جنرال يحلم بتكرار السيناريو المصري

جنرال يحلم بتكرار السيناريو المصري

جنرال آخر يحلم بسرقة الثورة، وتسويق سلسلة طويلة من الأكاذيب الملتبسة، واضعًا جميع معارضيه (إخوان مسلمين، وسلفيين، القاعدة، الجيش، العشائر، الثوار..) في خندق واحد حتى يسهل الانقضاض على الثورة الجريحة.

وربما يكون تحقيق هذا الحلم مستحيلًا في ليبيا، أو على الأقل غير قابل للنجاح الكامل؛ لأن الشعب الليبي مسلح بالكامل، ولا يكاد يخلو بيت من وجود مسدس أو "رشاش" أو "آر.بي.جيه" وحتى صواريخ، وجميع أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة منتشرة في الشوارع، والحديث يدور على 22 إلى 25 مليون قطعة سلاح يتداولها الليبيون، والبلاد على شفا حرب إهلية لن ينقذها انقلاي عسكري طامح للسلطة.

وهي المحاولة الثالثة للواء المتقاعد خليفة بلقاسم حفتر للإطاحة بالسلطات الحاكمة في بلاده ليبيا؛ فقد سبق أن فعلها إبان حكم معمر القذافي، وكررها قبل أشهر في عهد حكومة علي زيدان قبل أن يعيد المحاولة أخيرًا بسيناريو آخر تشتم من خلفه رائحة المال السياسي العربي، وبنفس الرائحة التي غمرت الأثير المصري.

ورغم أن الثورة الليبية اختارته لقيادة جيش المعارضة لخبرته العسكرية السابقة، فقد أشيع آنذاك أن الدافع الرئيسي لعودته إلى ليبيا والمشاركة في الحرب ضد القذافي هو بغضه الشخصي للقذافي، ورغبته الدائمة للانتقام منه؛ بسبب رفضه مساعدته في الحرب التشادية، ما أدى إلى أسره وآخرين، ثم إقامته في أمريكا لعقدين من الزمن.

فترة المنفى الاختياري التي أمضاها حفتر في أمريكا كانت فترة غامضة، ولا توجد تفاصيل أو أية معلومات حولها، وتغلفها علامات السؤال والاستفهام؛ إذ من غير المفهوم ما العمل الذي كان يمارسه حفتر هناك، وما هو مصدر رزقه، ويتهمه منافسوه بأنه كان مجندًا من قبل الاستخبارات الأمريكية "سي أي إيه"، وهو ما لم يتأكد حتى الآن.

يتهم حفتر -المولود عام 1949، وينتمي إلى قبيلة الفرجاني الليبية- بأنه ينفذ أجندة خارجية، وبأنه يسعى إلى استنساخ السيناريو المصري، والنتيجة النهائية لتحركاته العسكرية هي إقصاء الإسلاميين، وتحديدًا الإخوان المسلمين من المشهد السياسي الليبي، تحت ستار محاربة "الجماعات الإرهابية" المنفلتة في ليبيا، ضمن سيناريو إضعاف القوى السياسية الوحيدة المنظمة في المنطقة العربية.

أمضى حفتر -خريج الأكاديمية العسكرية ببنغازي الذي تدرب في الاتحاد السوفييتي السابق- العشرين سنة الأخيرة من عمره في الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن انشق عن القذافي في التسعينيات من القرن الماضي.

كان حفتر في السابق قائدًا عسكريًا قريبًا من القذافي، وكان عضوًا في مجلس قيادة الثورة بعد انقلاب عام 1969 الذي أطاح بنظام الملك إدريس السنوسي، وكان معروفًا آنذاك بميوله الناصرية مثل أغلب مجموعة الضباط الوحديين الأحرار التي شكلها القذافي عام 1964. وتذكر بعض المصادر أن حفتر شارك في الحرب العربية- الإسرائيلية في تشرين الأول عام 1973، ضمن مساهمة الجيش الليبي فيها.

شهر العسل بين حفتر والقذافي لم يدم طويلًا؛ إذ ما لبث أن انقلب حفتر على القذافي بعد اشتعال الحرب في تشاد جنوب ليبيا في أواخر الثمانينيات، وكان القذافي قد شكل تحالفًا مع حكومة جوكوني عويدي التي سمحت لليبيا بالسيطرة على القطاع، ثم أطاحت بها قوات حسين حبري الذي كان مدعومًا من قبل "سي أي إيه" والقوات الفرنسية.

ووفقًا لتقارير دولية، فقد دعمت واشنطن حبري في تحد واضح للقذافي، وشهدت الفترة التي أعقبت انقلاب حبري اشتباكات متكررة بين الجيش الليبي وقوات الحكومة التشادية، والقوات التابعة للاستخبارات الأمريكية والفرنسية.

وفي آذار عام 1987، تم اعتقال مجموعة مكونة من 600 إلى 700 جندي ليبي وقائدهم حفتر، وقد تخلى القذافي عن حفتر بعد أسره، وقيل إن سبب تخلي القذافي عنه هو خشيته من انتصار حفتر، وعودته إلى ليبيا منتصرًا؛ ما يهدد مستقبله.

على أثر ذلك، انشق حفتر عن القذافي، وشكل كيانًا معارضًا هو "الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا"، ثم "الجيش الوطني الليبي" الذي مثل الجناح العسكري للمعارضة.

وكان حفتر قد بدأ في التجهيز لغزو ليبيا قبل نفيه إلى الولايات المتحدة مع الكثير من أعضاء جيشه؛ ففي عام 1990 ساعدت القوات الفرنسية في الإطاحة بحبري، وجاءت بإدريس ديبري خليفة له، وكان الرئيس الأمريكي رونالد ريغان قد تبنى عام 1991 قوات حفتر التي تم تدريبها من قبل الاستخبارات الأمريكية على التدمير ومهارات حرب الشوارع في قاعدة بالقرب من العاصمة التشادية، وكانت تسعى استراتيجية ريغان للإطاحة بالقذافي.

حاول القذافي بعد سقوط حبري استعادة رجال حفتر، لكن ديبري سمح للأمريكيين بنقلهم جوًا إلى زائير، وهناك تم السماح للمسؤولين الليبيين بالتواصل مع المجموعة، واقتنع بعضهم بالعودة إلى ليبيا، ولكنّ آخرين رفضوا خوفًا على حياتهم، وعندما فشلت مساعي إرسال دعم مادي أمريكي للحكومة الزائيرية في مقابل استضافتها المنشقين الليبيين، تم نفيهم إلى كينيا، ثم نُقلوا إلى الولايات المتحدة حيث التحقوا هناك ببرنامج للاجئين، وتلقوا مساعدات مالية وطبية ودروسًا في اللغة الإنجليزية، وتم توزيعهم على الولايات الأمريكية المختلفة.

في آذار من عام 1996، عاد حفتر إلى ليبيا، وشارك في انتفاضة مسلحة ضد القذافي، انتفاضة لا يتوفر الكثير حول تفاصيلها، وذكرت تقارير صحفية آنذاك أن اضطرابات وقعت في جبل الأخضر شرق ليبيا، وأن قوات معارضة مسلحة انضمت إلى السجناء الهاربين في انتفاضة ضد الحكومة، وأن قائدهم هو اللواء حفتر.

واختفى حفتر عن المشهد كليًا ليعود مع الثورة الليبية ضد القذافي ضمن "الربيع العربي"، وبعد انتصار الثورة، عين حفتر قائدًا لسلاح البر من قبل المجلس الوطني الانتقالي الذراع السياسي للثوار، وأصبح تحت إمرته الكثير من الضباط السابقين الذين انشقوا عن جيش النظامي الليبي.

لكن السلطات الليبية الانتقالية لم تكن تثق به ثقة تامة؛ حيث كانت ترى فيه عسكريًا طموحًا طامعًا في السلطة، وكانوا يخشون أن يقيم في النهاية نظامًا عسكريًا مستبدًا جديدًا، وكانت بين حفتر واللواء السابق عبد الفتاح يونس منافسة محمومة، واغتيل يونس الذي انشق عن القذافي في تموز عام 2011 في ظروف لم تتضح ملابساتها حتى الآن.

وبقي حفتر يحظى بدعم تام من الجنود السابقين في الجيش الليبي.

بعد أن أقصي لفترة قصيرة، عاد حفتر إلى المشهد الليبي في صباح الرابع عشر من شباط عام 2014 فقد ترددت أنباء حول قيامه بتحرك عسكري أعلن من خلاله إيقاف عمل المؤتمر الوطني (البرلمان)، كما انتشر فيديو على "يوتيوب" يشرح فيه حفتر طبيعة هذا التحرك الذي لا يمكن وصفه حسب تعبيره بـ"الانقلاب العسكري"، وإنما هو "استجابة لمطلب شعبي شغل الشارع الليبي من أسابيع بإيقاف تمديد عمل المؤتمر الوطني".

ومنذ أيام، تعيش مدينة بنغازي حالة من التأهب والاستعداد لمواجهة بين قوات من الجيش، مدعومة بمسلحين من المدينة، وبين قوات حفتر في الوقت الذي استنكرت فيه الحكومة الليبية المؤقتة اللجوء إلى السلاح لحل المشاكل السياسية.

وطالبت الحكومة الجميع بالتوقف فورًا عن استخدام الترسانة العسكرية التي يمتلكها الشعب الليبي للاقتتال، ودعت كل الأطراف إلى العمل تحت غطاء الشرعية، واتباع نهج "التعقل والحوار، والمصالحة الوطنية، والتمسك بأهداف ثورة 17 فبراير".

وفي الوقت الذي شكل فيه رئيس الوزراء الجديد أحمد معيتيق حكومة جديدة، كان حفتر يعيد تنظيم قواته لاستئناف حملته على مجموعات إسلامية في بنغازي يصفها بأنها "إرهابية". وهو هجوم جرى التحضير واستعداد له منذ الأسابيع التي سبقت اشتباكات بنغازي؛ ذلك أن هجوم حفتر في بنغازي مدعوم بجهود متعددة الجنسيات.

وفيما أعلن عقيد موالٍ لحفتر تجميد عمل المؤتمر الوطني العام، "وكف يده عن ممارسة أي أعمال أو تصرفات تتعلق بسيادة الدولة وتشريعاتها وإداراتها"، فقد تقرر تكليف لجنة الستين لصياغة الدستور "بالقيام بالمهام والاختصاصات التشريعية في أضيق نطاق ممكن"، وذلك إلى جانب الاختصاصات الرقابية.

وتشبه هذه الخطوة ما قام به الجنرال السيسي بمصر، حين أوقف العمل بالدستور وقام بصياغة دستور جديد، وأوقف أعمال مجلس الشعب المنتخب انتخابا ديمقراطيًا، وأسقط الحكومة الشرعية.

وتقول تقارير صحفية إن الجيش المصري يقيم معسكرات تدريب لشباب ليبيين من أنصار حفتر، ويشارك فيه أكثر من خمسة آلاف شاب ليبي من أنصار حفتر، والمعارض الليبي المقيم في الإمارات العربية المتحدة محمود جبريل؛ بهدف زعزعة الاستقرار في ليبيا، واستخدام الفوضى الأمنية لتبرير الطعن في الشرعية، والانقلاب على المسار الديمقراطي.

ومن بعيد تبدو "سي آي إيه" و"البنتاغون" سعداء بالعمليات العسكرية التي يقوم بها حفتر، ويظهر هذا من خلال تحليق طائرات الاستطلاع في الأجواء اللييبة، وتراقب الولايات المتحدة بحذر صعود "الجماعات المتطرفة"، واختطاف السفير الأردني الذي أطلق سراحه بعد إطلاق الأردن سراح الليبي الدرسي المتهم بالتخطيط لهجمات إرهابية في الأردن.

الغرب لا يمانع بحروب الوكالات، وعندما يجد قوة تنوب عنه فيما تسميه "الإرهاب"، فإنه يستفيد منها، لكنه ينتظر ما إذا كانت ستنجح في ذلك أم لا، وإلا فإنه لا يملك إلا أن يجبرها على الحوار، وهذا هو حال حفتر.

وليت الأمر يتعلق بحرب على "الإرهاب"، وترتيب "الفوضى"، وتصحيح مسار الثورة، فأمر مثل هذا مطلوب من الجميع ، لكنه يحتاج إلى حوار وطني مع القوى السياسية ومع الشرعية، وليس عبر انقلاب على الأرض للانقضاض على الثورة وإعادة استنساخ لحكم العسكر.

بقلم: 
علي سعادة
المصدر: 
السبيل