العامل الشريك الأجير. تصور اقتصادي اجتماعي

العامل الشريك الأجير. تصور اقتصادي اجتماعي

 

هل تستطيع الحكومة - أي حكومة - تبني سياسات تساعد بلادها علي النمو وتحقق هذه السياسات توزيعا أكثر عدلا لثمار النمو في ظل اقتصاد السوق؟. ان هذا هو السؤال الرئيسي الذي يجب علي أي حكومة أن تجيب عنه من خلال خطط وسياسات وبرامج فعالة. والحكومة معنية بتحقيق ذلك منذ ظهور فكرة الدولة القومية التي تجسدها الحكومة. لسبب بسيط أنها الطرف المهيمن بين جميع الأطراف الفاعلة في مجتمعها. وان لم تفعل ذلك. فان تراكم الاختلالات بين الرأسماليين والعاملين أو بين الطبقات سوف يحيل التوحد السياسي المفتعل الي شيء أسطوري غير قابل للاستمرار تكون ترجمته إما أزمات عالمية عاصفة مثل أزمتي 1929 و2008 تعقبها حروب عالمية أو اقليمية أو ثورات اجتماعية مثل ما شهدته المنطقة العربية في العامين الآخرين عجل بها التطبيق المسالم لمنهج اقتصاد السوق اعتمادا علي يده الخفية ونظرية تساقط القطرات علي الفقراء التي تبناها صندوق النقد الدولي بصورة مطلقة بعد العدول عن الاقتصاد الرأسمالي الكينزي في الثمانينيات الي الاقتصاد الرأسمالي المحافظ القائم علي ما يسمي "تفاهم واشنطن" الذي قاده "ميلتون فريدمان" صاحب مدرسة شيكاغو وهو ما أدي الي زيادة مساحة الفقر المطلق في غالبية الدول النامية والفقر النسبي في الدول المتقدمة اقتصاديا.

لا مانع من نظرية اقتصاد السوق مع الايمان انها لا تعمل بالصورة المثالية التي يصورها أنصارها ولكن لها عيوبها القاتلة التي لو أغفلتها الدولة فانها تفتك بالفقراء ولا سبيل لعلاج عيوب السوق الا من خلال الدولة بحكم مسئوليتها الدستورية والأخلاقية عن وحدة الوطن ونسيجه الاجتماعي وذلك من خلال التشريعات القادرة علي علاج الاختلالات المؤكدة لاقتصاد السوق التي تكافح من أجل استصدارها عن طريق السلطة التشريعية الدستورية.

وفي مصر كان أحد الأهداف الرئيسية لثورة الشعب في 25 يناير 2011 هو العدالة الاجتماعية بعد أن ثبت أن استمرار اقتصاد السوق بالوتيرة التي صار عليها في السنوات العشر السابقة لم ينتج عنها توزيع عادل لثمار النمو الذي تنامي حتي بلغ نحو 7.2% في عام 2007 - 2008 ولم ينتج عنه التساقط لأسفل (للفقراء) طبقا للوجه المحافظ لاقتصاد السوق وانما التبخر لأعلي (للأغنياء فازدادوا غني).

وقد نتج عن ضعف الدولة خلال الفترة الانتقالية أن سعت كل الطوائف الاجتماعية من فئة كاسبي الأجور والمرتبات الي الضغط علي الدولة والقطاع الخاص لتحسين أوضاعها ومرتباتها عنوة بالتظاهر تارة والاعتصام تارة والاضراب تارة أخري مما أدي الي تعقيد الأوضاع الاقتصادية علي صعيد مؤشرات الاقتصاد الكلي (اضعاف معدل النمو، تفاقم عجز الموازنة، ارتفاع معدل التضخم، ارتفاع معدل البطالة، ارتفاع عجز ميزان المدفوعات وتآكل احتياطيات النقد الأجنبي بصورة مزعجة وخطيرة) وعلي صعيد القطاع الخاص توقفت مئات المصانع والمنشآت عن العمل وتراجع أرباح غالبية المشروعات مما يهدد بضعف الحصيلة الضريبية للدولة. الأمر الذي ينذر بنتائج سلبية لا تحمد عقباها. وهو ما يدفع الي التفكير في سبل جديدة وقابلة للتطبيق للخروج من المأزق الاقتصادي الحالي.

بالنسبة للعمال يمكن اجراء بعض التعديلات في قانون الشركات المساهمة وقانون الضرائب علي الدخل لتحسين أحوال عمال القطاع الخاص. فقانون الشركات المساهمة ينص علي أن تكون نسبة أرباح العاملين لا تقل عن 10% من الأرباح المحققة بعد الضرائب بما لا يجاوز مجموع الأجور السنوية وهنا يقترح الغاء عبارة (بما لا يجاوز مجموع الأجور السنوية) فتكون النسبة مطلقة فاذا كانت أكثر من مجموع الأجور السنوية يزيد نصيب العاملين من الأرباح ويتخلص العاملون والادارة من الجدل الفقهي الخاص بمفهوم الأجر هل هو الشامل أم الأساسي أم التأميني مما قد يشكل افتئاتا علي نصيب العاملين في الأرباح.

يقترح كذلك تمليك العاملين في الشركات الخاضعة للقانون 159 لسنة 1981 ما لا يقل عن 10% من أسهم الشركة بالقيمة الاسمية تتوزع علي كافة العاملين بالشركة طبقا للنظام المناسب للهيكل الاداري لكل شركة وهذه الأسهم يحظر تداولها ويحصل العامل علي توزيعاتها النقدية السنوية واذا ما حدث تغير في عدد العاملين تتم اعادة توزيعها بين العاملين بالزيادة أو النقص ويتم تمويل العاملين بسلفيات لاقتناء هذه الأسهم تسدد بنسبة من التوزيعات النقدية السنوية، وفي حالة استقالة العامل يحصل علي القيمة الاسمية التي من التوزيعات النقدية السنوية، أما اذا خرج الي المعاش فله أن يحتفظ بالأسهم أو بيعها في البورصة اذا كانت أسهم الشركة مقيدة بالبورصة، ولتشجيع المساهمين الرئيسيين بالشركات علي ذلك تعفي الشركة التي تقوم بذلك من الضريبة الاضافية ونسبتها 5% التي تفرض علي الأرباح التي تزيد علي 10 ملايين جنيه وبذلك تسدد الشركة ضريبة بسعر 20% بدلا من 25%. ومقابل هذه النسبة يحق للعاملين ان يكون لهم ممثل بمجلس ادارة الشركة وفي هذه الحالة يمكن تطبيق قاعدة التصويت التراكمي Cumulative Votingلضمان التمثيل عند اجراء انتخابات مجلس الادارة.

طبقا لهذه الاقتراحات يصبح العاملون أجراء شركاء يحصلون علي أجورهم ونصيب في حقوق التملك وهذا من شأنه دفعهم للانتماء لشركاتهم والإخلاص لها وبالتالي ستتراجع ظواهر مثل الاضراب والاعتصام ويحل محلها منطق الرجل الحريص علي شركته.

بقلم: 
عيسي فتحي
المصدر: 
الاهرام الرقمي 22-12-2012