تخويف الخلق بآيات الترهيب ليعلموا: أن الله تعالى هو الملك ونحن عبيده .. أرقاؤه .. ملكه سبحانه .

من خرج عن مقتضى العبودية عليه أن يلقى جزاء مخالفة الملك وليس للعبد الخروج عن طوع سيده .. ولا مخالفته .. وعليه أن يقف على قدم الخدمة له سبحانه يأتمر بأمره وينتهي عن نهيه فيفعل ما يؤمر، بل وأفضل من هذا ألا يفعل إلا بأمر.

فإنه متقلب في نعمـه يُغذى ويُطعم ويُسقى ويُستر وتُلبى حاجاتـه من قِبَل سيـده الكريـم القاهـر.
وطالما أننا عبيد مأمورون .. أرقاء .. ملك ربنا فليس لأحد الخروج عن الطاعة، فإن كنا أحرارًا بين الخلق فلسنا أحرارًا أمام رب العالمين .. بل عبيد وإماء مملوكون.
ومن يخرج عن طوع سيده ويخالـف أمره فليعلم أن هناك جزاء وعقاب مترتب على عمله أو على عدم عمله بما أُمر.
أنت تفعل وترتكب وتمضي .. ولكن هذه الأفعال لها مسئولية ولو لم تقدرها فهي موجودة ومحسوبة، وستلقاها.
تهتم الملائكة الكرام الكاتبون بأعمالك ونتائجها وآثارها حتى بعد موتك .. حتى لو لم يكن في حسبانك كل هذا الأثر لكنه عملك وأثرك.
فإن عملت غافلاً عن الجزاء وارتكبت .. فهو موجود حتمًا ستلاقيه شئت أم أبيت.
نحن عبيد وهناك ملك ..
فليعلم العبيد أنهم لا يخرجون عن قبضة سيدهـم .. وأنه عند المخالفة فالملك يعاقب ويجازي .. فمن يتمادى اغترارًا بالإمهال الرباني والحلم والصبر فلا يظن الحلم والصبر نسيانًا ولا يظن نفسه سيتساوى مع القانت القائم المطيع.
فالعبد الآبق، عندما يخالف مولاه لابد أن يعلم مغبّة المخالفة، وأن يعلم أنه لم يكن حرًا في تصرفاته بل كان محكومًا بشريعة تخاطبه، وكونه أعرض أو نسى أو تناسى أو ولاها ظهره وظن أن الأمر سيمر كأن لم يفعل وأنه سيسوَّى بينه وبين من استجاب واستقام على أمر ربه أو أن يفضل عليه تبعًا لما أكرم أو أعطى في الدنيا، فليعلم أن هناك مغبة لما يفرط ولما يفعل عن كل حركة أو قول أو فعل، أو ترْك وعدم فعل أحيانًا حينما يكون مأمورًا ولا يفعل ..
* *  *
ومما يذكر في هذا السياق كشعور بمعنى العبودية ومعنى العبد المقيَّد بإذن سيده تعالى ما ورد من توبة بشر بن الحارث الحافي:
«.. وحكي أن بشرًا كان في زمن لهوه في داره وعنده رفقاؤه يشربون ويطيبون فاجتاز بهم رجل من الصالحين فدق الباب فخرجت إليه جارية فقال: صاحب هذه الدار حر أو عبد؟. فقالت: بل حر. فقال: صدقت لو كان عبدًا لاستعمل أدب العبودية وترك اللهو والطرب. فسمع بشر محاورتهما فسارع إلى الباب حافيًا حاسرًا وقد ولى الرجل فقال للجارية: ويحك من كلمك على الباب. فأخبرته بما جرى فقال: أي ناحية أخذ الرجل. فقالت: كذا فتبعه بشر حتى لحقه فقال له: يا سيدي أنت الذي وقفت بالباب وخاطبت الجارية. قال: نعم. قال: أعد عليّ الكلام فأعاده عليه فمرغ بشر خديه على الأرض وقال: بل عبد عبد ثم هام على وجهه حافيًا حاسرًاحتى عرف بالحفاء فقيل له: لم لا تلبس نعلاً؟ قال: لأني ما صالحني مولاي إلا وأنا حاف فلا أزول عن هذه الحالة حتى الممات»([1]).
* * *



([1])التوابين، جـ 1، ص 210، المؤلف: عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي أبو محمد.