الإخفاق الإقتصادي وتحديات المرحلة

الإخفاق الإقتصادي وتحديات المرحلة

 

الحاجة ملحة لتفحص لب المشكلة الاقتصادية لكيلا تتكرر إخفاقات ما قبل وبعد الثورة‏,‏ والمدهش ان العديد من ذوي الشأن في دوائر المسئولية وخارجها يحبذون العودة الي الأداء الاقتصادي للنظام السابق غير آخذين في الاعتبار مطلب الجماهير الشعبية المساندة لطليعة شباب ثورة يناير2011 بمجتمع اكثر عدلا وبالقضاء علي مسببات الفقر والبطالة والإقصاء الناجمة عن سياسات إقتصادية هي أساس المشكلة! أين إذن مكمن الخطأ؟

أولا: النمو المرتفع في سنوات ما قبل الثورة اعتمد علي الاقتراض الكثيف من قبل الحكومة والمؤسسات العامة والخاصة نتيجة تدني مستوي الادخار الوطني(13% من الناتج الاجمالي مقابل حوالي40% في الهند والصين) وكما ان الاستثمار الاجنبي المباشر الذي تم تشجيعه لسد الفجوة جاء في معظمة في صناعات تجميع أو للاستفادة من اتفاقية الكويز لدخول السوق الامريكية أو في صناعات وخدمات موجهة للاستهلاك المحلي, وانحصرت صادراتنا للمنافسة في سوق القيمة المضافة المنخفضة لا العالية التي تتحقق من خلال المعرفة والتكنولوجيا والزيادة المطردة في الانتاجية, واعتمد هيكل الصناعة المصرية بقدر كبير علي نسب أعلي من المكون الأجنبي عن المحلي مما يعني انه كلما زاد إنتاجنا وارتفع النمو زادت الفجوة في الميزان التجاري وزاد الضغط علي سعر صرف العملة الوطنية ولولا الايراد الريعي من تحويلات المصريين في الخارج وعائدات قناة السويس والسياحة لتدهور سعر الجنية منذ بداية الالفية.

ثانيا: بالاضافة الي ذلك ونتيجة اعفاء الارباح المحققة في البورصة من الضرائب ـ بينما العمل المنتج خاضع للضريبة ــــــ تحول هذا الكيان الاقتصادي المهم الي مرتع للمضاربة ولخروج الاموال ولتكوين ثروات ورقية مصطنعة وكان الأجدي النظر الي تجارب العالم حولنا فالصين مثلا لم تتأثر بازمة جنوب شرق أسيا في عام1997 لانها ورغم فتح الباب واسعا امام الاستثمار الاجنبي المباشر لبناء المصانع وايجاد فرص عمل فانها لم ترحب بالاموال الساخنة لادراكها انها تجلب معها عدم الاستقرار المالي ولا تحقق تنمية حقيقية والتجارب كثيرة في هذا المضمار والتي تؤكد ان الدول التي حققت نموا مستداما والتي جذبت معظم الاستثمار الاجنبي المباشر في العالم هي التي تدخلت بضوابط علي تدفقات الاموال الداخلة والخارجة.

ثالثا: فإن استراتيجيتنا لم تحقق التوازن السليم بين الدولة والسوق وهو التوازن الذي يؤدي الي جودة النمو, فالأسواق هي وسيلة وليست هدفا, حيث أن الهدف الاساسي هو تحقيق مستويات عالية من المعيشة للمواطنين, وعليه فالمسئولية تقع علي عاتق الحكومة للعمل في ساحة الاقتصاد لتمكين التشغيل الكامل للقوي العاملة من خلال المشروعات العامة كثيفة العمالة, فالإسواق وحدها غير قادرة علي ذلك وبل لعل أهم إخفاق للسوق في أدبيات الاقتصاد يتعلق بجزئية التشغيل الكامل, ولا يمكن النظر الي البطالة علي كونها مجرد نسب أو ارقام احصائية لاننا بهذه الطريقة ننزع الجانب الانساني الخاص بحق المواطن في العمل والامل, وبالتالي فان القرار الاقتصادي للاختيار بين نسب للبطالة مقابل التضخم هو قرار سياسي لا يترك لتكنوقراط البنك المركزي وحدهم, وفي السويد علي سبيل المثال فان إتحاد العمال ممثل في مجلس ادارة البنك المركزي وأما في الولايات المتحدة فميثاق البنك المركزي الفيدرالي لا يكتفي فقط بدور البنك في تحقيق استقرار الاسعار وبل ايضا في تحفيز النمو والتشغيل بينما يركز قانون البنك المركزي عندنا علي استقرار الاسعار فقط أي تحقيق نسبة منخفضة من التضخم دون الاشارة الي نسبة منخفضة من البطالة!

إن تحديات المرحلة تتطلب رؤية إقتصادية بديلة تؤسس علي حقيقة أوضاعنا وتأخذ العبرة من تجارب الآخرين ودروس السنوات الماضية, وتتبني أجندة للعدالة الاجتماعية تتمحور حول, الفرص المتكافئة للنشء في التعليم الجيد, وفرصة عمل لكل مواطن من خلال سياسات ماكرواقتصادية للتشغيل الكامل وايضا لحماية العمل فالدول التي تتمتع بكفاءة عالية في اداء الاسواق مثل السويد هي التي لديها أفضل حماية للعاملين, كذلك إصلاح الحركة التعاونية وهيركيزة مهمة لتوازن الاسواق ولتحقيق التكافؤ, ففي السويد مرة أخري علي سبيل المثال لاتقل كفاءة محال البقالة والجزارة التعاونية عن مثيلتها الخاصة, وتلعب التعاونيات الزراعية في كل انحاء العالم الدور الأهم في التمويل والتسويق, فتسويق المنتجات في اعتي الدول الرأسمالية وهي الولايات المتحدة تسيطر عليه التعاونيات.

بقلم: 
شريف دلاور
المصدر: 
الاهرام 30-4-2013