عن العبادة والعلم والتمكين

عن العبادة والعلم والتمكين

عبادة الله ليست حلّا لمشكلات المسلمين وأزماتهم المعاصرة. عبادة الله غاية وجود المسلم في هذه الأرض، وممارسة يقوم بها في شتّى مجالات الحياة، وهي تقتضي -من بين ما تقتضي- أن يفكّر ويضع الخطط ويبذل الجهود ويعمل وينفّذ ويتحاشى المخاطر ويتفاعل مع الواقع ويتحرّى الصواب… تقتضي أن يقوم بجميع ذلك وغيره في سبيل حلّ مشكلات المسلمين وأزماتهم.

العبادة بذاتها “هدف” وليست “حلّا “..

والحلول – باعتبارها ممارسة بشرية حرّة، واعية، ذات صلة، تهدف إلى تغيير واقع قائم بواقع منشود – مقتضًى لهذه العبادة.

ولذلك فمن الخطأ الظنّ بأنّ مجرّد أداء العبادة، بأيّ شكل من الأشكال، سوف يجلب الحلول؛ فالحلول لا تتولّد بشكل تلقائي ذاتي، بل تتولّد بفعل الإرادة الإنسانية الحرّة، الواعية، ذات الصلة بموضوع الواقع الذي يراد إيجاد حلّ له.

حتى لو قيل: إنّ الله قد وعد بالتمكين للمؤمنين كأمر يترتّب على إفراده سبحانه بالعبادة (انظر سورة النور: الآية 55). فالوعد موجود نعم، ولكنّه يتحقّق بجهد بشريّ يهدف إلى هذا التمكين بوسائل واقعية؛ باعتبار أنّ التمكين سيرورة واقعية لا خيالية ولا وجدانية!

وأنا أعدُ ابني بالنجاح في امتحان العربية، شريطة أن يقوم بأداء الواجبات المدرسية -ولله المثلُ الأعلى- فإذا قام بأداء جميع الواجبات المدرسية في كافّة المواضيع خلا العربية؛ لن يكون ملتزمًا بالشرط. وإذا قام بأداء الواجبات دون أن يفهم بأنّ الدراسة الذاتية قبل الامتحان من ضمن هذه الواجبات المدرسية؛ فلن يكون ملتزمًا بالشرط أيضًا!

والله الذي وعدنا بالتمكين في كتابه سبحانه، هو نفسه الذي قال لنا في كتابه: “يا أيها الذين آمنوا خُذوا حذركم” {النساء:71}، وهو نفسه الذي قال لنا: “وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل” {الأنفال:60}.

فهناك أزمة إذن في الظنّ بأنّ مجرّد العبادة، بمفهومها الضيّق كشعائر تعبّدية واستقامة أخلاقية؛ هو الطريق للنصر والتمكين!

وهناك أزمة أخرى فيمن يرى أنّ “طلب العلم” وحده طريق للتمكين؛ فالعلم ضروريّ للتمكين، لأنّ العمل دون وعي وبصيرة ورؤية فاشلٌ لا محالة، ولكنّ الطبيب لا ينفعه مجرّد طلبه للعلم خلال سنوات طويلة، بل ما ينفعه – حين يريد إجراء عملية صعبة – هو حسن استخدام هذا العلم، أي إعماله في الواقع الذي يرادُ علاجه!

فالعلم مجرّدا إذن ليس طريقًا للتمكين، بل هو بمثابة “الضوء الكاشف” الذي يبدّد عتمة الطريق، وكلّ ذي لبّ يعلم أنّ هذا الضوء، مهما كان ساطعًا، ليس بمقدوره أن يحرّك ذرّة ترابٍ واحدة!

بقلم: 
شريف محمد جابر