أم الرشراش: عنوان مرحلتين

أم الرشراش: عنوان مرحلتين

لم يكن الاستيلاء على ام الرشراس واحتلالها فى عام 1949م تغييرا لهوية المكان حضاريا وجغرافيا ،كما لم يكن تاسيسا لنقطة جديدة فى الصراعات الاستراتيجية الحديثة فقط ،بل هو جاء استمرارا لصراع استراتيجى حول مكان ذو بعد استراتيجى منذ قديم الصراعات الاستراتيجية بين المسلمين وأعدائهم.

لولا استيلاء الكيان الصهيوني على أم الرشراش واحتلالها في عام 1949م ، ما كان لهذا الكيان وجود في البحر الأحمر أو على البحر الأحمر أو فيما بعد البحر الأحمر، ولكان مطوقاً -إلا من البحر الأبيض بأرض عربية شمالاً وجنوباً وشرقاً، ولما توافرت له فرصة النفاذ إلى شرق أفريقية تحالفاً مع أريتريا أو تغلغلاً في أثيوبيا وكينيا، ولما توافر له مكاناً للمرور المباشر إلى الهند بما جعله دولة بحرية تمد نفوذها إلى المحيط الهادي مروراً من البحر الأحمر وعبره، ولما كان لديه ميناء على البحر الأحمر يوفر له مرور نحو 40 % من صادراته ووارداته، ولما كان هناك فاصل جغرافي بين مصر والأردن والسعودية ولا بين الدول العربية الإسلامية في أفريقيا ونظيرتها في القارة الآسيوية، ولظل البحر الأحمر نقطة قوة عربية آمنة مؤمنة داعمة للأمن القومي العربي بعيداً عن الاختراق الصهيوني.

ولولا استيلاء الكيان الصهيوني على أم الرشراش في عام 1949م، لما كان هناك ضغط صهيوني على قناة السويس بحرياً، ولما كانت خطة حرب أكتوبر 73 قد أجهدت نفسها في سد منفذ البحر الأحمر عند مضيق باب المندب، ولما كانت هناك إمكانية سهلة لدى هذا الكيان للذهاب هناك إلى أريتريا لدعمها في احتلال جزر حنيش -عند مضايق باب المندب – ضد اليمن، ولما كان له من بعد أن يسعى ويمتلك غواصات دولفين الألمانية الصنع القادرة على حمل رؤوس نووية تذهب من البحر الأبيض وتعود من الأحمر، ما سحة مناطق عربية وإسلامية في جنوب المتوسط وفي البحر الأحمر كله.

ولولا احتلال أم الرشراش لما كان هناك خطان ومجريان مائيان تعمل عليهما الاستراتيجية الصهيونية بشكل متوازٍ لحصار مصر والسودان، أحدهما الشريان البحري عند باب المندب نقطة الفصل الاستراتيجى فيه، وثانيهما شريان نهر النيل وبوابته دولة جنوب السودان التي تخطو الخطوات الكبرى لإقامتها حالياً، وكليهما نقطة الالتقاء فيه أثيوبيا (وجزئها الذي استقل عنها بأيدٍ صهيونية -أريترية)،حيث يجتمع الضغط من النيل (80 % من مياه النيل من الهضبة الأثيوبية ) ومن البحر الأحمر عبر أريتريا التي هي الوحيدة غير النضوية تحت الجامعة العربية (في ظل توجهات أفورقى ) بما لها وجود على البحر الأحمر.

ولولا استيلاء الكيان الصهيوني على أم الرشراش، لما أصبح هذا الكيان من خلال سفنه وغواصاته ومن خلال القواعد في أريتريا أقرب ما يكون من مناطق وجود النفط وضاغطاً عليها.

ولولا احتلال الكيان الصهيوني لأم الرشراش في عام 1949م، لما كانت هناك إمكانية من الأصل للتفكير في الخطة الصهيونية لوصل البحرين الأحمر والميت، وإلى جوارها خط حديدي، ولما كانت هناك إمكانية للتفكير في مشروع إنشاء قناة فاصلة بين رفح المصرية ونظيرتها الفلسطينية وبعمق 25 متراً (بزيادة 8 أمتار عن عمق قناة السويس) وبطول 4 كيلو مترات هي المسافة الفاصلة بين أم الرشراش على البحر الأحمر إلى رفح على البحر الأبيض، والتي هدفها الحقيقي إنهاء تفرد قناة السويس كممر مائي، وبقدرة على تمرير الناقلات العملاقة !

أم الرشراش تاريخ الوعي الاستراتيجي!

لم يكن الاستيلاء على أم الرشراس واحتلالها في عام 1949م تغييراً لهوية المكان حضارياً وجغرافياً، كما لم يكن تأسيساً لنقطة جديدة في الصراعات الاستراتيجية الحديثة فقط ، بل هو جاء استمراراً لصراع استراتيجي حول مكان ذو بعد استراتيجي منذ قديم الصراعات الاستراتيجية بين المسلمين وأعدائهم. إذ سعى الغازي دوماً للسيطرة على أم الرشراش –والتسمية تعود إلى اسم قبيلة عربية ضربت في المكان منذ القدم - لقطع طريق و ممر الانتقال داخل الدولة الإسلامية من شمال أفريقيا إلى الأراضي الحجازية وإلى الشام عبر البر من البحر الأحمر. كانت أم الرشراش هي نقطة التقاء الحجاج المصريين والشوام، وكانت سوقاً تجارياً ذو طبيعة خاصة في ذلك الزمان برمزياته الدينية المحفورة في التاريخ، فكانت نقطة صراع استراتيجي.

في أيام الحروب الصليبية لم يغفل الصليبيين عن احتلالها مرتين، وفي الأولى أخرجهم منها صلاح الدين الأيوبي وفي الثانية أخرجهم منها الظاهر بيبرس، كانت أذن نقطة صراع استراتيجي منذ أيام الحروب والاعتداءات الصليبية على الدولة والأمة الإسلامية ومن ثم لم يكن احتلال الشام مناسبة لمقولة الجنرال الغربي "ها نحن عدنا يا صلاح الدين "، بل كان احتلال أم الرشاش مناسبة مماثلة بعد عام 1949م على يد دايان.

والفارق بين المرحلة القديمة من احتلال أم الرشراش خلال الدولة الإسلامية، وتلك المرحلة التي تم احتلال أم الرشراش خلالها ( عام 1949م)، إن الوعي الاستراتيجي لدى القيادة المسلمة الشجاعة كان وافراً في المرحلة الأولى، بينما كانت الغفلة الاستراتيجية ولعبة الدولة القطرية حاضرة في عام 1949م لتوقع وتثبت مجدداً كم من الجرائم ارتكبت من خلالها، حيث ضاعت أم الرشراش في داخل دوامتها، ففي الوقت الذي شدد فيه بن جوريون على دايان أن يستولى على أم الرشراش بوعي يعود إلى خبرات الحروب الصليبية، كانت أم الرشراش تبحث عن مكانها ومكانتها بين الدول العربية، إذ كانت في ذاك التاريخ بيد القوات الأردنية التي منحت إياها في إطار التنسيق بين الجيوش العربية خلال حرب عام 1948م فأخلتها تلك القوات تحت ضغط الجيش الصهيوني دون أن يتدخل الجيش المصري لإنقاذها.

احتج الأردن لدى الدكتور بانش (السكرتير العام للأمم المتحدة ) كما تقدمت مصر باحتجاج رسمي نتج عنه اجتماع بين قائم مقام مصري ودايان انتهى إلى الفشل، فترسخ الفشل إلى يومنا هذا يوماً بعد يوم !

غاب الوعي الاستراتيجي، ولعبت الدولة القطرية دورها –من تسلمها مؤقتا ومن هي جزء من جسد بلده وأمته وتاريخه -وتكرس الفشل من عام إلى عام، ولم يأت للأمر ذكر رسمي إلا في عام 1997م على لسان (الرئيس المصري) حسنى مبارك الذي وصفها بأرض مصرية محتلة. . وكفى !

أم الرشراش بين استراتيجيتين!

احتلها الكيان الصهيوني، وتغير اسمها إلى ايلات، فبدأت من أم الرشراش مرحلة استراتيجية جديدة، إذ كانت تلك المدينة البحرية الصغيرة عنواناً لكل الصراع الاستراتيجى.

فباستيلاء الكيان الصهيوني على أم الرشراش لم يعد البحر الأحمر بحيرة عربية وإسلامية على المستوى الاستراتيجى من أوله عند منطقة طابا والعقبة الأردنية، بل هو أصبح "بحيرة دولية " بالمعنى الدولي "الكامل" في أرض الواقع، فبوجود الكيان الصهيوني على ساحله أصبح البحر الذي تترامى على أطرافه الحدود السعودية والمصرية والسودانية واليمنية و الأردنية، بحراً يحق للكيان الصهيوني المرور منه وإليه، و تحول البحر الأحمر إلى ساحة صراع من أوله عند "أم الرشراش طابا العقبة" إلى مضيق باب المندب، بدلاً من أن يكون نقطة أمان عربي، ومنه نفذ الكيان الصهيوني ليس فقط إلى نفوذ على ساحل أفريقيا الشرقي –في بلاد إسلامية -وباب المندب بل أيضاً إلى المحيط الهندي، حيث جرت محاولة بناء التحالف الصهيوني الهندوسي !

وبسبب الوجود الصهيوني في هذه النقطة على البحر الأحمر ، كان لابد أن تشمل خطة حرب أكتوبر على غلق باب المندب بديلاً من التركيز البحري على السواحل الصهيونية على البحر الأبيض وحدها، ومن بعدها أدرك الصهاينة المغزى الاستراتيجى لأهمية المكان وامتداده الاستراتيجى بشكل أوثق، فانطلقوا لبناء قواعد عند باب البحر الأحمر أو باب المندب فكانت القواعد الصهيونية في اريتريا والدفع الصهيوني لأريتريا لاحتلال جزر حنيش.

وأبت أم الرشراش إلا أن تجدد أهميتها وخطورة ما حل بالوضع الاستراتيجى لأمتنا بسبب ضياعها، بسبب ما يطرح الآن من مشروعات للانطلاق من الرشراش إلى تطوير وضع الكيان الصهيوني. في المرحلة الأولى من الاحتلال الصهيوني لأم الرشراش، جرى الانطلاق منها إلى الخارج لتحقيق الاستراتيجية الصهيونية وإفقاد الأمة أوراق قوتها الاستراتيجية في المحيط (من البحر الأحمر إلى ساحل أفريقيا بدوله الإسلامية إلى الهند إلخ )، وجاء ذلك ضمن الخطة الصهيونية –خطة بن جوريون -بتطويق المنطقة العربية بحصار من الخارج يسير خطه من تركيا إلى إيران إلى أثيوبيا ويلتف منها إلى داخل أفريقيا، لمواجهة الحصار العربي للكيان الصهيوني من خلال دول الطوق، وفي المرحلة الحالية يجرى الانطلاق من أم الرشراش باتجاه ترسيخ الوجود الصهيوني وتدعيمه استراتيجياً على حساب دول الطوق.

في المرحلة الأولى بعد الاستيلاء على أم الرشراش جرى الانطلاق منها إلى الخارج عموما باتجاه شرق أفريقيا إلى الهند وإلى المحيطات فكانت فكرة القواعد العسكرية في أريتريا وأثيوبيا وكان التحالف الاستراتيجي مع الهند إلخ. وفي المرحلة الراهنة يجرى الانطلاق من أم الرشراش إلى تدعيم وتعظيم القدرات الاستراتيجية للكيان الصهيوني على حساب دول الطوق من خلال مشروعات من داخل الأرض المحتلة ذاتها، وهنا يأتي مشروع قناة البحر الميت لإنهاء فكرة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة في عام 1967م ويأتي مشروع مد خط حديدي مجاور لتلك القناة لتتحول منطقة البحر الميت إلى منطقة سيطرة اقتصادية على الأردن، ولتكون حتى الدولة الفلسطينية المزعومة محاطة داخل مجارى جغرافية واقتصادية، كما تأتى قناة البحرين الأبيض والأحمر من أم الرشراش إلى رفح لإنهاء الوجود المستقل لغزة أيضاً ولضرب القدرات الاستراتيجية لمصر ولكي يصبح الكيان الصهيوني في الوضع المسيطر اقتصادياً في الشرق أوسطية، وهى كلها مشروعات يستعد من خلالها الكيان الصهيوني للسيطرة على المنطقة من خلال مشروع الشرق أوسطية.

وهكذا، كانت تلك الخطوة "الصغرى " بالاستيلاء على مدينة أم الرشراش، عنواناً للغفلة الاستراتيجية العربية، وتعبيراً عن الامتداد الاستراتيجى للحروب الصليبية ودروسها، لكن من قبل الصهاينة لا من قبلنا نحن.

بقلم: 
طلعت رميح
المصدر: 
موقع المسلم