دراسة أمريكية: الجيش المصري يجدد "إمبراطوريته الاقتصادية" بأموال الخليج

دراسة أمريكية: الجيش المصري يجدد "إمبراطوريته الاقتصادية" بأموال الخليج

كشفت دراسة أخيرة لمعهد كارنيجي الأمريكي أن المؤسسة العسكرية المصرية تمكنت من إعادة بناء "إمبراطوريتها الاقتصادية" بفضل مساعدات خليجية فاقت العشرين مليار دولار، وقالت إن الجيش المصري اكتسب نفوذاً غير مسبوق منذ أن أشرف على إطاحة رئيسَين مصريَّين، هما حسني مبارك في العام 2011 ومحمد مرسي في العام 2013. ومع تهميش أبرز المنافسين السياسيين، والحصول على مايزيد عن 20 مليار دولار من المساعدات الخليجية ودعم محلي واسع النطاق للمشير عبد الفتاح السيسي الذي أصبح رئيساً، استأنفت القوات المسلحة المصرية عملياتها الصناعية المتهالكة، وضمنت السيطرة على مشاريع البنى التحتية الضخمة، وأدخلت جنرالات إلى مناصب الحكم كافة تقريباً. لكن التمدّد الزائد للنفوذ السياسي والخصومات الداخلية، قد يشكلان عقبة في وجه سيطرة القوات المسلحة المصرية على المدى الطويل"

وأكدت الدراسة التي أعدتها شانا مارشال، وهي مديرة مساعدة لمعهد دراسات الشرق الأوسط، وباحثة عضو في كلية إليوت للشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، ان القوات المسلحة المصرية أتمت عملياتها الصناعية المتهالكة، وضمنت السيطرة على مشاريع البنى التحتية الضخمة، وأدخلت جنرالات إلى مناصب الحكم كافة تقريباً. لكنها اعتبرت ان التمدّد الزائد للنفوذ السياسي والخصومات الداخلية، قد يشكلان عقبة في وجه سيطرة القوات المسلحة المصرية على المدى الطويل.

* ومما خلصت إليه الدراسة:

- منذ الانتفاضة التي أطاحت مرسي، أثبتت القوات المسلحة المصرية أنها الحَكَم الأخير في النظام الاقتصادي والسياسي في مصر.

- أصبحت القوات المسلحة المصرية المُشرِف والمُراقِب الأول على الاقتصاد المصري، من خلال حماية الأصول الإستراتيجية لشركائها الاستثماريين الأساسيين في حقبات الاضطراب، والسيطرة على عملية مناقصات المشتريات الحكومية الأساسية.

- أذعنت حكومة الإخوان المسلمين التابعة لمرسي إلى العديد من المطالب الأساسية للقوات المسلحة المصرية. لكن الاتفاق المؤقّت سقط عندما حاول مرسي تهميش الجيش في المشاريع الكبرى مثل تطوير قناة السويس ومشروع "توشكى"، وهو مشروع لاستصلاح الأراضي.

- يواصل السيسي جذب دعم واسع من المستثمرين الدوليين والحكومات الأجنبية، وخاصة من السعودية والإمارات العربية المتحدة اللتين حلّتا مكان الولايات المتحدة بصفتهما الراعيَين الأساسيَّين للنظام.

- الانقسامات في الجيش يمكن أن تطفو إلى السطح. قد يتسبّب تصاعد نفوذ حلفاء الجيش الجدد بانشقاقات كانت مغمورة، في سياق صراع الأجنحة للحصول على حصة في الحقل الاقتصادي والسياسي الجديد.

- الأدلة التي تشير إلى أن الجيش عمل في الكواليس لإثارة الاحتجاجات وإضعاف خصومه قد تُضعِف نفوذه. المعلومات التي بدأت تظهر في أواخر العام 2014 حول دور الجيش المباشر في تمويل الاحتجاجات المناهضة لمرسي، وتلاعب القيادة الواضح بالنظام القضائي والإعلام، قد تدقّ في ناهية المطاف إسفيناً بين النظام وداعميه الليبراليين.

- الديمومة المؤسّسية للجيش قد تضاهي تطلّعاته الاقتصادية والسياسية. قلق الجيش الأكبر ليس التهديد الذي يمكن أن تتعرّض إليه إمبراطوريته الاقتصادية، بل عودة الاحتجاجات واسعة النطاق ضد الحكومة. إذا اضطرت حكومة يقودها الجيش إلى الطلب من القوات المسلحة قمع الاحتجاجات عن طريق العنف، فقد يواجه هو خطر حصول انشقاق داخلي وأزمة شرعية.

- من المرجّح أن تواصل الحكومة الأمريكية مساعدتها الجيش، على الرغم من فشل البرنامج في حثّ القوات المسلحة المصرية على الإصلاح أو تحسين إجراءات مساءلتها. هذه الشراكة، التي جرى التأكيد عليها من خلال رفع الحظر الأمريكي المؤقّت على الأسلحة المقدّمة إلى مصر في آذار/مارس 2015، ستضع مسؤوليةً سياسيةً أكبر على كاهل واشنطن، في ظل تواصل العنف ضد المدنيين المصريين.

* أهم ما جاء في الدراسة:

حماية شركاء الاستثمار ومواقع الإنتاج:

أدّى الفراغ الفوري في السلطة غداة إطاحة مبارك ـ وهو فراغ رسخته عقود من قمع المعارضة وترصُّدها إلى جعل الجيش الطرف الأقوى في المعادلة السياسية. وقد زادت سيولة المشهد السياسي المصري التي تلت ذلك، القيمة المُتصورَّة للجيش كشريك استثماري إلى حدّ كبير. كما سمحت القيادة للقوات المسلحة بإرسال العديد من الإشارات إلى مستثمرين محليين، منها:

1- الجيش قادر على ضمان استمرار الحصانة إزاء الإشراف الحكومي على مؤسساته (وشركائه في العمل).

2- خلال فترات الاضطراب المُلتهبة، يوفّر الاستثمار، إلى جانب الذراع القهرية للدولة، أمناً مضافاً للأصول المُكلِفة.

3- التهميش والاضطهاد المُحتمَلان لرجال الأعمال المرتبطين بعهد مبارك، والذين تعرّضوا إلى الخزي والعار، يمكن أن يُشرّعا الأبواب والنوافذ أمام فضاء استثماري جديد، ويؤدّيا إلى إعادة بيع أصول مخصخصة سابقاً تابعة للدولة، بما في ذلك الأراضي.

أبدى العديد من الشركات والمستثمرين الدوليين استجابة لهذه الرسالة، وباتوا متشوقّين لاسترضاء الجنرالات بأمل ممارسة نفوذ على الاقتصاد في حقبة مابعد الثورة.

وكانت إحدى المحصّلات السريعة هي التكثيف السريع والتوسُّع في عقود الإنتاج المشترك للأسلحة التي وُقِّعَت في الأيام الأخيرة من عهد مبارك، وأيضاً خلال الولاية المبكّرة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة.

تعزيز المكاسب في حقبة ما بعد مرسي:

في عهد السيسي والحكومة المؤقّتة المدعومة من الجيش التي سبقته، تركَّزَ خطاب الحكومة الاقتصادي على تحسين الخدمات العامة وتوسيعها؛ وتأمين السلع الأساسية بـ»الأسعار المناسبة»:

واستئناف مشاريع البنية التحتية الأساسية، بما في ذلك استصلاح الأراضي وتوسيع النقل العام؛ وإحياء العمليات الصناعية الكبرى.

سهّلت إطاحة مرسي وتعزيز النظام العسكري الجديد قدرةَ القوات المسلحة المصرية على تحويل أموال الدولة إلى المشاريع التي لها مصالح فيها.

أحد الأمثلة على ذلك هو القرض الذي قدّمه البنك الأهلي المصري بقيمة 20 مليون دولار، في يناير 2014، لفرع من شركة ثروة للبترول Tharwa Petroleum التي يمتلك الجيش حصة مباشرة فيها.

ومع أن الشركة أجرَت القليل من الأعمال مع الدولة بين العامَين 2011 و2013، إلا أنها مُنِحَت امتيازَين كبيرَين في الحقبة قصيرة الأمد منذ مغادرة مرسي الحكم.

سهّلت إطاحة مرسي وتعزيز النظام العسكري الجديد قدرةَ القوات المسلحة المصرية على تحويل أموال الدولة إلى المشاريع التي لها مصالح فيها.

وبالمثل، ثمة مؤشرات على أن الحصص المملوكة من الدولة في شركة «فودافون مصر» ذات الأرباح المرتفعة، تُحوَّل إلى ملكية عسكرية،  الأمر الذي من شأنه أن يتيح الفرص للضباط المتقاعدين لعقد شراكات مع الشركة في مشاريع جديدة.

كما أن دعم الشركات العسكرية من خلال المصارف المملوكة من الدولة، وتوزيع العقود المرغوب فيها على شركات الضباط المتقاعدين هما ممارسة قديمة، إلا أن حدّة هذه الممارسة ستزيد على الأرجح نظراً إلى إحكام الجيش قبضته على السلطة مجدداً.

لكن مشاريع البنية التحتية تبقى المجال الذي ينطوي على الإمكانيات الأكبر لمشاركة الجيش؛ وهذه المشاريع تضمّ بشكل أساسي «توشكى» ـ أي مشروع «الوادي الجديد» لاستصلاح الأراضي ـ ومشروع توسيع قناة السويس.

والواقع أن مشروع توسيع وتنمية قناة السويس ـ الذي تتولاه اليوم بإحكام هيئة قناة السويس التي يهيمن عليها الجيش – أضحى مشروعاً طموحاً أكثر في عهد السيسي. يشمل المشروع توسيع ستة موانئ مصرية، وبناء عدد من الأنفاق والمناطق الصناعية، وحفر قناة موازية للسماح بمرور السفن في الاتجاهين. هذه القناة بدأت بحفرها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة المصرية.

وقد مُنِح عقد المخطط العام للمشروع لشركة «دار الهندسة» للاستشارات والمقاولات (المملوكة بشكل رئيس من مساهمين أردنيين ولبنانيين) ومقرّها الخليج، ولفرعها المصري «دار مصر»،  الذي يُعتقَد أن الجيش المصري شريك فيه.

فضلاً عن ذلك، أُطلِقَت مشاريع ثانوية عدة في قطاع النقل البحري، بما فيها بناء مستودع جديد، وعقود لتوفير تجهيزات ضخمة مثل زوارق السحب.

على الرغم من الحوادث المؤسفة والمحرجة التي تسبّب بها سوء التخطيط (بما في ذلك فيضان موقع حفر القناة الموازية، التي حدّد مهندس الجيش المصري موقعها قريباً جداً من القناة الحالية)، إلا أن المشروع الأوسع يحظى بشعبية كبيرة لدى المصريين.

حينما أعلنت الحكومة عن عرض تراخيص استثمار في أيلول/سبتمبر 2014 لجمع الأموال لمراحل المشروع الأوّلية، بيعَت التراخيص بالكامل في ثمانية أيام فقط ـ وجُمِعت حوالى 9 مليارات دولار. وقد حُصِرت عمليات الشراء بالمواطنين المصريين، في سياسة سعَت من دون شك إلى تذكير المصريين بأن التمويل الأجنبي الذي التُمِس لبناء القناة الأصلية في منتصف القرن التاسع عشر، كان الدافع الأساسي وراء إفلاس البلاد واحتلالها لاحقاً من قبل البريطانيين.

والاعتماد على التمويل المحلي فقط يُذكِّر بحملة بناء الدولة التي أطلقها ناصر، ويوطّد في الوقت نفسه الرابط الرمزي بين الجيش والقناة نفسها. بيد أن ثمة شركات أجنبية تنخرط في العمل الفعلي المطلوب لتوسيع القناة.

وقد أبدى أحد المدراء الأجانب إعجابه بـ»السرعة التي طُرِح بها المشروع في السوق، والسرعة التي عُرِض بها على المناقصة»،  لأنه على الأرجح لم يكن ثمة إشراف على عملية المناقصة الفعلية. لاشك في أن جوانب المشروع تبدو أنها أضغاث أحلام دكتاتورية، مثل مطلب السيسي العام بأن يحفر الجيش القناة في عام واحد، في مقابل الأعوام الثلاثة التي قدّرها المهندسون لإنهاء العمل.

توشكى والأمير الوليد بن طلال:

ويُرجَّح أن تُركِّز جهود السيسي على الأفراد الأثرياء الذين لهم مصالح واستثمارات في تلك القطاعات الأهم بالنسبة إلى الجيش، أمثال الوليد بن طلال، وهو أمير سعودي تُعَدّ شركته، المعروفة بشركة المملكة للتنمية الزراعية (كادكو مصر)، المستثمر الأساسي في مشروع «توشكى» لاستصلاح الأراضي، الذي يمتدّ إلى عقود ويهدف إلى إعادة تشكيل وادي النيل في الروافد الجنوبية في مصر.

في العام 2010، رفعت مجموعة من المحامين والمنظمات المصرية غير الحكومية دعوى ضد الوليد بن طلال، زاعمةً أن شراء شركة «كادكو» للأراضي ينتهك عدداً من القوانين المصرية، بما فيها القوانين المتعلّقة باستخدام الأراضي، وشروط العمل، والتنظيمات الضريبية، والصادرات الزراعية.

لكن حكومة المجلس الأعلى للقوات المسلحة أجّلت الدعوى في العام 2011، وطالبت بالتدخّل المباشر للعاهل السعودي الملك عبدالله في محاولة لدفع الوليد بن طلال إلى التسوية، وهذا ماحصل في نهاية المطاف، إذ أعاد هذا الأخير التفاوض حول العقد لقبول مساحة أصغر من الأراضي. لكن معارضة مشروع «توشكى» (والاتفاقات العقارية المشوبة بالفساد الناتجة عنه) لطالما كانت أداةً في يد الإخوان المسلمين لحشد التأييد لهم.

وعندما أصبح حزب الحرية والعدالة الحزب المهمين في البرلمان في أوائل العام 2012، لم يخفِ أعضاؤه معارضتهم لمواصلة المشروع. بيد أن التخلّي عن مشروع «توشكى» كان ليشكّل ضربة موجعة للقوات المسلحة المصرية، التي تمتلك عدداً من شركات المقاولات المنخرطة في جوانب مختلفة من هذه الخطة، إضافة إلى مهندسين مُدرَّبين عسكرياً يعملون لصالح مقاولين فرعيين.

وبالفعل، بعد إطاحة مرسي، أسرعت الحكومة المؤقّتة المدعومة من الجيش إلى إصدار بيانات حول التزامها المتجدّد بالمشروع. وبحلول أيلول/سبتمبر 2013، أشارت وسائل الإعلام الإقليمية إلى استثمارات كبيرة جديدة من جانب السعودية والإمارات العربية المتحدة،65  اللتين دعمتا بقوة كلاً من الحكومة المؤقّتة المدعومة من الجيش ونظام السيسي الجديد.

كما ذُكِر أن الحكومة اتّخذت خطوات لجذب المزيد من المستثمرين إلى مشروع «توشكى»، بما في ذلك بناء منشآت صناعية جديدة لإنتاج الأغذية، وتأسيس شركة قابضة لتسهيل بيع أراضٍ إضافية.

وتُعَدّ خطة السيسي الجديدة لمشروع «توشكى»، الذي يُقدَّر الآن بـ140 مليار دولار، توسيعاً هائلاً للمشروع الأصلي الذي صُمِّم في العام 1985؛ فقد وُسِّع ليشمل 48 مدينة جديدة، و8 مطارات، ومزارع أسماك، وسكة حديدية، وطريق سريع ضخم مؤلّف من 8 خطوط سير.

من المسؤول عن صندوق "تحيا مصر"؟

هذا ويُفترَض أن يكون صندوق "تحيا مصر" الذي أسّسه السيسي، والذي مُنِح رقم الحساب 037037، في إشارة إلى 3 يوليو 2013، تاريخ إطاحة مرسي من الحكم، مصدراً من مصادر تمويل المشروع. ويُقال إنه جمع تبرّعات من رجال الأعمال الأكثر ثراءً في المنطقة، بمَن فيهم الوليد بن طلال، ونجيب ساويرس (عبر مجموعة شركاته المعروفة بـ"أوراسكوم")، ورئيس مجموعة "حديد المصريين"، إضافة إلى جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للجيش، وعدد من المصارف ذات الأسماء الكبيرة، وعدد كبير من المشاهير، وموظّفي سلسلة فنادق سونستا.

لكن لا يزال من غير الواضح مَن سيشرف على الحساب. ووفقاً لبيان ذي طابع رسمي يُعزى إلى القنصلية المصرية في أستراليا، سيكون الصندوق تحت سلطة الجهاز المركزي المصري للرقابة، وتحت إشراف السيسي نفسه وحاكم المصرف المركزي، إضافة إلى شيخ الأزهر، وبابا الكنيسة القبطية المصرية.

وتشير مصادر أخرى إلى أن الجهات المُشرِفة على الصندوق ستكون خليطاً من مسؤولين حكوميين ورجال أعمال، فيما تقول مصادر أخرى إن السيسي سيكون المُشرِف الوحيد. وكما كان متوقَّعاً، استُخدِمَت حزمة حوافز بقيمة 4.9 مليار دولار، مموَّلة إلى حدّ كبير من الإمارات العربية المتحدة، لتمويل عقود البنى التحتية الأساسية التي مُنِحَت لشركات تابعة للجيش.

770 مليون دولار في 10 شهور:

وفي غضون الأشهر العشرة الأولى فقط في ظل الحكومة المؤقّتة، فاز الجيش بحوالي 770 مليون دولار من العقود، وأكثر من مليار دولار من العقود الحكومية أحادية المصدر على مدى ثلاثة أشهر في خريف العام 2014.

كما إن شركاء الجيش المفضَّلين استفادوا هم أيضاً. مثال بارز على ذلك هو مشروع إسكان لذوي الدخل المنخفض بقيمة 40 مليار دولار، مُنِح للشركة العقارية «أرابتك للإنشاءات» ومقرّها دبي.

ويبرّر المدافعون عن الجيش عملية منح العقود غير التنافسية بالحاجة إلى الحافز السريع. لكن هذه العملية تتناقض بشكل صارخ مع العرقلة المتعمّدة (من جانب الجيش وفلول الحزب الحاكم السابق الذين لا يزالون ينشطون ضمن البيروقراطية المصرية) التي أعاقت عدداً من الاتفاقات الاستثمارية التركية والقطرية التي وقّعها الرئيس مرسي آنذاك.

إضافة إلى الدعم السخيّ من دول الخليج، يصطفّ حلفاء محتملون آخرون للعمل مع مصر. فروسيا، فضلاً عن دعمها شركة "ناسكو" للسيارات، التزمت بتطوير مصنع الحديد والصلب المصري في حلوان وشركة مصر للألمنيوم «إيجيبتالوم» Egyptalum الضخمة التابعة للدولة، إلى جانب توفير المساعدة التطويرية لمحطات سد أسوان لتوليد الكهرباء.

وبالمثل، تُعتبَر الصين شريكاً في مشاريع البنية التحتية الكبيرة، بما فيها محطات طاقة جديدة، ومشروع سكك حديدية عالية السرعة، ومشروع قناة السويس.

كما استمر تدفّق المساعدات المالية العسكرية الأمريكية إلى مصر في ظل الحكومة المؤقّتة المدعومة من الجيش وأيضاً في ظل حكومة السيسي، على الرغم من الاحتجاجات الضعيفة لوزارة الخارجية الأمريكية على عنف النظام.

فخلال الشهرين اللذين أعقبا الانقلاب مباشرةً، وقّعت وزارة الدفاع الأمريكية عقوداً جديدة بقيمة 300 مليون دولار لإنتاج المعدات العسكرية بشكل مشترك مع مصر أو توريدها إليها.

وفي 6 سبتمبر 2013، وخلال ذروة المواجهات العنيفة بين مؤيّدي الجيش ومؤيّدي مرسي، جرى التوقيع على أحد هذه العقود، الذي نصّ على التعاون بين شركة "بي آي إي سيستمز" BAE Systems مع المصانع العسكرية المصرية لبناء أجهزة رادار لطائرات الشحن العسكرية.

وفي 22 يونيو 2014، بعد أسبوعين فقط على أداء السيسي قسمه، أعلنت الولايات المتحدة عن الإفراج عن 575 مليون دولار على شكل مساعدات عسكرية كانت مجمّدة سابقاً، وتلت ذلك مساعدات إضافية بقيمة 1.3 مليار دولار في ديسمبر 2014.

على نحو مماثل، تسعى دول الاتحاد الأوروبي إلى نيل رضى السيسي. فمع أن فرنسا علّقت بيع الأسلحة إلى مصر في العام 2011، إلا أن الحكومة وقّعت اتفاقات مع السيسي قيمتها أكثر من 7 مليارات دولار منذ بداية العام 2015، من ضمنها صفقات لشراء مقاتلات نفاثة وبوارج حربية.

كان التنافس على الصفقة الفرنسية التي أُبرِمَت في شباط/فبراير 2015 شرساً، ذلك أن دولاً عدة من الرعاة المحتملين المتلهّفين، مثل روسيا والصين والإمارات العربية المتحدة، قدّمت عروضاً متنافسة لتعزّز بنفسها ترسانة مصر الحالية من الطائرات الفرنسية، أو لتزوّدها بنفّاثات مستعمَلة من مخزونها الخاص.

إضافةً إلى ذلك، ازداد التعاون العسكري مع الإمارات العربية المتحدة في أعقاب الإطاحة بالرئيس مرسي، بما في ذلك إجراء ثلاثة تدريبات مشتركة بين مارس وأكتوبر من العام 2014، وتنسيق استخباراتي وعملياتي متواصل في الغارات المشتركة ضد أهدافٍ للدولة الإسلامية في ليبيا.

نزاع داخل المؤسسة العسكرية:

على الرغم من سيل المساعدات المالية والحلفاء الجدد، لكن من شأن هذا التدفّق المفاجئ للموارد وتركُّز السلطة أن يُحدِثا نزاعاً داخل المؤسسة العسكرية.

وينبغي على الجيش المصري، شأنه شأن أي مؤسسة كبيرة، أن يقرّر كيفية اقتسام الغنائم. والواقع أن سيطرة الجيش المتزايدة على الدولة قد تُبرِز الانقسامات والانشقاقات التي لم تكن ظاهرة في السابق، وقد تطفو على السطح تصدّعات في صفوف القوات المسلحة المصرية فيما تسعى الأجنحة إلى الحصول على حصص اقتصادية وسياسية جديدة.

قد تكون هذه المنافسات حميدة نسبيّاً، مثل التسابق بين وزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع على إنتاج نسخ متنافسة من أجهزة الكمبيوتر اللوحي.83، لكن هذا التنافس هو إضاعة للموارد ومؤشّر على ضعف التخطيط الاقتصادي للقوات المسلحة المصرية.

سيطرة الجيش المتزايدة على الدولة قد تُبرِز الانقسامات والانشقاقات التي لم تكن ظاهرة في السابق، وقد تطفو على السطح تصدّعات في صفوف القوات المسلحة المصرية فيما تسعى الأجنحة إلى الحصول على حصص اقتصادية وسياسية جديدة.

لكن التسريبات المتكرّرة لمحادثات ضبّاط الجيش المصري المسجّلة، التي بدأت في أواخر العام 2014، تشي بانشقاق أكثر خطورة في صفوف القيادة. فقد كشفت التسجيلات الأولى عن تلاعب الجيش السافر بالنظام القانوني المصري لضمان إدانة مرسي بتهمة الخيانة.  لكن التسجيلات اللاحقة كانت أكثر إدانة. فهي تقدّم دليلاً قوياً لما كان يتخوّف منه الكثير من الناشطين العلمانيين، وهو أن كوادر الجيش وداعميه في الخليج موّلوا ووجّهوا التظاهرات الضخمة التي عجّلت إطاحة مرسي في تموز/يوليو 2013.

ويبدو أن التسجيلات، التي تُورِّط بشكلٍ مباشر السيسي وأقرب مقرّبيه ومستشاريه، تم تسريبها من قبل أشخاص آخرين في قيادة الجيش غير راضين عن الوضع القائم.

لا وسيلة أمريكية للضغط على القاهرة:

لا تترك هيمنة الجيش المصري الراهنة، التي تحظى بدعم شعبي ومساعدات خليجية، لصانعي السياسات الأمريكيين وسائل مهمة تُذكَر للضغط على القاهرة في ما يتعلّق بحقوق الإنسان والإصلاح السياسي.

فوقف المساعدات العسكرية أصبح أقل خطراً مما كان عليه في السابق، ذلك أن المبلغ السنوي البالغ 1.3 مليار دولار يبدو قليلاً مقارنةً بالمساعدات الخليجية الهائلة التي تخطّت مبلغ 20 مليار دولار منذ العام 2013.

وحتى من دون المساعدات الخليجية، لم تتمكّن المساعدات العسكرية الأمريكية من مواكبة التضخّم، لذا لا تسهم سوى بجزء قليل من الفوائد المؤسّسية التي كانت تسهم فيها في الماضي.

قدرة جماعات الضغط في الصناعة العسكرية الأمريكية على إملاء سياسة التصدير، وتراخي القوانين الأمريكية التي تنظّم بيع قطع الغيار العسكرية في العام 2013، والانتشار غير المشروع للتكنولوجيا العسكرية ساهمت كلّها بشكلٍ متزايد في إضعاف قدرة صانعي السياسات الأمريكية على استخدام المساعدات العسكرية كشكلٍ من أشكال النفوذ.

ما لَم تصبح الحكومة الأمريكية مستعدةً لفرض حظر على تصدير المواد العسكرية المرغوبة أو على قطع الغيار (وهو أمر غير مرجّح بتاتاً)، ستتمكّن القوات المسلحة المصرية من الحصول على ما تحتاج إليه من خلال قنوات الشراء العادية مستخدمةً الأموال الخليجية.

إن قدرة جماعات الضغط في الصناعة العسكرية الأمريكية على إملاء سياسة التصدير، وتراخي القوانين الأمريكية التي تنظّم بيع قطع الغيار العسكرية في العام 2013، والانتشار غير المشروع للتكنولوجيا العسكرية ساهمت كلّها بشكلٍ متزايد في إضعاف قدرة صانعي السياسات الأمريكية على استخدام المساعدات العسكرية كشكلٍ من أشكال النفوذ.

ولن تحسّن الزيادة الكبيرة في المساعدات العسكرية بالضرورة العلاقات مع القاهرة، ذلك أن برنامج المساعدات العسكرية الأمريكي كان في الواقع مكلفاً جدّاً للجانب المصري.

فقد أتاحت المساعدات العسكرية الأمريكية استمرار التنسيق في مشاريع صناعية مكلفة كان يمكن استخدام مواردها على نحو أفضل في الاقتصاد الخاص المدني (أو حتى في بعض مؤسسات القطاع العام المدني ذات الأداء الأفضل في مصر).

وتتضاعف أسعار قطع الغيار والصيانة والتخزين وأمن الموقع مع كل دفعة جديدة من الأسلحة "المجانية". وإذا كانت القيادة العسكرية مسؤولة الآن عن أداء الاقتصاد المدني، ينبغي عليها التعامل مع هذه الأولويات المتنافسة.

لقراءة التقرير كاملا: http://carnegie-mec.org/2015/04/15/ar-59727/i735

المصدر: 
مجلة العصر