شفاطات الدولارات العجيبة

شفاطات الدولارات العجيبة

 

منذ أن نجحت الولايات المتحدة في جعل الدولار عملة الاحتياطي العالمي‏,‏ ولأنها كانت أقوي اقتصاد في العالم‏,‏ ولم تتأثر بالدمار الذي عم المتحاربين في الحرب العالمية الثانية بصورة لم تحدث في التاريخ‏.‏

فقد انطلقت تطبع الدولارات لبناء قواعد عسكرية لها في كل مكان لحراسة سلطانها العالمي الجديد ولشراء والاستحواذ والاستيلاء علي السلع والخدمات والأصول والثروات من الجميع, وعلي حساب الجميع.

ومع تماديهم في هذا الإصدار النقدي الغريب, واستيلائهم علي ثروات الغير بلاحدود, تراكمت أكوام الدولارات الورقية والإلكترونية لدي الغير, بصورة أشعرتهم بالخطر. لأنه إذا لم يتم استرجاعها منهم بأي وسيلة, فقد لايحتاجون إلي اللجوء لأمريكا لطلب المزيد منها, وسوف يتبادلون مالديهم فيما بينهم في تعاملاتهم. وستفقد أمريكا مزية كونها مصدر الدولارات الأوحد التي يحتاج الجميع للمزيد منه باستمرار. وقد يفضل الآخرون التعامل مع غير الأمريكيين بيعا وشراء; لأن دولارات الآخرين التي حصلوا عليها مقابل جهودهم المنتجة وثرواتهم وأصولهم القيمة لاتسبب تضخما إضافيا, في حين أن أي دولارات إضافية تصدرها أمريكا للاستحواذ علي مزيد من الأصول والثروات والخدمات تسبب مزيدا من التضخم واضمحلال قيمة ما لدي الجميع من الدولارات. فلابد من تطوير آليات لاسترجاع تلك الدولارات من الجميع دون مقابل, أو بأقل تكلفة.وكانت الحلول عبقرية, فقد تمكنوا من تطوير الآليات التي ابتكرها الإنجليز وطبقوها في إمبراطوريتهم التي لم تكن الشمس تغيب عنها لحماية الجنيه الاسترليني, الذي ورث الدولار مكانته كعملة الاحتياطي العالمي, واخترعوا المزيد منها.

وعادة ما تتراكم الدولارات في البنوك المركزية في دول العالم, التي أنشأها ووضع قواعدها ولايزال, مصممو هذه الآلية الاستنزافية العجيبة; لاحتكار اصدار النقود الورقية في كل دولة وللهيمنة علي عمليات المقاصات بين العملات المحلية والأجنبية وخصوصا الدولار. فكانت الآلية الأولي هي محاصرة البنوك المركزية للدول التي يتراكم لديها فوائض دولارية حتي لايتمكنوا من شراء أي أصول إنتاجية أو ثروات طبيعية, لا في موطن الإمبراطورية, ولا في مناطق نفوذها. وهكذا لم يعد أمام تلك البنوك المركزية ذات الفوائض الدولارية سوي استخدام تلك الفوائض في شراء سندات الخزانة الأمريكية ذات العائد المتدني, أي تخزين فوائضهم الدولارية لدي الحكومة الأمريكية مقابل إيصالات دين! وهكذا أعادت هذه الآلية بعض الفوائض الدولارية إلي مصدرها ولو ببعض التكلفة.

وكانت الآلية الثانية هي عمل ملاذات ضريبية متعددة تدعي بأن الحسابات فيها سرية تماما ولاتخضع لأي رقابة ضريبية أو تحريات عن مصدرها, مع فتح الباب علي مصراعيه للفاسدين من كل جنس ولون لفتح حسابات بنكية فيها بعد الاستيلاء علي الثروات الوطنية وبيعا لأصول القومية للشركات الغربية والاستيلاء علي القروض والاتجار في الأسلحة والمخدرات والتهريب وكل ما يمكن تخيله من أنشطة إجرامية, وتحويل حصيلة ما نهبوه إلي دولارات وتهريبها إلي تلك الملاذات الضريبية بعيدا عن أعين الرقابة والعدالة( وطبعا تحت سمع وبصر ورعاية تلك القوي الدولية التي أنشأت تلك الملاذات لإخفاء المسروقات والأموال القذرة). وقد يتمكن هؤلاء اللصوص من إنفاق بعض تلك المسروقات لتغطية مصروفاتهم الشخصية, لكنهم لايجرأون علي سحبها من مستودعاتها الحصينة, وإلا تكفلت رصاصة تافهة يطلقها مجهول مأجور بجعلها أموالا دون صاحب. وتمنع قوانين الأربعين حرامي إعادة المسروقات لأصحابها! وهذه الملاذات تعيد عمليات تلك النقود إلي مصدريها بعد أن أدت مهمتها في الاستحواذ علي أصول وثروات الجهات المستهدفة.

أما الآلية الثالثة فهي إنشاء الآلاف من صناديق الاستثمار والتحوط والمضاربة وتمويلها إلكترونيا بكميات ضخمة من النقود الآلية علي شاشات الحاسبات, وإطلاقها لتقوم بالمضاربة في الأسواق المالية المستهدفة, وامتصاص أقصي مايمكن من الأرباح وضخها عن طريق البنوك المركزية المحلية إلي خارج البلاد, حسب الاتفاقيات الدولية المفروضة. وهذا يستلزم بالطبع تغيير القوانين المحلية لإغراء وإرغام الشركات( خصوصا الكبيرة) علي تداول أسهمها في البورصات, وترويج الأكاذيب عن سهولة تربح الجميع من المضاربات في البورصات. وغني عن البيان, أنه للتفاوت الشديد بين قدرات وسرعة الحواسب الغربية التي تقوم بالمضاربة وخبرة القائمين عليها, وتلك التي تستخدمها شركات المضاربة المحلية, فالنتيجة المؤكدة لمباراة الخطف تلك هي نزيف مستديم للثروات النقدية من الداخل للخارج, وعودة المزيد من الدولارات إلي مصدرها دون تكلفة.

والآلية الرابعة هي اختلاق أوراق مالية فاسدة الأساس( كسندات الرهون العقارية لمفلسين وسندات شركات مجهولة وغير مسجلة في البورصاتOTC) وإخفاء حقيقتها بتقييم مكذوب وتأمين مزور( شركات تأمين رءوس أموال250 مليارا تضمن أوراقا مالية قيمتها12 تريليونا!) وإصدار تريليونات منهاوترويجها في العالم كله كاستثمار مضمون مقابل أكوام الدولارات التي حازها الآخرون مقابل خدماتهم وسلعهم وأصولهم وثرواتهم الحقيقية. وبعد انتقال الأوراق المالية المزورة لحوزة الضحايا, يقومون بفضحها فتتبخر قيمتها تماما وبلا رجعة, وتختفي ثروات الضحايا المساكين من الدولارات الورقية, كما حدث في الأزمة المالية عام.2008 وقدرة الحاوي علي اختراع المزيد من الألاعيب لاتنتهي! ولامكان في عالم دارون للسذج أو الخاسرين.

بقلم: 
صلاح عبد الكريم
المصدر: 
الاهرام 15-4-2013