإضافة الى المجاعات والاضطرابات التي تسود العالم ستعود بالرّبح الوفير والأعمال المزدهرة على شركته، وقد علّقت صحيفة (الإندبندت) على ذلك بأنّ الشّركات العملاقة تتاجر بمصائب ومآسي العالم.

تعتبر شركة (غلينكور) أكبر شركات السّلع الأساسيّة والمحاصيل والمعادن، وتبلغ قيمتها (61) مليار دولار، وحققت أرباحًا بقيمة تبلغ مليارًا ونصف المليار دولار في السّنة الفائتة، ولكن هذه الأرباح من المنتظر أن تتضاعف هذه السّنة نتيجة المآسي الكونيّة، ومصائب العالم دومًا فوائد لدى هذه الشّركات العملاقة المتاجرة دومًا بتلك المصائب.

على شريط نادر على اليوتيوب، يظهر (ديك فولد) المدير التّنفيذيّ لبنك (بيرن ستيرنز) الذي أفلس قبل ثلاث سنوات، وهو يتحدّث إلى مجلس إدارته أيّام ذروة نجاح هذا البنك قبل انحداره إلى الهاوية بأنّه حقّق هذا النّجاح من خلال شقّ صدور منافسيه، وأكل قلوبهم وهم أحياء.

وإن كان هذا ما يريد فعله بمنافسيه من رجال الأعمال الأمريكيّين فلنا أن نتخيّل فلسفته هو وغيره من رجال الأعمال الأمريكيّين من فقراء إفريقية وآسيا.

بعد انحدار ستّة وأربعين مليون أمريكي دون خطّ الفقر نتيجة للأزمة الاقتصاديّة رفع المتظاهرون في مظاهرة في شارع المال في نيو يورك يافطات تقول: "نحن 99%" في إشارة إلى لصوص البنوك والشّركات العملاقة والصناديق القابضة والتي دمّرت حياة الملايين دون أن يسجن أحد من هؤلاء المدراء، وفي ذلك ولا أعلم أهو شقاء مشترك أم عزاء النّحس، حيث إن الفاسدين في بلادنا العربيّة أكلوا الأخضر واليابس دون أن يُعاقب منهم أحد!! أفلس العالم الغربي وقوانينه من كافة المعايير وفي فضيحة تهرب الأثرياء البريطانيين من الضرائب وعلى رأسهم الكوميدي (جيمي كار) الذي هرب مبلغ مئة وخمسين مليون جنيه استرليني من الضرائب، لم يجد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني ردًّا مناسبًا على سؤاله في البرلمان عن ذلك إلاّ بوصف هذا العمل بغير الأخلاقيّ على الرّغم من قانونيّته الهشّة، وهكذا تشرّع القوانين لحماية الفاسدين والمتهرّبين، بينما يدفع الموظّف البسيط في بريطانيا 22% من دخله كضريبة، بينما يدفع الأطباء 40% من دخلهم كضريبة.

لن يستقيم العالم إلاّ بالهدي الرّبانيّ الذي نصّ على سلطة العقيدة والأخلاق، القانون والسّلطان والقرآن. وكما قيل: فإنّ الإسلام ليزع بالسّلطان والقرآن، وبدونهما معًا تختلّ معايير الحياة والقوانين لمصلحة الفاسدين والمرتشين والمتهرّبين.

لم يجد الألمانيّ (هابرماس) منظّر رأسماليّة ألمانيا وأوروبا البالغ من العمر (83) سنة في مقاله قبل أسابيع في صحيفة فرانكفورت بديلاً عن العودة إلى إشراف الدّولة، وتنمية القطاع العام، وتشديد القيود على مدراء البنوك والمؤسّسات المصرفيّة التي أوصلت أوروبا إلى الهاوية، وهكذا يتخبّط العالم في دورات الاقتصاد الحرّ الكامل واقتصاديّات رأسماليّة مقنّنة تقترب من الاشتراكيّة في دورات متعاقبة من الانهيار والصّعود، وها هي اليونان تصرخ مطالبة بحزمة إنقاذ ثالثة، وربّما رابعة وخامسة مطالبة أوروبا بإنقاذها. ويذكّرنا هذا بدولة صغيرة اسمها الأردن تضاعفت مديونيّتها خلال عشر سنوات.

لن يجد العالم كلّه بديلاً من العودة إلى الاقتصاد الإسلاميّ القائم على تحريم الرّبا والرّشوة وتطبيق الحدود على الأمير قبل الفقير، وحرمة النّفس والمال، وكراهية الكنز، ومؤسّسة الزّكاة التي لو طُبّقت في العالم العربيّ على النّفط فقط لما بقي فقير أو محتاج أو مشروع خيريّ يحتاج إلى تبرّعات، و حكم الإسلام يُطبّق على الأمير قبل الفقير لقوله صلّى الله عليه وسلّم عندما جاءه بعض الصّحابة يشفعون في المخزوميّة التي سرقت: أيّها النّاس إنّما هلك الذين قبلكم أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشّريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضّعيف أقاموا عليه الحدّ، وأيم الله لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها.

وهكذا أو الطّوفان....

بقلم: 
د. طارق طهبوب
المصدر: 
الإسلام اليوم