عرض المودودي لموقف الإمام أبي حنيفة من التغلب

عرض المودودي لموقف الإمام أبي حنيفة من التغلب

عرض المودودي لموقف الإمام أبي حنيفة من التغلب

مقدمة

كثر الكلام في أيامنا الشديدة هذه عن إمرة المتغلب والسمع والطاعة لمن خرج على الأمة بسيفه وسلاحه فقهرها وأذلها وصادر حريتها.

واحتج المتكلمون بهذا بما ورد عن اقرار المتغلب، رغم أنه قول قيل في وقت معين وفي أئمة قاموا بأمر الله تعالى وأمر الدين وأقاموا الشريعة ونصبوا الجهاد ورفعوا أعلامه..

ورغم أن العلماء نصوا على أن هذا فيمن هو قائم بأمر الدين وفي حال كانت المفاسد من الخروج عليه أعظم من بقائه، وبشرط عدم وجود قوة تعيد الشورى للمسلمين.

فأنزل هؤلاء الضلال هذه الاجتهادات في وضع:

  1. علماني معادٍ للدين شريعةً وهويةً، يريد استئصال الحركة الاسلامية واجتثاثها.
  2. وضع يستظهر بالإباحيين والملاحدة والشيوعيين ليمكّنهم، ويعتبرُهم أنهم هم الشعب دون غيرهم وهم المواطنون دون غيرهم وأنهم الشرفاء دون غيرهم.
  3. وضع جاء باستظهار ظهير طائفي مسيحي يعمل منذ أربعين سنة على مشروع انفصالي وانعزالي تقسيمي للأمة.
  4. وضع جاء بمطلب فئوي لفئة هي العسكر والأمن الفاسد ليعيدوا الاستبداد من جانب والمكاسب المادية الرهيبة من جانب آخر، على حساب هذا الشعب وثرواته ومقدراته.
  5. وضع جاء بتمويل رجال أعمال فاسدين ولصوص سرقوا الأمة ومقدراتها مع خونة العسكر، ثم امتلكوا الإعلام ليغيبوا عقول الناس عما يصلحهم ويشكلوا وعيهم بما يخدم أهداف هؤلاء اللصوص.
  6. وضع جاء بتنسيق وتمويل ودعوة من قوى استبداد وفساد إقليمي.
  7. وضع جاء بتنسيق كامل وأخذ جواز مرور دولي من الصهاينة والتحالف معهم وموالاتهم لاستئصال جزء من الأمة في غزة وسيناء وتركيعهم ومحو من يشاؤون منهم خدمة للعدو ليشفع لهم عند الأمريكيين الذين عادوا حرية هذه البلاد وهذه الأمة وشعوبها في كل بقعة.
  8. وضع جاء بتنسيق مخابراتي كامل مع الغرب وتحت إشرافه ليخدم أهدافه في المنطقة..
  9. وضع جاء بحقد شديد على الاسلام وأهله، وبل ونصوصه وكتبه ومقدساته، وكل يوم يظهر العداء سافرا شيئا فشيئا.

فلما تلاقت تلك الأهداف قاموا بهذا الانقلاب العسكري، الذي يشكل وجوده خطرا شديدا بل ماحقا على الاسلام والبلاد والمقدرات ووضع الأمة والتمكين للعدو بأعمال يصعب محوها.. إلا أن يشاء الله، فلا توجد أدنى مصلحة في بقائه.

وأعلن المنقلبون أنهم جاؤوا يعادون الفكرة الاسلامية وتقدموا للعالم بالتخويف من الاسلام ونظامه وهويته كمهج حاكم ونظام يمثل الاسلام.

قلما عادوا الدين وعادوا البلاد وعادوا الشعوب وحريتها ومصالحها، ضللت فئة بإعلام فاسد وأحقاد شخصية وطائفية دينية وسياسية..

لكن في المقابل قامت فئة أخرى ذات وعي وإيمان وتحمل من نبل القيم ونبل التضحيات والشجاعة والبسالة ما قدمت به نفسها لله تعالى ثم لأمتها وبلادها رخيصة من أجل وعي الأمة والتصدي لهذا الباطل والوقوف أمام هذا الخطر وعدم استفحاله..

وهنا جاء دور من مثَلُهم كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، أولئك دعاة النار من شيوخ السلطان وعلماء الضلالة وأفراخ المخابرات وأصحاب الملفات..

وتحجج هؤلاء بجواز إمرة المتغلب، ليقرروا هذا الباطل الشديد بل والأشد خطورة من التتار الذين وقف أمامهم ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وغيرهم من علماء الأمة لرفضهم التزام الشريعة.

فوضعوا النصوص والعلم في غير موضعه ولبّسوا على الناس أمر دينهم وكانوا ألعوبة في يد إبليس يقرر بهم الباطل ويهلك بهم الخلق ويمحو بهم آثار الاسلام وأعلامه.

ومن هؤلاء من هم علماء أزهريون وصفوا حراك الأمة الصامدة والرافضة للعلمانية والفساد والاستبداد ومعاداة الهوية الاسلامية، وصفوا هؤلاء بأنهم خوارج..

فلما بحثنا في أئمة الهدى وجدنا لأئمة الأمة الذين لهم قدم صدق في الدين، من الأعمال والمواقف التي تقدموا بها، فكانت أثرا صالحا للتأسي بهم، وقد واجهوا بها أناسا قام بهم من الظلم والاستبداد ما هو أقل بمئات بل آلاف المرات مما قام بالمعاصرين من ظلم وفساد وصيال على الدين وخطورة شديدة على الاسلام وأهله..

فأردنا أن نقدم ما قام به هؤلاء الكرام ـ ومنهم من ينتحل مذاهبهم ممن ينسبون للأزهر الشريف ـ ليعرف الناس حقيقة المواقف وحقيقة ما قام به علماء الأمة في مواجهة الظلم ورفض مصادرة حرية الناس وكرامتهم فضلا عن دينهم..

وقد كتب الأستاذ أبو الأعلى المودودي رحمه الله في كتابه (الخلافة والملك) فصلا مهما عن الإمام أبي حنيفة، النعمان بن ثابت، رحمه الله ورضي عنه، في كلامه عن النظام السياسي الاسلامي وملامحه وأسسه، وجهده فيما واجه به ظلم خلفاء بني العباس في عهده، وهم قوم قاموا بحماية الاسلام ونشره وأقاموا الشريعة لكن كانت لهم مظالم واستئثار بالسلطة ما نقمه عليهم رحمه الله، وكانت له جهوده في هذا بل ومساندة جركات أمل فيها ورجا أن تقوم برد الأمر الى شورى المسلمين.. فلم يركن رحمه الله الى التغلب ويدافع عنه كأنه منزل من السماء رغم أنه مخالف للنصوص، ولم يقره العلماء إلا على أنه حال ضرورة فسحب.

فها نحن ذا نقدم لكم هذا الفصل في جهد أبي حنيفة رحمه الله، راجين من ربنا تعالى أن يزيل الغشاوة، بهذا الجهد وبغيره ـ عن عيون أهلنا وأمتنا وأن ننطلق خطوات في سبيل نصر هذه لثورة سعيا لاكتساب الحريات وفتح الطريق أمام التمكين لهذا الدين العظيم والرسالة الخاتمة.. والله تعالى من وراء القصد..

تنويه: نتحفظ فقط على ما ذكره الأستاذ المودوي عن الإمام مالك وموقفه وكلامه مع أبي جعفر المنصور، ذلك أن للإمام مالك مواقفه المشهورة في عدم إقراره ببيعته وأنها تمت تحت الإكراه، وقد أوذي رحمه الله في هذا، فلأئمة الهدى ـ والحمد لله ـ مواقفهم المشهودة مع علمهم، فإمامتهم في العلم والعمل، والحمد لله رب العالمين.

 

مذهب أبي حنيفة في الخلافة وما يتعلق بها من مسائل

كان لأبي حنيفة في مضمار السياسة رأي مفصل شمل ـ تقريباً ـ كل منحى من مناحي الدولة وكان يختلف عن آراء الأئمة الآخرين في بعض الأمور السياسية. وسنعرف على الصفحات التالية آراء الإمام في كل شق من شقوق المسألة.

1ـ مسألة الحاكمية:

إن أول مسألة جديرة بالبحث في أية نظرية عن (الدولة) هي مسألة الحاكمية ومن الذي تقر له هذه النظرية بالحاكمية. ولقد كانت نظرية أبي حنيفة في الحاكمية هذه هي نفس نظرية الإسلام الأساسية المعروفة يعني أن الله هو الحاكم الأصلي والرسول مطاع بصفته نائبه وممثله وأن شريعة الله ورسوله هي القانون الأعلى الذي لا يمكن اختيار أي سبيل إزاءه سوى الطاعة والاتباع ولأن أبا حنيفة كان فقيهاً ـ أو رجل قانون ـ نجده قد أوضح هذا بلغة القانون والفقه لا بلغة علم السياسة وفنها فيقول:

(إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته فما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والآثار الصحاح عنه التي فشت في أيدي الثقات فإذا لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت بقول أصحابه (يعني إجماعهم) فإن اختلفوا أخذت بقول من شئت وأدع قول من شئت ثم لا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم فإذا انتهى الأمر إلى أناس اجتهدوا فلي أن أجتهد كما اجتهدوا)[1] .

يقول ابن حزم:

(جميع أصحاب أبي حنيفة مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث أولى عنده من القياس والرأي)[2].

ويظهر من هذا أن أبا حنيفة كان يتخذ القرآن والسنة سلطة نهائية فكان مذهبه أن الحاكمية القانونية لله ورسوله. ودائرة التشريع بالقياس والرأي ـ عنده ـ كانت قاصرة على ما ليس فيه حكم من الله ورسوله والسبب في ترجيحه لأقوال صحابة الرسول الفردية على غيرها من أقوال الآخرين هو أن الصحابي قد يكون على علم بأن هناك حكماً للرسول صلى الله عليه وسلم في المسألة فبنى عليه قوله. ومن أجل هذا التزم أبو حنيفة ـ في المسائل التي اختلفت فيها آراء الصحابة ـ باختيار رأي أحدهم ولا يقضي برأي يخالفهم كلهم خشية أن يكون فيه خلاف لسنة مجهولة. ولقد كان ـ بالطبع ـ يجتهد في إقامة الرأي على أقرب الأقوال إلى السنة. ومع أن الإمام قد اتهم ـ في حياته ـ بترجيح القياس على النص إلا أنه نفى هذا فقال:

(كذب والله وافترى علينا من يقول عنا أننا نقدم القياس على النص وهل يحتاج بعد النص إلى قياس).

وكتب إليه الخليفة المنصور ـ ذات مرة ـ يقول سمعنا أنك تقدم القياس على الحديث فرد عليه:

(ليس الأمر كما بلغك يا أمير المؤمنين إنما أعمل أولاً بكتاب الله ثم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بأقضية أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ثم بأقضية بقية الصحابة ثم أقيس بعد ذلك إذا اختلفوا).

2ـ الطريقة الصحيحة لانعقاد الخلافة:

يرى الإمام أبو حنيفة ـ في مسألة الخلافة ـ أن الاستيلاء على السلطة بالقوة ثم أخذ البيعة بعد ذلك غصباً ليس هو الصورة الشرعية الصحيحة لانعقاد الخلافة. والخلافة الصحيحة هي ما تقوم باجتماع وشورى أهل الرأي وقد قال الإمام رأيه هذا في موقف دقيق لم يكن من يعلن فيه مثل هذا الرأي يضمن بقاء رأسه على كتفيه.

يروي ربيع بن يونس حاجب الخليفة المنصور أن المنصور دعا الإمام مالك وابن أبي ذئب والإمام أبا حنيفة وقال لهم: (كيف ترون هذا الأمر الذي خولني الله تعالى فيه من أمر هذه الأمة هل أنا لذلك أهل؟)

قال الإمام مالك: (لو لم تكن أهلاً لما ولاك الله تعالى)

وقال ابن أبي ذئب: (ملك الدنيا يؤتيه الله تعالى من يشاء وملك الآخرة يؤتيه الله تعالى لمن طلبه ووفقه الله تعالى والتوفيق منك قريب إن أطعت الله تعالى وإن عصيته فبعيد وأن الخلافة تكون بإجماع أهل التقوى لمن وليها وأنت وأعوانك خارجون عن التوفيق عادلون عن الحق فإن سألت الله تعالى السلامة وتقربت إليه بالأعمال الزاكية كان ذلك وإلا فأنت المطلوب).

قال الإمام أبو حنيفة: (كنت أنا ومالك نجمع ثيابنا مخافة أن يقطر علينا من دمه) ثم قال المنصور لأبي حنيفة (ما تقول أنت؟) فقال: (المسترشد لدينه يكون بعيد الغضب إن أنت نصحت نفسك علمت أنك لم ترد الله باجتماعنا فإنما أردت أن تعلم العامة أنا نقول فيك ما تهواه مخافة منك ولقد وليت الخلافة وما اجتمع عليك اثنان من أهل الفتوى، والخلافة تكون باجتماع المؤمنين ومشورتهم فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه أمسك عن الحكم ستة أشهر حتى جاءته بيعة أهل اليمن).

فأمرهم المنصور فانصرفوا ثم أمر لهم بثلاث بدر (أكياس من المال) واتبعهم بها وقال لحاجبه (إن أخذها مالك كلها فادفعها له وأن أخذها ابن أبي ذئب أو أبو حنيفة فجئني برأسيهما) فقال ابن أبي ذئب (ما أرضى بهذا المال له كيف أرضاه لنفسي) وقال أبو حنيفة (والله لو ضرب عنقي على أن أمس منه درهماً ما فعلت) فقبله كله مالك فأعطاه له. فلما علم المنصور بذلك قال:(بهذه الصيانة أحقنوا دماءهم)[3].

3ـ شروط استحقاق الخلافة:

لم تكن شروط استحقاق الخلافة حتى زمن أبي حنيفة مفصلة مثلما فصلها المحققون فيما بعد أمثال الماوردي وابن خلدون لأن أكثرها كان مسلماً به في عصره مثل شرط أن يكون المرء مسلماً رجلاً حراً عالماً سليم الحواس والبدن وغيره. غير أن هناك أمرين كانا موضع بحث وجدل أيام أبي حنيفة وكان إيضاحهما أمراً مطلوباً. الأول: هل يمكن أن يكون الظالم والفاسق خليفة شرعياً أم لا؟ والثاني: هل لا بد من أن يكون الخليفة قرشياً أم لا؟

أ‌)                       إمامة الفاسق والظالم:

إن لرأي الإمام فيما يتعلق بالأمر الأول جانبين ينبغي فهمهما فهماً سليماً. فالعصر الذي أوضح فيه الإمام أبو حنيفة رأيه في هذه المسألة كان عصر صراع شديد بين نظريتين متطرفتين في العالم الإسلامي عامة والعراق خاصة. أحداهما تقول ـ في شدة وصرامة ـ إن إمامة الظالم والفاسق لا تجوز أبداً ولا يصح للمسلمين أي عمل جماعي في ظلها. والثانية تقول إن الظالم والفاسق إذا استولى على زمام البلاد بأي طريقة فإمامته وخلافته ـ بعد تسلطه واستيلائه ـ صحيحة تماماً. وقد قدم لنا الإمام أبو حنيفة نظرية وسطاً متوازنة بين هاتين نفصلها كالآتي:

يقول أبو حنيفة في الفقه الأكبر:

(والصلاة خلف كل بر وفاجر من المؤمنين جائزة)[4]

ويقول الإمام الطحاوي في شرح هذا المذهب في العقيدة الطحاوية:

(والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة لا يبطلها شيء ولا ينقضها)[5]

هذا الجانب من هذه المسألة. والجانب الثاني أن العدالة ـ عند أبي حنيفة ـ شرط لا بد منه للخلافة فلا يكون الظالم أو الفاسق خليفة شرعياً أو قاضياً أو حاكماً أو مفتياً وإن صار كذلك فإمامته باطلة ولا تجب على الناس طاعته أما هل ستكون الأعمال التي يقوم بها المسلمون في حياتهم الجماعية على نحو شرعي تحت حكمه ـ بعد استيلائه وتوليه ـ أعمالاً شرعية جائزة أم لا وهل تنفيذ الأحكام التي يصدرها بالعدل قضاة عينهم هو بنفسه أم لا فهذا أمر آخر، وقد شرح الإمام الحنفي أبو بكر الجصاص هذه المسألة في (أحكام القرآن) شرحاً وافياً فقال:

(فلا يجوز أن يكون الظالم نبياً ولا خليفة لنبي ولا قاضياً ولا من يلزم الناس قبول قوله في أمور الدين من مفت أو شاهد أو مخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم خبراً فقد أفادت الآية (لا ينال عهدي الظالمين) أن شرط جميع من كان في محل الائتمام به في أمر الدين العدالة والصلاح. فثبت بدلالة هذه الأية بطلان إمامة الفاسق وأنه لا يكون خليفة وأن من نصب نفسه في هذا المنصب وهو فاسق لم يلزم الناس اتباعه ولا طاعته وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) ودل أيضاً على أن الفاسق لا يكون حاكماً وأن أحكامه لا تنفذ إذا ولي الحكم وكذلك لا تقبل شهادته ولا خبره إذا أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا فتياه إذا كان مفتياً)[6].

ثم يصرح الجصاص بعد ذلك بأن هذا هو مذهب الإمام أبي حنيفة ثم يذكر بالتفصيل أن اتهام أبي حنيفة بتجويز إمامة الفاسق ظلم اقترف في حقه:

(ومن الناس من يظن أن مذهب أبي حنيفة تجويز إمامة الفاسق وخلافته.. فإنما جاء غلط من غلط في ذلك إن لم يكن تعمد الكذب من جهة قوله وقول سائر من يعرف قوله من العراقيين أن القاضي إذا كان عادلاً في نفسه فولي القضاء من قبل إمام جائر أن أحكامه نافذة وقضاياه صحيحة وأن الصلاة خلفهم جائزة مع كونهم فساق وهذا مذهب صحيح ولا دلالة فيه على أن من مذهبه تجويز إمامة الفاسق)[7].

وقد نقل الإمام الذهبي والموفق بن أحمد المكي قول أبي حنيفة إن (أيما إمام غل (يعني استخدام خزانة الدولة بطرق غير مشروعة) أو جار في حكمه بطلت إمامته ولم يجز حكمه)[8].

يتضح من تفحص هذه الأقوال أن أبا حنيفة يفرق ـ على عكس ما تقول الخوارج والمعتزلة ـ بين الإمام (بالحق) والإمام (بالفعل) إذ كان مذهب الخوارج والمعتزلة يعطل نظام الدولة والمجتمع المسلم كلية إذا لم يكن هناك إمام عادل صالح (يعني إمام بالحق). فلا حج ولا جمعة ولا جماعة ولا محاكم ولا يتم أي عمل من أعمال المسلمين ـ دينياً كان أم سياسياً أم اجتماعياً ـ في غيابه على نحو شرعي قط فقوّم أبو حنيفة هذا الاعوجاج حيث قال إذا لم يتيسر وجود إمام بالحق فإن نظام حياة المسلمين الجماعية يمضي على نحو شرعي تحت من هو إمام بالفعل حتى ولو كانت إمامته غير شرعية.

لقد أنقذ أبو حنيفة المسلمين من نظرية المرجئة المتطرفة في الإرجاء ونتائجها والتي كانت نداً مقابلاً في وجه نظريات الخوارج والمعتزلة وكان بعض أهل السنة ذاتهم يعتقدونها ويقولون بها. لقد كان هؤلاء القوم ـ المرجئة ـ يخلطون بين الإمام بالحق والإمام بالفعل ويقولون بجواز إمامة الفاسق ـ إذا كان إماماً بالفعل ـ كما لو كان إماماً بالحق. فكانت النتيجة الحتمية لهذا أن يقعد المسلمون مطمئنين راضين بحكومة الحكام المستبدين الظالمين ذوي السلوك المشين والخلق الذميم ويتركون ـ لا محاولة تغييرهم بل حتى مجرد التفكير في ذلك وفي سبيل تصحيح هذه الفكرة الخاطئة أعلن أبو حنيفة بكل شدة وقوة وإصرار أن إمامة من هم كذلك باطلة بطلاناً قطعياً.

ب‌)                   شرط (القرشية) للخلافة:

أما رأي أبي حنيفة في المسألة الثانية فكان ضرورة أن يكون الخليفة من قريش[9] وليس هذا رأيه وحده بل هو رأي يتفق عليه أهل السنة[10]. وليست علة ذلك أن الخلافة الإسلامية ـ من وجهة نظر الشريعة ـ حق دستوري لقبيلة واحدة من قبيلة قريش وإنما علته ظروف ذلك العصر حينما كان من اللازم للمسلمين أن يكون الخليفة قرشياً من أجل بناء المجتمع وإقامته واستتبابه. ولقد وضح ابن خلدون هذا الأمر إيضاحاً تاماً إذ رأي أن العرب كانوا عضد الدولة الإسلامية وحماتها آنذاك وأن اتفاق العرب ـ إذا كان ميسوراً ـ فهو بدرجة أكثر على خلافة قريش. وكانت احتمالات النزاع والاختلاف والتفرق كبيرة في حالة استخلاف رجل من قبيلة أخرى فلم يكن من المعقول تعريض نظام الخلافة لمثل هذا الخطر[11]، لهذا نصح الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يكون (الأئمة من قريش)[12] ولو كانت الخلافة لا تجوز لغير القرشي شرعاً لما قال سيدنا عمر عند وفاته لو كان سالم حياً لوليته (وسالم هو عتيق حذيفة)[13] والرسول صلى الله عليه وسلم نفسه حين نصح بأن تكون الخلافة في قريش أوضح أن هذا المنصب يبقى فيها ما بقيت في أهلها صفات مخصوصة[14] فينتج من هذا تلقائياً أن تكون الخلافة لغير قريش في حالة انعدام هذه الصفات وهذا هو الفرق الأصلي بين مذهب أبي حنيفة وجميع أهل السنة وبين مذهب الخوارج والمعتزلة الذين أجازوا الخلافة لغير القرشي بإطلاق بل لقد وصلوا إلى أبعد من هذا فجعلوا غير القرشي أحق بها إذ كانت الديمقراطية شاغلهم الأول ولو كانت نتيجتها التفرق والاختلاف. أما أهل السنة والجماعة فكان همهم استحكام الدولة إلى جانب الديمقراطية أيضاً.

4ـ بيت المال:

كان تصرف الخلفاء غير المشروع في الخزانة الرسمية للدولة وتعديهم على أملاك الناس من بين الفعال التي كان الخلفاء يفعلونها في عصر أبي حنيفة وكان يعترض على ذلك اعتراضاً شديداً لأنه كان يرى الظلم في الحكم والخيانة في بيت المال من الأمور التي تبطل إمامة الإمام ـ مثلما ذكرنا فيما سلف نقلاً عن الذهبي ـ كذلك لم يكن أبو حنيفة يبيح تملك الخليفة للهدايا التي ترسل إليه من الدول الأخرى بل كانت ـ عنده ـ من نصيب خزانة الشعب لا من نصيب الخليفة وأسرته فلولا أن الخليفة خليفة المسلمين وأن صيته ذاع بسبب قوتهم الاجتماعية لما أهديت إليه هذه الهدايا لأن الناس لا يهدون من قعد في بيته[15]. كذلك كان أبو حنيفة يعترض على ما يعطيه الخليفة من العطايا والهبات من بيت المال وما ينفق فيه من وجوه غير مشروعة وكان ذلك سبباً قوياً من الأسباب التي جعلته يرفض قبول عطايا الخلفاء وهداياهم إليه.

وحين كان الخلاف قائماً بينه وبين الخليفة المنصور سأله المنصور: (لم لا تقبل صلتي) فأجابه (ما وصلني أمير المؤمنين من ماله بشيء فرددته ولو وصلني بذلك لقبلته إنما وصلني أمير المؤمنين من بيت مال المسلمين ولا حق لي في بيت مالهم إني لست ممن يقاتل من ورائهم فآخذ ما يأخذ المقاتل وليست من ولدانهم فآخذ ما يأخذ الولدان ولست من فقرائهم فآخذ ما يأخذ الفقراء)[16].

ثم لما جلده المنصور ثلاثين جلدة لرفضه تولي منصب القضاء واختضب كل جسمه بالدم لامه عمه عبد الصمد بن علي على ذلك لوماً شديداً وقال له (يا أمير المؤمنين ماذا فعلت سللت على نفسك مائة ألف سيف فهذا فقيه أهل العراق هذا فقيه أهل المشرق) فندم المنصور وأمر له بثلاثين ألف درهم مكان كل سوط ألف درهم فرفضها قيل له خذها وتصدق بها فقال (وعندهم شيء حلال؟ وعندهم شيء حلال) وأبى أن يقبلها[17].

ولما راحت المتاعب تتعاقب وتتوالى عليه في آخر عمره أوصى ألا يدفن في الجزء الذي اقتطعه المنصور من الناس غصباً لبناء بغداد فلما سمع المنصور بوصيته هذه صاح (من يعذرني منك حياً وميتاً)[18].

5ـ تحرر السلطة القضائية من السلطة التنفيذية:

أما عن رأيه في القضاء وسلطته فكان يرى ـ من أجل تحقيق العدالة ـ لا ضرورة تحرره من ضغوط أو تدخلات السلطة التنفيذية فحسب بل لا بد وأن يكون في استطاعة القاضي تنفيذ حكمه في الخليفة نفسه إذا ما تعدى على حقوق الناس. لهذا عندما استيقن أبو حنيفة في آخر حياته أن الحكومة ستقضي عليه جمع تلاميذه وخطب فيهم فكان من جملة الأمور الهامة التي قالها: (وإذا أذنب (الإمام) ذنباً بينه وبين الناس أقامه عليه أقرب القضاة إليه)[19].

وأعظم الأسباب التي كانت وراء رفضه قبول المناصب الحكومية ـ وخاصة القضاء ـ في دولة بني أمية وبني العباس أن القضاء في حكومتهم ليس حراً طليقاً من سطوة الخلفاء (السلطة التنفيذية) فلم يكن أبو حنيفة يرى في ذلك المنصب استحالة تنفيذ الأحكام على الخليفة فحسب وإنما كان يخشى كذلك أن يجعلوا منه آلة للظلم فيستصدرونه أحكاماً خاطئة ويتدخل الخليفة بل وأهل قصره ورجالاته في أحكامه وأقضيته.

وأول تجربة في ذلك وقعت لأبي حنيفة كانت في عهد بني أمية عام 130 هجرية حين أراد يزيد بن عمر بن هبيرة أن يكرهه على قبول منصب من المناصب الحكومية وقت أن كان طوفان التمرد والثورة على بني أمية يجتاح العراق وهو الطوفان الذي أطاح بعرشهم في عامين اثنين وكان ابن هبيرة يريد جمع أكابر الفقهاء والاستفادة من نفوذهم وتأثيرهم ولهذا دعا ابن أبي ليلى وداود بن أبي الهند وابن شبرمة وغيرهم من الفقهاء وولاهم أهم المناصب ثم دعا أبا حنيفة وقال له جعلت في يديك خاتم الدولة لا ينفذ حكم ما لم تمهره. ولا يخرج من الخزانة مال لم تعتمده فرفض أبو حنيفة هذا فقيده وجلده وهدده وتوعده فقال له الفقهاء الآخرون ارفق بنفسك وارحم حالك فنحن لا نرضى بهذه الوظائف وإنما قبلناها جبراً واضطراراً فاقبلها كما قبلناها فقال لهم (لو أرادني أن أعد له أبواب مسجد واسط لم أدخل في ذلك فكيف وهو يريد مني أن يكتب بضرب عنق رجل وأختم أنا على ذلك الكتاب فوالله لا أدخل في ذلك أبداً).

فعرض عليه ابن هبيرة في هذا الشأن مناصب أخرى فرفضها فأصدر قراره بتعيينه قاضياً على الكوفة وأقسم إذا رفض أبو حنيفة لأجلدنه فقال أبو حنيفة(ضربة لي في الدنيا أسهل علي من مقامع الحديد في الآخرة والله لا فعلت ولو قتلني) وفي النهاية جلده ابن هبيرة عشرين أو ثلاثين جلدة على رأسه وجاء في بعض الروايات أنه ظل عشرة أيام متوالية يضربه في كل يوم عشر جلدات وأبو حنيفة متمسك برفضه. وأخيراً قالوا له أن أبا حنيفة سيموت فقال (ألا ناصح لهذا المحبوس أن يستأجلني فأوجله فينظر في أمره) فلما بلغ ذلك أبو حنيفة قال (دعوني أستشير إخواني وأنظر في ذلك) فلما بلغ ذلك ابن هبيرة أطلقه فغادر الكوفة إلى مكة حيث لم يرجع منها إلى أن زال ملك بني أمية[20].

ولما قامت دولة بني العباس راح المنصور يلح عليه في توليته منصب القضاء ويصر على ذلك إصراراً بالغاً كما سبق أن ذكرنا. وكان أبو حنيفة قد ساعد النفس الزكية وأخاه إبراهيم في خروجهما على المنصور علانية فأوغر ذلك صدر المنصور وكان ـ على حد قول الإمام الذهبي ـ (لا يصطلى له بنار)[21] غير أن احتواء وتكبيل مثل هذا الرجل المؤثر لم يكن سهلاً عليه يسيراً. وكان المنصور يعلم كيف جعل قتل إمام من الأئمة ـ الحسين بن علي ـ قلوب المسلمين تنفر وتشمئز من بني أمية وكيف أطيح بعرشهم ـ بسببه ـ في سهولة تامة لذلك كان لا يرى قتل أبي حنيفة وإنما آثر تكبيله بسلاسل المال والذهب ثم استخدامه في أغراضه وبهذه النية عرض عليه منصب القضاء مرات ومرات حتى أنه عرض عليه منصب قاضي قضاة الدولة العباسية لكن أبا حنيفة ظل زمناً يحتال ويتملص منه بشتى فنون الحيل[22]. فلما أصر المنصور على ذلك إصراراً كبيراً عدد له الإمام أسباب رفضه فاعتذر له ذات مرة اعتذاراً رقيقاً قال فيه (لا يصلح للقضاء إلا رجل يكون له نفس يحكم بها عليك وعلى ولدك وقوادك وليس تلك النفس لي إنك لتدعوني فما ترجع إلي نفسي حتى أفارقك)[23].

وفي مرة أخرى اشتد الحديث بينهما فقال له أبو حنيفة:

(اتق الله ولا ترع في أمانتك إلا من يخاف الله والله ما أنا بمأمون الرضى فكيف أكون مأمون الغضب ولو اتجه الحكم عليك ثم تهددني على أن تغرقني في الفرات أو أزيل الحكم لاخترت أن أغرق ولك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم لك)[24].

فلما تأكد المنصور ـ من هذا القول ـ أن هذا الرجل لن يسلم زمام نفسه لأصابع الذهب والفضة توجه حيث تشاء انتقم منه انتقاماً شديداً فضربه بالسياط وألقاه في السجن وآذاه في رزقه إيذاء شديداً ثم اعتقله في منزل حيث مات موتاً طبيعياً على حد قول البعض أو مات مسموماً حسب قول بعض آخر[25].

6ـ حق حرية الرأي:

حظيت حرية الرأي ـ إلى جانب حرية القضاء ـ في المجتمع المسلم والدولة الإسلامية بأهمية كبرى كذلك عند أبي حنيفة. وهي الحرية التي استخدم لها القرآن والسنة اصطلاح (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وقد يكون التعبير عن الرأي وإظهاره ـ مجرد تعبير ـ غير مستساغ البتة وقد يكون باعثاً للفتنة مثيراً لها وقد يكون ضد الأخلاق والأمانة الإنسانية مما لا يصبر عليه أو يطيقه أي قانون لكن النهي عن المنكر والأمر بالمعروف هو تعبير عن الرأي بالمعنى الصحيح وقد اختار الإسلام له هذا الاصطلاح ولم يجعل هذه الصورة بصفة خاصة ـ من بين سائر صور التعبير عن الرأي ـ حقاً من حقوق الشعب فحسب بل فرضاً عليه كسائر الفروض. ولقد كان الإمام أبو حنيفة يدرك أهمية هذا (الحق) وهذا (الفرض) إدراكاً كبيراً إذ كان المسلمون في أيامه قد سلبوا هذا الحق وصاروا مترددين في (فرضيته) أيضاً. فالمرجئة ـ في جانب ـ كانوا يجعلون الناس ـ بعقائدهم ـ يتجرأون على ارتكاب الذنوب والمعاصي. والحشوية ـ في الجانب الآخر ـ كانوا يقولون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وجه الحكومات فتنة. وفي الجانب الثالث حكومات بني أمية وبني العباس تقتل في المسلمين ـ بقوتها وسلطانها ـ روح الاعتراض على فسق الأمراء وفجورهم وظلمهم وجورهم. لكل هذا حاول أبو حنيفة ـ بقوله وعمله ـ إحياء هذه الروح وتوضيح حدودها ويذكر الجصاص أن أبا حنيفة أجاب إبراهيم الصائغ (أحد مشاهير الفقهاء في خراسان) ـ حين سأله ـ أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض ثم تلا الحديث النبوي الذي رواه عكرمة عن ابن عباس أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال (أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله) فأثر قول أبي حنيفة في إبراهيم تأثيراً قوياً فلما رجع إلى خراسان نهى أبا مسلم الخراساني مؤسس الدولة العباسية (المتوفي 136هـ ـ 754م) جهاراً عن ظلمه وإراقته الدماء بغير الحق وظل ينهاه إلى أن قتله أبو مسلم[26].

ولما خرج إبراهيم بن عبد الله أخو النفس الزكية عام 145 هجرية (موافق 763م) جهر أبو حنيفة بتأييده ومناصرته ضد المنصور وبينما كان المنصور في الكوفة كان جيش إبراهيم يتقدم من البصرة صوبها وظل حظر التجول في المدينة الليل كله ويروي زفر بن الهذيل تلميذ أبي حنيفة المعروف أن أبا حنيفة كان ـ في ذلك الوقت الحرج الدقيق ـ يجهر بأفكاره في قوة وثبات حتى قلت له ذات يوم (والله ما أنت بمنته حتى توضع الحبال في أعناقنا)[27].

وفي عام 149 هجرية (الموافق 765م) ثار أهل الموصل وكان المنصور قد أخذ عليهم عهداً قبل ذلك ـ حين ثاروا عليه ذات مرة ـ أن لو فعلوها مرة أخرى حل له دماؤهم وأموالهم فلما ثاروا عليه في المرة الثانية دعا المنصور أجلة الفقهاء ـ وكان أبو حنيفة بينهم ـ واستفتاهم أتحل له أموالهم ودماؤهم حسب ما عاهدوه أم لا؟ فاستند الفقهاء إلى المعاهدة وقالوا (إن عفوت فأنت أهل العفو وإن عاقبت فبما يستحقون) وسكت أبو حنيفة عن الجواب فقال له المنصور (ما تقول أنت يا شيخ) فرد عليه:

(إنهم شرطوا لك ما لا يملكونه ـ يعني دماءهم ـ فإنه قد تقرر أن النفس لا يجري فيها البذل والإباحة وشرطت عليهم ما ليس لك لأن دم المسلم لا يحل إلا بإحدى معان ثلاث. أرأيت إن أحلت امرأة نفسها لرجل بغير نكاح أتحل له؟ وإذا قال رجل لآخر اقتلني أيحل له قتله؟ قال المنصور: لا. قال: فكف يدك عن أهل الموصل فلا تحل لك دماؤهم).

فلم يرض المنصور عن هذا وأمرهم بالقيام فتفرقوا ثم دعاه وحده وقال له:(القول ما قلت انصرف إلى بلادك ولا تفت الناس بما هو شين على إمامك فتبسط يد الخوارج (يعني الثائرين) على إمامك)[28].

كان أبو حنيفة يمارس حرية الرأي هذه ضد المحاكم أيضاً فكان إذا أصدرت إحدى المحاكم حكماً خاطئاً جهر بما فيه من خطأ لأن احترام القضاء عنده ليس معناه ترك المحاكم وقضاتها يصدرون أحكاماً غير صحيحة لقد منعوه ذات مرة من الفتيا زماناً لارتكابه هذه (الجريمة)[29].

ويذهب أبو حنيفة في حرية الرأي إلى أن من اعترض على الخلافة الشرعية وحكومتها الشرعية العادلة وسب إمام العصر بل وجهر بقتله فإن سجنه أو معاقبته ـ عنده لا تجوز. ما لم يعتزم القيام بثورة مسلحة ـ فعلاً ـ أو بث الرعب والإرهاب في البلاد. ويستدل في هذا بما حدث مع سيدنا علي رضي الله عنه حينما قبض رجاله على خمسة كانوا يشتمونه في الكوفة ـ وهو خليفة ـ علناً وقال أحدهم (أعاهد الله لأقتلنه) فأمر سيدنا علي بإطلاقهم قال له رجل (أتخلي عنه وقد عاهد الله ليقتلنك) قال: (أفأقتله ولم يقتلني) قال (وإنه قد شتمك) قال(فاشتمه إن شئت أو دعه).

كذلك يستدل أبو حنيفة ـ في أمر معارضي الحكومة ـ بما أعلنه سيدنا علي في شأن الخوارج إذ قال: (لن نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله ولن نمنعكم الفيء مادات أيديكم مع أيدينا ولن نقاتلكم حتى تقاتلونا)[30].

7ـ الخروج على الحكومة الظالمة:

ظهرت في ذلك الوقت مسألة هامة وهي: (إذا كان إمام المسلمين ظالماً فاسقاً فهل تجوز الثورة عليه؟ وبين أهل السنة أنفسهم اختلافاً حول هذه المسألة. فقالت جماعة كبيرة من أهل الحديث بجواز الاعتراض على ظلمه باللسان والنطق أمامه بالحق ولكن لا تجوز الثورة عليه ولو أراق الدماء بغير الحق وتعدى على حقوق الناس وارتكب فسقاً صريحاً[31]، لكن أبا حنيفة يقول إن إمامة الظالم ليست باطلة فحسب وإنما تجوز الثورة عليه أيضاً بل وينبغي ذلك بشرط أن تكن ثورة ناجحة مفيدة تأتي بالعادل الصالح مكان الظالم الفاسق وبشرط أن لا تكون نتيجتها مجرد تبديد القوى وضياع الأنفس والأرواح. ويشرح أبو بكر الجصاص مذهب أبي حنيفة في هذا القول:

(وكان مذهبه مشهوراً في قتال الظلمة وأئمة الجور ولذلك قال الأوزاعي احتملنا أبا حنيفة على كل شيء حتى جاءنا بالسيف يعني قتال الظلمة فلم نحتمله وكان من قوله وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض بالقول فإن لم يؤتمر له فبالسيف)[32].

وينقل الجصاص في موضع آخر قولاً لأبي حنيفة نفسه عن عبد الله بن المبارك، وكان ذلك وقت أن بلغ أبو مسلم الخراساني ـ في عهد أول خليفة عباسي ـ شأواً بعيداً في الظلم والعسف. حينئذ جاء إبراهيم الصائغ فقيه خراسان إلى أبي حنيفة وناقشه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد ذكر أبو حنيفة نفسه هذا النقاش والتباحث لعبد الله بن المبارك فيما بعد على النحو التالي:

(قال أبو حنيفة): (فسألني عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أن اتفقنا على أنه فريضة من الله تعالى فقال لي (يعني إبراهيم) مد يدك حتى أبايعك فأظلمت الدنيا بيني وبينه) قال ابن المبارك: (ولم) قال (أبو حنيفة):دعاني إلى حق من حقوق الله فأمتنعت عليه وقلت له إن قام به رجل وحده قتل ولم يصلح للناس أمر ولكن إن وجد عليه أعواناً صالحين ورجلاً يرأس عليهم مأموناً على دين الله لا يحول. قال (أبو حنيفة): وكان يقتضي ذلك كلما قدم علي تقاضاني تقاضي الغريم الملح فأقول له هذا أمر لا يصلح بواحد ما أطاقته الأنبياء حتى عقدت عليه من السماء وهذه فريضة ليست كسائر الفرائض لأن سائر الفرائض يقوم بها الرجل وحده وهذا متى أمر به الرجل وحده أشاط بدمه وعرض نفسه للقتل فأخاف عليه أن يعين على قتل نفسه وإذا قتل الرجل لم يجترئ غيره أن يعرض نفسه)[33].

مذهب الإمام في الخروج (الثورة)

يظهر هذا رأي أبي حنيفة المبدئي النظري في هذه المسألة غير أننا لا نستطيع فهم وجهة نظره فهماً تاماً ما لم نقف على سلوكه الذي سلكه ـ في الواقع ـ تجاه أهم الثورات التي هبت في عصره.

خروج زيد بن علي:

والثورة الأولى هي ثورة زيد بن علي والذي إليه تنسب الشيعة الزيدية نفسها وهو أخو الإمام محمد الباقر حفيد الإمام الحسين. وكان أجل علماء عصره فقيهاً ورعاً صالحاً. وقد استفاد الإمام أبو حنيفة نفسه منه استفادة علمية وفي عام 120 هجرية (738م) حين عزل هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الله القسري من على العراق وأجرى معه تحقيقات ومساءلات واستدعى زيداً من المدينة إلى الكوفة ليدلي بشهادته في هذا الأمر. وكانت هذه هي المرة الأولى ـ منذ سنين ـ التي يأتي فيها إلى الكوفة ـ مركز شيعة علي ـ شخص جليل من آل سيدنا علي. لهذا انبعثت الروح ـ بمجيئه ـ في الحركة العلوية واحتشد الناس حوله ومن ناحية أخرى كان سكان العراق يضيقون ذرعاً بظلم بني أمية وقد عاشوا فيه سنوات طويلة فكانوا يريدون عموداً يعتمدون عليه في ثورتهم فرأوا توفر وجود فقيه عالم صالح من البيت العلوي غنيمة لا بد من اقتناصها فأكدوا له أن بالكوفة مائة ألف رجل يقفون إلى جواره وبايعه على ذلك خمسة عشر ألفاً وكتبوا ـ بالفعل ـ أسماءهم في سجلات وصحائف وأثناء هذا كانت ترتيبات هذه الثورة تتم سراً علم بها الوالي الأموي فلما عرف زيد أن الحكومة علمت بأمرهم فجر الثورة في صفر عام 122 هجرية (740م) قبل موعدها المحدد فلما تقابل الفريقان تخلى شيعة علي في الكوفة عنه فبقي معه ـ وقت الحرب ـ مائتان وثمانية عشر رجلاً لا غير فقاتل إلى أن أصابه سهم فجرح ومات[34].

ساعد الإمام أبو حنيفة زيداً في خروجه هذا وأمده بالمال وكان ينصح الناس ويأمرهم بالوقوف إلى جانبه[35] وشبه خروجه بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر[36] بمعنى أن الرسول عليه الصلاة والسلام كما لم يكن هناك شك في كونه على الحق كذلك ليس من شك في كون زيد على الحق في خروجه هذا. لكنه لما جاءته رسالة زيد يطلب فيها العون منه قال لحاملها: (لو علمت أن الناس لا يخذلونه ويقومون معه قيام صدق لكنت أتبعه وأجاهد معه من خالفه لأنه إمام حق ولكني أخاف أن يخذلوه كما خذلوا أباه (سيدنا الحسين) لكني أعينه بمالي فيتقوى به على من خالفه)[37].

هذا المسلك الذي سلكه أبو حنيفة إذن كان مطابقاً تماماً لما ذكره من الناحية النظرية في مسألة الثورة على الأئمة الظالمين فلقد كان يعرف تاريخ شيعة علي في الكوفة وكان خبيراً بنفسيتهم كما كانت سيرتهم التي درجوا عليها منذ زمن سيدنا علي واضحة معروفة للناس أجمعين حتى لقد حذر داود بن علي (حفيد ابن العباس) زيداً من غدر أهل الكوفة آنذاك وحاول منعه من الخروج[38] كذلك كان أبو حنيفة يعلم أن هذه الحركة قاصرة على الكوفة وحدها أما بقية الدولة الأموية فليس فيها شيء منها كما أنها حركة ليس لها أي تنظيم في مكان آخر تستطيع استمداد العون منه وأنها تكونت في الكوفة نفسها في ستة أشهر لا أكثر وبالتالي لم تكن ناضجة على الإطلاق، لهذا حين نظر أبو حنيفة في ملامحها الظاهرية كلها لم يتوقع أن تحدث ثورة ناجحة علاوة على أن أحد أسباب قعود أبي حنيفة عن هذه الحركة غالباً أنه هو نفسه لم يكن قد اتفق له من النفوذ والتأثير ما يجعل اشتراكه فيها مصدر قوة لها إذ كان أبو حنيفة وقتها ـ عام 120 هجرية ـ ليس إلا تلميذاً من تلاميذ مدرسة أهل الرأي التي يترأسها حماد أستاذه. وحين خرج زيد لم يكن مضى على انعقاد إمامة هذه المدرسة لأبي حنيفة غير قرابة عامين ونصف عام ولم يكن قد نال بعد رتبة (فقيه أهل المشرق) أو تأثيراً ونفوذاً.

خروج النفس الزكية:

أما الثورة الثانية فكانت ثورة محمد بن عبد الله الملقب بالنفس الزكية وأخيه إبراهيم وهما من أولاد الحسن بن علي وقد حدثت ثورتهما عام 145 هجرية (762 ـ 763م) وقت أن كان أبو حنيفة قد وصل إلى قمة الرسوخ وارتفاء المكانة والتأثير.

كانت حركة هذين الأخوين تتحرك منذ عهد بني أمية حتى لقد بايع النفس الزكية المنصور نفسه وأناس كثيرون غيره مما كانوا يريدون الثورة على الدولة الأموية[39] فلما قامت الدولة العباسية تخفى هؤلاء الناس ـ عن أعين الدولة ـ وراحوا يبثون دعوتهم في السر وتفرق دعاتهم في خراسان والجزيرة والري وطبرستان واليمن وشمال أفريقية وجعل النفس الزكية الحجاز مركزه كما كان في الكوفة أيضاً ـ حسب رواية ابن الأثير ـ مائة ألف سيف على استعداد لأن تحمي ظهره[40]، وكان المنصور يعرف مدى دعوتهم ويخافهم أشد الخوف إذ كانت دعوتهم تضارع وتوازي دعوة بني العباس التي أسفرت عن قيام الدولة العباسية وهذا ما جعله يتصدى لقمعها ودكها عدة سنوات ويرتكب أقسى ألوان العنف في سبيل سحقها والقضاء عليها.

ولما خرج النفس الزكية فعلاً في رجب من عام 145 هجرية ترك المنصور بناء بغداد وذهب إلى الكوفة فازعاً هلوعاً إذ كان يشك في بقاء دولته واستمرارها ما لم تسأصل هذه الحركة من جذورها وكثيراً ما كان يقول ـ في حيرته وفقدان رشده ـ (والله لا أدري ما أنا فاعل) فكانت تترامى إليه أخبار سقوط البصرة وفارس والأهواز وواسط والمدائن وغيرها ويخشى اندلاع الثورة من كل مكان فعاش شهرين كاملين لا يغير لباسه ولا يأوي إلى فراشه ويقضي ليله كله في مصلاه[41] وكان يتخذ عدته ويجهز فرساناً ماهرين ليفر من الكوفة على عجل ولو كان الحظ لم يحالفه لأفلحت هذه الحركة وقلبت عرشه وأطاحت بسلطان البيت العباسي[42].

كان موقف أبي حنيفة هذه المرة مختلفاً تمام الاختلاف عن موقفه في المرة السابقة. ولقد قلنا من قبل إنه ساند هذه الحركة علانية حين كان المنصور في الكوفة يفرض حظر التجول كل ليلة حتى كان تلاميذ أبي حنيفة يخشون أن يقبض عليهم أجمعين.

كان أبو حنيفة ينصح الناس ويحثهم على مبايعة ومساندة إبراهيم بن عبد الله أخي النفس الزكية[43] وأفتى بأن الخروج معه أفضل من الحج النفل خمسين أو سبعين مرة[44] بل لقد قال لرجل اسمه أبو اسحق الفزاري (مخرج أخيك أحب إلي من مخرجك) يعني مساندة أخيك لإبراهيم بن عبد الله أفضل من جهادك الكفار[45]. وقد نقل لنا أبو بكر الجصاص والموفق المكي وابن البزاز صاحب الفتاوى البزازية وهم من أجلة الفقهاء آراء أبي حنيفة هذه ومعناها الواضح الجلي أن الجهاد لتخليص النظام الداخلي للمجتمع المسلم من سطوة القيادة المنحرفة ـ عند أبي حنيفة ـ أفضل من قتال الكفار خارج المجتمع المسلم.

ولعل أهم وأخطر ما فعله أبو حنيفة في هذا الخروج نهيه الحسن بن قحطبة ـ القائد الأعلى لجيوش المنصور وأعظم ثقاته ومشيريه ـ عن الذهاب لقتال النفس الزكية وأخيه وكان سيف أبي قحطبة وبطولته الحربية ـ إلى جانب دهاء أبي مسلم الخراساني وحنكته السياسية ـ قد رفع قوائم دولة بني العباس وأقامها فصار الحسن ـ بعد موت أبيه ـ قائداً في مكانه فكان المنصور يعتمد عليه ويثق به أكثر من غيره من القادة لكنه عاش في الكوفة وأحب أبا حنيفة وتعلق به تعلقاً كبيراً.

قال ذات مرة لأبي حنيفة:

(عملي لا يخفى عليك (يعني الظلم والجور الذي حدث على يدي أثناء خدمتي للمنصور) فهل لي من توبة) قال الإمام (نعم إذا علم الله أنك نادم على ما فعلت ولو خيرت بين قتل مسلم وقتلك لاخترت قتلك على قتله وتجعل مع الله عهداً على أن لا تعود فإن وفيت فهي توبتك) فلما سمع من أبي حنيفة عاهد الله على ذلك وتاب. ولم تمض على هذا مدة وجيزة حتى حدثت ثورة النفس الزكية وأخيه إبراهيم فأمره المنصور بالخروج لقتالهما فذكر ذلك لأبي حنيفة فقال له (جاء أوان توبتك فإن وفيت بما عاهدت فأنت تائب وإلا أخذت بالأول والآخر) فجدد الحسن توبته مرة أخرى وقال لأبي حنيفة لن أسير إلى هذا ولو كان قتلي ثم ذهب إلى المنصور، وقال له في صراحة (لا أسير إلى هذا الوجه إن كان لله تعالى طاعة في سلطانك فيما فعلت فلي منه أوفر الحظ وإن كان معصية فحسبي) فغضب المنصور من ذلك غضباً شديداً وقبض عليه فقال حميد أخو الحسن للمنصور ـ بعد ذلك ـ (إنا أنكرنا عقله منذ سنة وكأنه خلط عليه أنا أسير وأنا أحق بالفضل منه) فدعا المنصور بعد ذلك أهل ثقته وسألهم(من يدخل عليه من هؤلاء الفقهاء) قالوا له (إنه يتردد إلى الإمام (أبي حنيفة) )[46].

هذا الموقف العملي الذي وقفه أبو حنيفة كان منطقباً تماماً مع مبدئه ونظريته التي تقول إن الثورة إذا كان من المحتمل أن تكون ثورة ناجحة صالحة فالاشتراك فيها ليس جائزاً مشروعاً فحسب بل هو فرض وواجب أيضاً ولم يكن موقف الإمام مالك في هذا الشأن يختلف عن موقف أبي حنيفة وحين قال له الناس ـ وقت خروج النفس الزكية ـ إن بيعة المنصور في رقابنا فكيف نخلعها ونساعد الآن غيره أفتى ببطلان البيعة جبراً أو الحلف كرهاً أو الطلاق قهراً وبالتالي بطلان بيعة العباسيين[47] وبسبب هذه الفتوى انضم كثير من الناس إلى جانب النفس الزكية ونال مالك عاقبة فتواه بأن جلده والي المدينة العباسي جعفر بن سليمان ومدت يده حتى خلعت كتفه[48].

ليس أبو حنيفة وحده:

ويخطئ من يحسب أن أبا حنيفة وحده ـ بين أهل السنة ـ الذي رأى هذا الرأي في مسألة الثورة إنما الواقع أن رأيه الذي عبر عنه قولاً وفعلاً كان بعينه رأي أكابر أهل الدين في القرن الأول الهجري فأول خطبة خطبها أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعد بيعته قال فيها:

(أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم)[49].

ويقول سيدنا عمر رضي الله عنه:

(من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا)[50].

وحين خرج الحسين على يزيد كان كثير من الصحابة أحياء وكانت جماعة فقهاء التابعين موجودة كلها تقريباً وما رأينا قولاً لصحابي أو تابعي يقول فيه إن الحسين ارتكب بخروجه هذا حراماً حرمه الله أما من كانوا ينهونه عن الخروج فكان رأيهم أن أهل العراق لا يعتمد عليهم وأنه لن يفلح في خروجه بل سيضع نفسه في محف الخطر. وبألفاظ أخرى كان رأيهم ـ جميعاً ـ في هذه المسألة هو ما أوضحه أبو حنيفة فيما بعد من أن الخروج على الإمارة الفاسدة أمر مشروع في ذاته لكن ينبغي ـ قبل الإقدام على هذه الخطوة ـ أن نتدبر الأمر وننظر هل هناك إمكان لإقامة نظام صالح بعد قلب النظام المنحرف وتغييره أم لا. ولقد كان الحسين رضي الله عنه يحسب ـ بناء على رسائل أهل الكوفة المتتالية إليه ـ أنه وجد حماة مناصرين يستطيع بعونهم القيام بثورة ناجحة فخرج من المدينة لكن الصحابة الذين نهوه عن ذلك كانوا يرون ـ عكس هذا ـ أن أهل الكوفة لا ينبغي الثقة بهم بعد الغدر الذي غدروه ـ من قبل ـ بوالده (سيدنا علي) وبأخيه (سيدنا الحسن) فالاختلاف الذي كان بين الإمام الحسين وأولئك الصحابة إذن ـ كان اختلافاً حول التدبير والتخطيط لا حول مشروعية الخروج وعدم مشروعيته.

كذلك حين ثار عبد الرحمن بن الأشعث على الدولة الأموية في زمن ولاية الحجاج الظالمة وقف إلى جانبه ـ آنذاك ـ أكابر الفقهاء أمثال سعيد بن جبير والشعبي وابن أبي ليلى وأبي البختري ويذكر ابن كثير أن فرقة عسكرية من القراء (يعني العلماء والفقهاء) وقفت معه ولم يقل واحد من العلماء الذين قعدوا عن القيام معه إن خروجه هذا غير جائز. والخطب التي ألقاها هؤلاء الفقهاء أمام جيش ابن الأشعث تترجم نظريتهم ترجمة أمينة. قال ابن أبي ليلى:

(أيها المؤمنون إنه من رأى عدواناً يعمل به ومنكراً يدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ ومن أنكره بلسانه فقد أجر وهو أفضل من صاحبه ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي أصاب سبيل الهدى ونور في قلبه اليقين فقاتلوا هؤلاء المحلين المحدثين المبتدعين الذين قد جهلوا الحق فلا يعرفونه وعملوا بالعدوان فلا ينكرونه).

وقال الشعبي:

(يا أهل الإسلام قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم فوالله ما أعلم قوماً على بسيط الأرض أعمل بظلم ولا أجور منهم في الحكم فليكن بهم البدار).

وقال سعيد بن جبير:

(قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنية ويقين وعلى آثامهم قاتلوهم على جورهم في الحكم وتجبرهم في الدين واستذلالهم الضعفاء وإماتتهم الصلاة)[51].

أما أكابر الأمة الذين لم يقفوا مع ابن الأشعث في خروجه على الحجاج ـ عكس ما فعل أولئك الفقهاء ـ فلم يقولوا إن هذا الخروج حرام في ذاته وإنما قالوا إنه ـ بهذا الشكل ـ عكس ما تقتضيه المصلحة ولذلك حين سئل الحسن البصري عن هذا قال:

(إنه والله ما سلط الله الحجاج عليكم إلا عقوبة فلا تعارضوا عقوبة الله بالسيف ولكن عليكم السكينة والتضرع)[52].

كان هذا هو الرأي العام لأهل الدين في القرن الأول الهجري وهو القرن الذي ولد فيه أبو حنيفة فكان رأيه عين رأيهم. ثم بدأ يظهر فيما بعد ـ في آخر القرن الثاني الهجري ـ ذلك الرأي الذي يسمى الآن (رأي جمهور أهل السنة) وليس سبب ظهور هذا الرأي العثور على نصوص قطعية بشأنه كانت خافية على أكابر القرن الأول أو أن أهل القرن الأول ـ معاذ الله ـ كانوا يذهبون مذهباً يخالف النصوص وإنما كان له ـ في الحقيقة ـ سببان: الأول أن الجبابرة لم يتركوا أي طريق مفتوح أمام التغيير بطرق ديمقراطية سليمة والثاني أن المحاولات التي كانت تتم لإحداث التغيير عن طريق السيف أسفرت عن تلك النتائج المتوالية التي لم يبق بعد رؤيتها توقع صدور الخير عن هذا الطريق أيضا[53].

 


 [1] الخطيب البغدادي تاريخ بغداد ج13 ص 368، المكي مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة ج1 ص 89، الذهبي ص 20.

 [2] الذهبي ص 21.

 [3] الكردري مناقب الإمام الأعظم ج2 ص 15 ـ 16. وفي رواية الكردري هذه أمر لم أستطع فهمه إلى الآن وهو أن أبا بكر الصديق امتنع عن الحكم ستة أشهر حتى مجيئ أهل اليمن لبيعته.

 [4] ملا علي القاري شرح الفقه الأكبر ص 91.

 [5] ابن أبي العز شرح الطحاوية ص 322.

 [6] أحكام القرآن ج1 ص 80.

 [7] نفس المصدر السابق ج1 ص 80 ـ 81. وقد أوضح شمس الأئمة السرخسي في المبسوط مذهب أبي حنيفة هذا أيضاً، ج10 ص 130.

 [8] الذهبي ص 17، المكي ج2 ص 100.

 [9] المسعودي ج2 ص 192.

 [10] الشهرستاني الملل والنحل ج1 ص 106، البغدادي الفرق بين الفرق ص 340.

 [11] المقدمة ص 195 ـ 196.

 [12] ابن حجر فتح الباري ج13 ص 93، 96 ـ 97، مسند أحمد ج3 ص 129، 183 ج 4 ص 421، مسند أبي داود حديث رقم 946 ـ 2133.

 [13] الطبري ج 3 ص 192.

 [14] ابن حجر فتح الباري ج13 ص 95.

 [15] السرخسي شرح السير الكبير ج1 ص 98. وهناك حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم رواه أبو حميد رضي الله عند قال أن النبي استعمل رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة فلما قدم قال هذا لكم وهذا أهدي إلي فقال النبي ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ولانا الله فيقول هذا لكم وهذا أهدي إلي فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيهدى إليه أم لا والذي نفسي بيده لا يأخذ منه شيئاً إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاء تيعر ـ المترجم.

 [16]  المكي ج1 ص 215.

[17]   المكي ج1 ص 215 ـ 216.

 [18]  المكي ج2 ص 180.

 [19] المكي ج2 ص 100.

[20]  المكي ج 1 ص 21ـ 24، ابن خلكان ج5 ص 41، ابن عبد البر، الانتقاء ص 171.

 [21] مناقب الإمام ص 30.

 [22]  المكي ج2 ص 73 ـ 173 ـ 178.

[23]  المكي ج1 ص 215.

 [24]  المكي ج2 ص 170، الخطيب البغدادي ج13 ص 320.

 [25]  المكي ج2 ص 173ـ 174 ـ 182، ابن خلكان ج5 ص 46، اليافعي مرآة الجنان ص 310.

 [26]  أحكام القرآن ج1 ص 81.

[27]   الخطيب ج13 ص 330، المكي ج2 ص 171.

 [28]  ابن الأثير ج 5 ص 25، الكردري ج2 ص17، السرخسي كتاب المبسوط ج 10 ص 129.

 [29] الكردري ج 1 ص 160 ـ 165 ـ 166، ابن عبد البر الانتقاء ص 125 ـ 153، الخطيب ج 13 ص 351.

[30]  السرخسي كتاب المبسوط ج 10 ص 125.

[31]  انظر الأشعري مقالات الإسلاميين ج 2 ص 125.

 [32] أحكام القرآن ج 1 ص 81.

[33]  أحكام القرآن ج 2 ص 39.

 [34] الطبري ج 5 ص 482 ـ 505.

 [35] الجصاص ج 1 ص 81.

[36]  المكي ج 1 ص 260.

 [37] المكي ج 1 ص 260.

[38]  الطبري ج 5 ص 487 ـ 491.

 [39]  الطبري ج 6 ص 155 ـ 156.

 [40] الكامل ج 5 ص 18.

 [41] ذكر الكبري في ج 6 ص 155 حتى 263 تاريخ هذه الحركة وهو ما سقنا خلاصته في هذه السطور.

 [42] اليافعي ج 1 ص 299.

 [43]  الكردري ج 2 ص 72، المكي ج 2 ص 84.

[44]  الكردري ج 2 ص 71، المكي ج 2 ص 83.

[45] الجصاص أحكام القرآن ج 1 ص 81.

 [46] الكردري ج 2 ص 22.

 [47]  كان العباسيون عند أخذ البيعة يستحلفون الناس بطلاق نسائهم إن هم نقضوا بيعتهم وذلك ذكر الإمام مالك مسأله الحلف والطلاق كرهاً إلى جانب مسألة البيعة.

 [48] الطبرى ج 6 ص 190، ابن خلكان ج 3 ص 385، ابن كثير ج 10 ص 84، ابن خلدون ج 3 ص 191.

 [49] ابن هشام ج 4 ص 311، البداية والنهاية ج 5 ص 248.

 [50] هذه ألفاظ رواية البخاري في كتاب المحاربين باب رجم الحبلى من الزنا. وقال عمر أيضاً في رواية أخرى (من دعى إلى إمارة من غير مشورة فلا يحل له أن يقبل) (فتح الباري ج 12 ص 125). ونقل الإمام أحمد كذلك قولاً لسيدنا عمر أن: (من بايع أميراً من غير مشروة المسلمين فلا بيعة له ولا بيعة للذي بايعه) مسند أحمد ج 1 حديث رقم 391.

 [51]  الطبري ج 5 ص 163.

[52]  طبقات ابن سعد ج 7 ص 164، البداية والنهاية ج 9 ص 135.

[53]  ارجع ـ لمزيد من شرح هذه المسألة ـ إلى كتاب تفهيمات الجزء الثالث من ص 300 حتى 320 وكذلك تفهيم القرآن سورة الحجرات.

ملفات مرفقة: 
بقلم: 
تقديم/ الموقع
المصدر: 
الموقع