ذكر الله ودعاؤه في أيام التشريق

فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا . فمن الناس من يقول:ربنا آتنا في الدنيا , وما له في الآخرة من خلاق . ومنهم من يقول:ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة , وقنا عذاب

فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ (200) وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202) وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)

النار . أولئك لهم نصيب مما كسبوا , والله سريع الحساب). .

ولقد سبق أنهم كانوا يأتون أسواق عكاظ ومجنة وذي المجاز . . وهذه الأسواق لم تكن أسواق بيع وشراء فحسب ; إنما كانت كذلك أسواق كلام ومفاخرات بالآباء ومعاظمات بالأنساب . . ذلك حين لم يكن للعرب من الإهتمامات الكبيرة ما يشغلهم عن هذه المفاخرات والمعاظمات ! لم تكن لهم رسالة إنسانية بعد ينفقون فيها طاقة القول وطاقة العمل . فرسالتهم الإنسانية الوحيدة هي التي ناطهم بها الإسلام . فأما قبل الإسلام وبدون الإسلام فلا رسالة لهم في الأرض , ولا ذكر لهم في السماء . . ومن ثم كانوا ينفقون أيام عكاظ ومجنة وذي المجاز في تلك الاهتمامات الفارغة . في المفاخرة بالأنساب وفي التعاظم بالآباء . . فأما الآن وقد أصبحت لهم بالإسلام رسالة ضخمة , وأنشأ لهم الإسلام تصورا جديدا , بعد أن أنشأهم نشأة جديدة . . أما الآن فيوجههم القرآن لما هو خير , يوجههم إلى ذكر الله بعد قضاء مناسك الحج , بدلا من ذكر الآباء:

(فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا). .

وقوله لهم: (كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا). . لا يفيد أن يذكروا الآباء مع الله , ولكنه يحمل طابع التنديد , ويوحي بالتوجيه إلى الأجدر والأولى . . يقول لهم:إنكم تذكرون آباءكم حيث لا يجوز أن تذكروا إلا الله . فاستبدلوا هذا بذاك . بل كونوا أشد ذكرا لله وأنتم خرجتم إليه متجردين من الثياب , فتجردوا كذلك من الأنساب . . ويقول لهم:إن ذكر الله هو الذي يرفع العباد حقا , وليس هو التفاخر بالآباء . فالميزان الجديد للقيم البشرية هو ميزان التقوى . ميزان الاتصال بالله وذكره وتقواه.

ثم يزن لهم بهذا الميزان , ويريهم مقادير الناس ومآلاتهم بهذا الميزان:

(فمن الناس من يقول:ربنا آتنا في الدنيا , وما له في الآخرة من خلاق ) (ومنهم من يقول:ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار . . أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب). .

إن هناك فريقين . فريقا همه الدنيا , فهو حريص عليها , مشغول بها . وقد كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف في الحج فيقولون:اللهم اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن , لا يذكرون من أمر الآخرة شيئا . . وورد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن الآية نزلت في هذا الفريق من الناس . . ولكن مدلول الآية اعم وأدوم . . فهذا نموذج من الناس مكرور في الأجيال والبقاع . النموذج الذي همه الدنيا وحدها . يذكرها حتى حين يتوجه إلى الله بالدعاء ; لأنها هي التي تشغله , وتملأ فراغ نفسه , وتحيط عالمه وتغلقه عليه . . هؤلاء قد يعطيهم الله نصيبهم في الدنيا - إذا قدر العطاء - ولا نصيب لهم في الآخرة على الإطلاق!

وفريقا أفسح أفقا , وأكبر نفسا , لأنه موصول بالله , يريد الحسنة في الدنيا ولكنه لا ينسى نصيبه في الآخرة فهو يقول:

(ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار). .

إنهم يطلبون من الله الحسنة في الدارين . ولا يحددون نوع الحسنة - بل يدعون اختيارها لله , والله يختار لهم ما يراه حسنة وهم باختياره لهم راضون . . وهؤلاء لهم نصيب مضمون لا يبطىء عليهم . فالله سريع الحساب.

إن هذا التعليم الإلهي يحدد:لمن يكون الاتجاه . ويقرر أنه من اتجه إلى الله وأسلم له أمره , وترك لله الخيرة , ورضي بما يختاره له الله , فلن تفوته حسنات الدنيا ولا حسنات الآخرة . ومن جعل همه الدنيا فقد خسر في الآخرة كل نصيب . والأول رابح حتى بالحساب الظاهر . وهو في ميزان الله أربح وأرجح . وقد تضمن دعاؤه خير الدارين في اعتدال , وفي استقامة على التصور الهاديء المتزن الذي ينشئه الإسلام.

وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204)

إن الإسلام لا يريد من المؤمنين أن يدعوا أمر الدنيا . فهم خلقوا للخلافة في هذه الدنيا . ولكنه يريد منهم أن يتجهوا إلى الله في أمرها ; وألا يضيقوا من آفاقهم , فيجعلوا من الدنيا سورا يحصرهم فيها . . إنه يريد أن يطلق(الإنسان)من أسوار هذه الأرض الصغيرة ; فيعمل فيها وهو أكبر منها ; ويزاول الخلافة وهو متصل بالأفق الأعلى . . ومن ثم تبدو الاهتمامات القاصرة على هذه الأرض ضئيلة هزيلة وحدها حين ينظر إليها الإنسان من قمة التصور الإسلامي