فقاعة الدولار

فقاعة الدولار

 

حينما تحدث الرئيس عن مؤامرة وعن اعترافات للبلطجية الذين ألقى القبض على العشرات منهم جوار قصر الاتحادية، فى أعقاب محاولات اقتحامه، لم تمض ساعات حتى أفرجت النيابة عنهم!

وعندما تحدث عن آمال بالاقتصاد مفنداً فكرة الإفلاس، سارعوا إلى سحب الدولار من السوق لإحداث فجوة بين العرض والطلب فى اليوم التالى مباشرة!

لهذه الدرجة وأكثر يمكننا تخيل سطوة تل أبيب وواشنطن فى مصر، وقدرتهما على إحداث اختلالات فى الأمن والاقتصاد وغيرهما إذا ما أريد لمصر أن تستقل..

إننا الآن نعانى من آلام مخاض معركة استقلال مصر التى ما زالت فى بداياتها، وأحداثها تؤكد أن اقتصاد مصر كان مرهوناً بيد مستورثين لمقدرات مصر، جعلوا من مصر دولة تابعة يمكن تهديدها عبر هوامير الاقتصاد الغربيين أو المستغربين..

ارتفاع سعر الدولار الآن بهذه الطريقة الجنونية يذكرنا بالأوامر الأمريكية التى صدرت فى أعقاب اندماج مجموعتى الريان والسعد برأس مال ضخم أوشك أن يسيطر على السوق المصرية بعيداً عن نفوذ الأمريكيين.. حينها صدرت الأوامر بتصفية شركات توظيف الأموال بأى طريقة؛ فأطلقت الآلة الأمريكية الإعلامية فى مصر (كانت حينها تقتصر على وسائل الإعلام الرسمية) بأن تطلق شائعة خسارة مجموعة الريان نتيجة مضاربتها فى البورصات العالمية، وحثت بشكل غير مباشر المودعين على طلب رد ودائعهم دفعة واحدة، وهو ما أدت الاستجابة الجماهيرية له بالفعل إلى اختناق هذه الشركات وعجزها عن السداد؛ فوضعت الدولة يدها عليها باسم المدعى العام الاشتراكي، والذى بدأ بتصفية الشركات وطرح أصولها للبيع بثمن بخس، واشتراها فى الجملة ـ أو الغالبية ـ رجال أعمال موالون للنظام وللأمريكيين..

فى أعقاب ذلك، مثلما هو معروف، بدأ التحول الاقتصادى الخاص المصرى من التنوع، المشتمل على التنمية والاقتصاد النافع من زراعة وثروة حيوانية ومصانع وكسر لاحتكار الغرب لسلع معينة فى السوق المصرية، لاسيما الغلال وغيرها، ونشر ثقافة دينية ووطنية، وسد حاجة السوق المصرية بإنتاج سلع بشراكات خارجية كما السيارات والأجهزة الكهربية.. إلخ.

بدأ التحول من هذا الاقتصاد إلى آخر هش يتمثل فى احتكارات الصناعات الترفيهية والاستهلاكية، ومع دخول شبكات الهواتف المحمولة وفتح البورصة لمدينة الإنتاج الإعلامى وغيرها ضخت أموال المصريين فى استثمارات هشة، وفى جيوب مستثمرين غير بعيدين عن الاستراتيجية الأمريكية للاقتصادات العربية.

الآن..

بعد يوم واحد من الحديث عن الصناعات اللوجيستية حول قناة السويس، وتحولها إلى "دبي" أو "سنغافورة" إفريقيا، حدثت هذه الهزة العنيفة للدولار، وشعر المستثمر بالخوف، وتعويلاً على جبن رؤوس الأموال، وهو أمر اعتيادي؛ فإن الدعاية السوداء التى شنتها فضائيات المارينز ومؤسسات غسيل الأموال الإعلامية قد آتت أكلها، علاوة على جهود كل من د.البرادعى فى دعوة الدول الغربية إلى الضغط على مصر من أجل نسف الخيار المصري، واستيراد دستور ترضى عنه "البنود الآمرة فى القانون الدولي"، والتى تشدد على أمور تناقض هوية مصر تماماً، وتضمن بقاءها فى حيز التبعية.. كذلك؛ فإن لقاءات المعارضة ورموزها مع الجهات الأجنبية الراغبة بالاستثمار فى مصر أحدثت أثرها السلبى البالغ، الذى لم يقتصر على ضخ الاستثمارات، وإنما على امتناع بعض الدول مثل ألمانيا على إسقاط ديون مستحقة على مصر، أو اطلاع مصر على حقوقها المنهوبة فى سويسرا، وتعثر مفاوضات قرض صندوق النقد الدولي.

فقاعة الدولار المصرية تستند بالتأكيد لمشكلة اقتصادية حقيقية، لكنها لم تكن لتفعل هذا التراجع الشديد فى سعر الجنيه ما لم تكن موجهة، إعلامياً، واقتصادياً، وفى العامل الأخير منهما؛ فإن الاقتصاد بشقيه المصرفى الرسمي، ورجال الأعمال المهيمنين على السوق المصرية، قد أثرا بقصد فى إحداث تلك المشكلة بعد يوم واحد من خطاب الرئيس الذى كان يفترض معه ـ لو كان لدينا مصرفية وإعلام وطنيين ـ أن يهرعا إلى بعث الطمأنينة فى نفوس المستثمرين والمصريين على حد سواء..

لكن لأن كثيراً منهما ليسوا كذلك؛ فقد "بشرونا" بـ"ثورة الجياع" و"الانهيار الاقتصادي" وبثوا سيلاً متدفقاً من الشائعات المدمرة للاقتصاد بما من شأنه أن يحبط كل مساعى التعافى للاقتصاد المصري..

إن منطقة استثمارية كبرى حول القناة تعنى تلقائياً أمنا اقتصادياً وعسكرياً لمصر وحدودها، وفرصة كبرى لإعمار سيناء، وقطع كل أمانى تل أبيب فى إعادة احتلالها مرة أخرى، ويعنى أن بعض المدن المخملية العربية (أعنى دبى تحديداً) ستفقد جزءًا من وظيفتها فى الاقتصاد العالمى الموجه.. لا تبحثوا من بعد ذلك فى التفاصيل!

بقلم: 
أمير سعيد
المصدر: 
المصريون