حقائق وضوابط في الحاكمية والتشريع

حقائق وضوابط في الحاكمية والتشريع

(حقائق وضوابط في الحاكمية والتشريع)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد..

جاء في أحد الردود على التفريق بين متى يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرا أكبر، ومتى يكون كفرا أصغر، ونُسب هذا الرد الى أحد الدعاة المصريين..

 فأورد قاعدة أن الحكم بغير ما أنزل الله إذا كان التزاما لغير شرع الله فهو كفر أكبر، وإذا كان في بعض الجزئيات والتفاصيل فقط فهو كفر دون كفر، وقال بخطأ هذه القاعدة ونسب الى من قالها أنه يُرجع كون الكفر أكبر أو أصغر الى قِلة وكثرة الحكم بغير ما أنزل الله، أي الى القَدْر والنسبة لا الى جنس الفعل نفسه.. مما يوضح أنه لم يفهم مقصود هذه القاعدة، وفهم أن الموضوع متعلق بالقِلة والكثرة دون أن يعرف مناط التبديل من غيره ومتعلق الكفر الأكبر في المسألة ومتعلق الكفر الأصغر.. ثم أخذ يبين خطأ اطرادها ـ بحسب ما فهمه منها.

ثم أورد ما يراه صوابا وقال أنه يكون كفرا أكبر إذا زعم صاحبه أو قال أن حكم غير الله أفضل أو جوّز ذلك بلسانه، دون أن يكون للفعل نفسه تأثيرا.

وهذا الرد المشار اليه يحتوي على عدة مغالطات، ويلزم منه نتائج سيئة..

 وفحوى هذا الرد  في نقطتين:

الأولى: أن تبديل الشرائع لا يكون كفرا إلا إذا قال المبدلون أن شريعة غير الله أفضل أو صرحوا بما يعبر عن هذا، لكنهم ما داموا يبدلون الشرائع ويفرضون قوانين شرعها غير الله تعالى يلزمون بها الناس ويقضون بها في الدماء والأموال والأبضاع، ويربون عليها الناس في التعليم للنشء، وفي الإعلام لعامة المجتمع، وينشرون الإباحية والإلحاد، ويحاربون الإسلام ودعاته ويجففون منابعه ويقتلون رموزه ويستهزئون بأحكامه وعلمائه ورموزه..ووالوا أعداءه ومكنوا لليهود وعادوا المجاهدين وخنقوهم وحاصروهم وفعلوا كل الجرائم، لم يكفروا ما داموا (لم يقولوا كذا أو يصرحوا بكذا!)، وهم لا يقبلون هذا الهراء على حقوقهم لكن قبلوه على دين الله تعالى.

الثانية: زعم صاحب هذا الرد أنه لما طالب من يقولون بكفر من بدّل الشرائع قالوا لهم أنه بحسب قلة وكثرة الحكم بغير ما أنزل الله، فلو حكم في جزئية واحدة لم يكفر ولو حكم في الكثير يكفر..

وزعم أن اطراد المسألة يأتي على ما قرره ويصح على وِفْقها، دون ما زعم أنه قول الآخرين.

- وهذا كلام مضطرب وغير مستقيم.. ولم يقل به أحد بهذا المأخذ الذي زعمه هذا الرادّ، بل هذا ما فهمه هو بفهمه القاصر أو ما لفقه للناس ليرد على ما توهم لا على حقيقة ما يقولون.

إذ أن الكثير يتصور مآخذ ضعيفة ينسبها لأهل الحق فيرد عليها متوهما أنه أبطل حجتهم.. أو يتوهم مآخذ أخرى فيرد على ما توهمه يقرر بها قضايا عقدية بمآخذ المرجئة متسترا ومنتسبا لأهل السنة، ومخوفا من يقرر قواعد أهل السنة بأن قوله هو قول الخوارج.. بينما لا يميز مأخذ المرجئة ولا مأخذ الخوارج من مأخذ أهل السنة وحقيقة قولهم في المسألة.

وقد حكى الأئمة كابن القيم رحمه الله وابن تيمية كذلك من قبله عمن يحكي جميع أقوال الفرق المختلفة ومذاهبهم، ولا يحكي قول أهل السلف والسنة، إلا أن ينسب اليهم قولا ضعيف المأخذ يقول به بعض الفرق، جاهلا بمأخذ أهل السنة والسلف وقولهم.

 ولا بد من بيان النتائج السيئة فيما يترتب على مثل تلك الأقوال الملبسة.. وبيان حقيقة الأمر في موضوع الحاكمية والتشريع، بما يليق برد مختصر..

1) لا بد من بيان وتقرير حقيقة قول أهل السنة في أصل الإيمان، وفي المقابل حقيقة قول جهم والمرجئة الذي انتشر عند الكثير ممن يدّعي قول أهل السنة، وهو لا يدري.

فالإيمان عند أهل السنة يشمل أمرين: تصديق الخبر وقبول الحكم، أو التصديق والعبادة، أو التصديق والإلتزام، أو القول والعمل، يعنى به العمل في أصل الإيمان.. أو هو التصديق والتعظيم، أو توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وهو توحيد العبادة..

كل هذه تعبيرات عن حقيقة واحدة، هي شِق التصديق والمعرفة والإقرار، وشِق التعظيم والعبادة وقبول الأحكام والإستسلام.

ولا بد من اجتماعهما في أصل الدين (إن تُسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون) يعني صدّقوا وانقادوا، ومثلها (الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين)، وغير ذلك من الآيات.

2) لو خلا التصديق من القبول لكان مجرد معرفة، والمعرفة وحدها ليست إيمانا (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون) فأثبت تعالى المعرفة ونفى الإيمان فالإيمان ليس مجرد معرفة..

فإن انضم اليه الإقرار الخبري باللسان، كان إيمانا مقيدا قد يقترن به الشرك فلا ينفع صاحبه، وقد يخلو من الشرك في العبادة فيكون نافعا وهذا هو الإسلام عندئذ..

وفي هذا جاء قوله تعالى (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) وتفسيرها أن إيمانهم إقرارهم بالربوبية وهو إقرار باللسان موافق لعلم القلب وتصديقه، ولكنهم يشركون بالله في العبادة؛ فلم يكن هذا إيمانا شرعيا، بل هو إيمان لغوي، أو إيمان شرعي مقيد، ولا يصبح إيمانا شرعيا الا بترك الشرك في العبادة..

ونفس المعنى في قوله تعالى (فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون).. وبتفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الظلم هو الشرك، والشرك هنا هو الشرك في العبادة لا في الربوبية بدليل آية يوسف قبلها أن إقرارهم بالربوبية كان إيمانا مقيدا وأن شركهم كان في العبادة، وعلى هذا تواترت آيات كثيرة في كتاب الله تعالى على تقرير هذا المعنى بإقرار المشركين بوجود الله تعالى وبعضهم يعرف صحة الرسالة لكنهم رفضوا إفراد الله بالعبادة ورفضوا قبول شرعه (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء، كذلك فعل الذين من قبلهم)، (قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء) فرفضوا ترك الشرك ورفضوا التقيد بشرائع الأنبياء.

فلما كان هذا الإيمان (اللغوي) يحتمل اقتران الشرك ويحتمل ألا يقترن به عُلم أنه ليس إيمانا شرعيا إذ أن الإيمان الشرعي لا يوجد مع الشرك الأكبر، وهذا هو الإيمان عندما يكون تصديقا وإقرارا فقط دون القبول والانقياد.

وليكون الإيمان إيمانا شرعيا مقبولا يفرغ به صاحبه من العهدة ويحقق أصل الإيمان الذي هو أصل الدين وهو أصل الإسلام، لا بد من ترك الشرك في العبادة.

3) وترك الشرك في العبادة هو الإسلام (قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وأُمرت أن أُسلم لرب العالمين) فترك الشرك هو الإسلام.

وترك الشرك، وتحقيق الإسلام يكون بالإستسلام لله تعالى وحده في العبادة والطاعة.

وذلك بإفراد الله تعالى بالعبادة، وذلك بصرف أنواع العبادة والتوجه بها لله تعالى وحده، أما الأداء أو التقصير فيها فطاعة ومعصية.. إلا ما دل عليه النص بخصوصه وهي الصلاة، خاصة في حال تركها بالكلية، وهو محل خلاف بين الأئمة.

وإفراده تعالى بالطاعة يكون بقبول الأحكام من الله تعالى وحده، بقبول شرعه ورفض ما سواه، وبهذا يتحقق الإستسلام، فالإستسلام يتحقق بقبول الأحكام.

ومن استسلم لله ولغيره كان مشركا، ومن لم يستسلم لله كان مستكبرا، والإسلام أن يستسلم لله وحده.

وترجمة هذا أن من قبِل الأحكام من الله ومن غيره كان مشركا، ومن لم يقبل حكم الله بالكلية كان مستكبرا، والإستسلام أن يقبل الأحكام من الله وحده ويرفض حكم ما سواه..

فالمسلم يلتزم الحكم ويقبله لأنه صادر من الله تعالى إما بنص أو باجتهاد بما دلت عليه أدلة الشريعة وما قام ببيانه فقهاء الأمة وعلماؤها الكرام.

- إذن لا بد في الإيمان الشرعي من أن يشمل الإسلام العام، وهو توحيد الألوهية، فالإسلام جزء مسمى الإيمان الشرعي.

4) لا يتم قبول الحكم الشرعي إلا بأن يُقبل كما نزل، في الشأن الخاص والعام، على هيئته الفردية والجماعية..

فمن قبِل من الله حكما في الجانب الفردي الشخصي دون الجانب الجماعي العام، وأباح التبديل في الشأن العام فقد رد أمر الله في الجانب الجماعي العام؛ فقصْر القبول على بعض ما نزل فيه الحكم هو عدم قبول لما أنزل الله تعالى إذ أن الله تعالى أنزل أحكامه عامة شاملة للمجال الفردي الخاص والجماعي العام..

5) وعلى هذا تأتي قضية الحكم بما أنزل الله تعالى في هذا السياق، حيث تدخل عقائد المرجئة والجهمية بخبث شديد لتلبّس على المسلمين أمر دينهم.

فنقول ما هو المراد بالحكم بغير ما أنزل الله؟

هذا المصطلح يطلق ويراد به ثلاث صور:

  1. الحكم التشريعي بمعنى قبول التشريع من الله تعالى وحده، أو التشريع بغير ما أنزل الله، معه أو من دون، ورد الأمر الى غيره.
  2. القضاء بين الناس.
  3. الاجتهاد.  

المعنى الأول هو معنى الإسلام أو الشرك، وهو متصل بأصل الدين، ويعني قبول الحكم الشرعي أو رده على الله تعالى.. وفي هذا جاءت آيات كثيرة، سواء بلفظ: (الحكم) أو (التشريع) أو (الاتباع) أو (الطاعة).

(إن الحكم الا لله) (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه الى الله) (أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل اليكم الكتاب مفصلا) (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) (اتبعوا ما أُنزل اليكم من ربك ولا تتبعوا من دونه أولياء) (ولا تأكلوا مما لم يُذكر اسم الله عليه، وإنه لفسق، وإن الشياطين ليوحون الى أوليائهم ليجادلوكم، وإن أطعتموهم إنكم لمشركون).

في هذا المعنى المشكلة ليست في ثبوت التهمة أو انتفائها، بل الجدال هنا حول ما هو الحكم الذي يطبق في حال التهم سواء وقعت أم كانت مقدرة، بل قد تكون ثابتة ويكون الخلاف في مصدر التشريع الذي يحكم عليها، وفي هذا جاء فيما ثبت من التهم وكان الخلاف حول المصدر الذي تُتلقى منه أحكام هذه التهم، كان الحكم بين حالة الإيمان وحالة النفاق (ألم تر الى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل اليك والى الذين من قبلك يريدون أن يتحاكموا الى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به..) الى قوله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما).. قال ابن القيم أن التحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان.

وفي هذا أيضا جاءت آيات سورة المائدة ونزل فيها (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) فالتهمة كانت ثابتة على الزانيين أو في تهمة القتل، على الروايتين، ولم يكن الخلاف على ثبوت التهمة بل على الجهة التشريعية هل هي الحكم المبدل المخترع الذي اجتمع عليه اليهود؟ أم هو الحكم في كتابهم؟

فالكفر هنا هو كفر أكبر في حال المقصود به التشريع وقبول الحكم أو ردّه.

وفي المعنى الثاني، معنى القضاء، جاء قوله تعالى (إنا أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله)، (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإذا اجتهد فأصاب فله أجران) فهذا في حال الاستقرار على الحكم المتفق على تحكيمه وهو حكم الله تعالى، ولكن يكون الخلاف في ثبوت التهمة أو زحزحتها عن صاحبها واتهام بريء..

فلو استوفى القاضي الاجتهاد وكان أحدهما ألحن بحجته فهو قد قضى بما بلغ علمه واستوفى ما أُمر به، ولو قصد زحزحة التهمة لرشوة أو خوف أو رغبة وجامل ظالما اتباعا للهوى، فهذه كبيرة من الكبائر، وهي التي يقال فيها (كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق)

والمعنى الثالث، وهو الاجتهاد ودليله قوله تعالى (وداوود وسليمان إذ يحكما في الحرث..) الى قوله (ففهّمناها سليمان) فهنا راجح ومرجوح، أجران أو أجر، أو زلة عالم مغفورة، ولو قصر في الإجتهاد ولم يستوف ما أمر الله تعالى من بذل الوسع والتزام العلم والعدل أثِم..

لكن الغالب هو أحد المعنيين الأولين التشريع أو القضاء.

الأول توحيد أو شرك، إيمان أو نفاق، إسلام أو ردة، لاتصاله بأصل الدين من حيث قبول الحكم أو رده.

والثاني هو مناط قد يقع حتى في الأوضاع التي تقيم الشريعة وتحكمها، فيحدث انحراف في باب المظالم والرشاوي أو التأثير السياسي أحيانا على القضاء.. فهذا في نطاق الطاعة والمعصية، ويغلظ في المعصية فيقال كفر دون كفر..

وعلى هذا نقرر عدة نقاط، وقد نكرر بيان بعض الأمور لأهميتها وشدة ارتباطها بما بعدها..

6) ليست العبرة في الكفر والمعصية بالقِلة والكثرة، فأحكام الكفر أو المعصية ليست مرتبطة بالقدْر والنسبة بل العبرة بالجنس؛ فالقول أنها تكون كفرا بقدْر أو نسبة ارتكابها وتكون معصية إذا قل تكرارها هو قول خطأ، وهو ما فهمه هذا المجيب؛ فهذا افتراض يرد هو عليه، وليس هو قول أهل السنة الذين لم يقف على حقيقة قولهم.

فمن قال أن العبرة بالقِلة والكثرة لم يفقه كلام ابن عباس وكلام الأئمة الكرام.

وليست العبرة أيضا في أن يقول المبدلون أن شرع غير الله خير من شرعه، فقط، فهذا أحد أنواع الردة عن الشرائع.. ومن قصر الردة في باب تبديل الشرائع على أن يزعم الرادّ أو المبدّل  كذا أو يقول بلسانه كذا، دون التبديل نفسه، فيُسقط حكم التبديل، فهذا قصر على بعض أنواعها اتباعا لقواعد المرجئة.

وإنما العبرة في أمر آخر هو الفرق بين تغيير التشريع وتبديل حكم الله تعالى بوضع حكم بديل.. وبين زحزحة التهمة عن المتهم أو اتهام بريء وعقوبة من لا يستحق العقوبة.

فالأول راجع الى الشرك الأعظم لأنه تبديل حكم الله تعالى وتحليل الحرام وتحريم الحلال، والثاني راجع الى الفروع فهو معصية، وتوصيفه أنه كبيرة من الكبائر، يقال عنها كفر دون كفر تغليظا لها.

7) القاعدة العظيمة لأهل السنة أن المعصية ضدها الطاعة، والبدعة ضدها السنة، والشرك ضده التوحيد.

والمعصية هي مطلق المخالفة، والبدعة ما فيها شوب تشريع لأنها ما وُضع على مضاهاة المشروع، وأما الشرك فهو التشريع المطلق من دون الله تعالى..

8) أن القدْر والنسبة في المعصية لا يوجب الكفر، ولكن يوجب تغليظ الجريمة للإصرار أو زيادة القدر فيزداد العذاب ـ عياذا بالله تعالى ـ لكن في إطار أنها معصية، كقوله تعالى (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم) وذلك بسبب الإضلال، وكقوله تعالى (زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون) ولذلك تغلظ المعصية بالإصرار والمجاهرة ودعوة الغير اليها وإغواء الخلق، لكن هذا لا يخرجها من كونها معصية الى كونها كفرا.

أما ما يخرجها الى الكفر فهو الاستحلال أو الرد.

9) نؤكد ما مرّ معنا، أن لفظ الحكم يطلق ويراد به المعنى الشرعي الإصطلاحي، ويطلق ويراد به المعنى العرفي..

  • المعنى الإصطلاحي الشرعي يعني التشريع، وقبول الحكم من الله تعالى، وهذا من حقوق الله تعالى الخالصة وهو معنى العبادة ومعنى الإستسلام الذي لا يتحقق الا بقبول الأحكام، وهو يعني بتعبير علماء السنة أن الحلال ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله.

وتحليل الحلال وتحريم الحرام وإيجاب الواجبات معناه قبول هذه الأحكام والتزامها كحكم وقانون لازم عموما وخصوصا، فلا يقبل تبديلها في الشأن العام بإباحة ما حرم الله أو رفض وجوب ما فرض الله تعالى، لأن قصر التحريم أو الوجوب على بعض المجالات دون بعض هو خروج من التحريم والوجوب، كما أن تبديل العقوبات الشرعية وأحكامها كذلك هو تبديل للأحكام..

وهذه قضية إيمان وكفر، لأن الإيمان هو تصديق الخبر وقبول الحكم، والكفر يكون إما بتكذيب الخبر أو رد الأمر على الله تعالى.. (الذي كذّب وتولى) (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين) فهذا نفي للإيمان بسبب التولي عن حكم الله تعالى وإن قالوا بألسنتهم.

  • أما المعنى العرفي فبمعنى القضاء، فالقاضي يرجع الى القانون الشرعي، ولكنه قد يزحزح التهمة عن المتهم بقبول الرشوة أو يتهم بريئا أو يجامل ظالما، وهذا كفر دون كفر.
  • الآية الكريمة (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) لو أريد بمعنى (يحكم) تبديل القانون والرجوع الى غير الشريعة فالكفر هنا كفر أكبر.. وهي نزلت في هذا، لوجهين:

الأول: أن سبب نزول الآيات لم يكن على الخلاف في ثبوت التهمة أو انتفائها، بل التهمة كانت ثابتة على المتهمين، سواء حالة الزنا أو حالة القتل بين قريظة والنضير وخلافهما في مقدار الدية.

والثاني: أن القاعدة هي تقديم الدلالة الشرعية الإصطلاحية على الدلالة العرفية الاستعمالية على الدلالة اللغوية.

  • ولو كان المراد بالآية تنزيلها على انحراف القضاة والولاة في دقة وعدالة تنزيل الأحكام على مناطاتها أو تحريفها فيحرفون المناطات أو يرتكبون مظالم دون تبديل الشرائع: فالمراد بالكفر هنا الكفر الأصغر (كفر دون كفر وظلم دون ظلم..).. وهذا هو كلام أهل السنة المعاصرين عندما قالوا لو حكم في جزئية وهو ملتزم لحكم الله فلا يكفر بينما لو التزم شريعة أخرى يكفر، ومقصدهم أنه لو زحزح التهمة أو جارَ وظلم في بعض ما يعرض له، دون تبديل الأحكام لا يكفر، أما تبديله للأحكام فلو بدل حكما واحدا لكفر بالإجماع.. وهذا ما لم يفهمه صاحب الرد المشار اليه.

10) والمقرر في القاعدة الأصولية أن يتقدم المعنى الشرعي الإصطلاحي على المعنى العرفي الاستعمالي على المعنى اللغوي..

فالمراد بالآية على هذا هو تبديل الشرائع، وعلى هذا سواء قام به أحد من هذه الأمة أو ممن قبلها من بني اسرائيل أو غيرهم فهي قاعدة عامة في تبديل الشرائع لأنه تحليل للحرام وتحريم للحلال ورد للفرائض وتبديل للعقوبات الشرعية.. فهذا كفر أكبر، وهذا محل إجماع الأمة.

11) لما كان لقوله تعالى  (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، معنى شرعي اصطلاحي ومعنى عرفي استعمالي، ذكر ابن كثير رحمه الله أقوال الصحابة والتابعين فيها بين من حملها على مناطها الذي أنزلت فيه وهو مناط التبديل فأطلق أنها في الكفر الأكبر، وبين من حملها على مناط القضاء، وهو المعنى العرفي..

وذلك لتنزيلها على واقعهم زمن بني أمية، فعادة علماء الصحابة والتابعين تنزيل الآيات وتفسيرها بأقرب مثال معاصر لهم، كما فسّر بعضهم الذين لما زاغوا أزاغ الله قلوبهم: بالخوارج، وبعضهم قال أن قوله (وما يضل به الا الفاسقين) أيضا في الخوارج، وفسر بعضهم (فمنهم ظالم لنفسه) بمن يبخل بالزكاة.. وهكذا قاعدتهم رضوان الله عليهم، وهذا من عمق علمهم رضوان الله عليهم.

فذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله الوجهين والأقوال المختلفة فيها، وهذا الاختلاف ليس راجعا الى الاختلاف في حكم تحليل الحرام وتحريم الحلال ورد الفرائض وتبديل الشرائع فهذا مجمع على أنه كفر أكبر، ولكن الاختلاف في حملها على مناط التشريع أو مناط  القضاء.

بينما لما فسر قوله تعالى (أفحكم الجاهلية يبغون) وذكر تبديل الشرائع بتبديل القوانين، وضرَب مثالا بياسق جنكيز خان لم يذكر أقوالا، لأن الأمر محل إجماع وقال النص التالي:

(ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان، الذي وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير).

والياسق هو أقرب مثال لواقعنا المعاصر.

12) من ظن أن المراد بالآية كثرة الحكم بغير ما أنزل الله أو قلّته دون التفريق السابق فهو خطأ وكلام مجمل ولم يعِ عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قصدهم..

ذلك أن الخوارج وجدوا الآية تنطبق في معناها العرفي الإستعمالي على واقعهم فأرادوا تنزيل الآية وحكمها ـ الذي جاء فيمن بدل الشرائع ـ على مظالم القضاء،  في زحزحة التهمة عن المتهمين أو اتهام بريء أو ارتكاب مظالم، فأرادو بها تكفير بني أمية وعامة المسلمين.. ولم يرتكب بنو أمية مكفّرا ولا بدلوا الشرائع بل أقاموا الشريعة ونشروا الإسلام واستكملوا الفتوحات وأقامو الحدود وأقاموا الدين، لكنهم خرجوا عن شورى المسلمين وورّثوا الحكم ولهم مظالم في الدماء والأموال، وهي أمور كلها في نطاق المعاصي لا الكفر.

فما فعله الخوارج غلوّ مرفوض، ولذا قال ابن عباس ليس الكفر الذي تذهبون اليه بل هو كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق، وذلك لأن مناط بني أمية وقضاتهم لم يكن هو مناط الآية الشرعي الإصطلاحي، ولكنه المعنى العرفي وهو متأخر في الترتيب، والحكم في شأنه أن يؤخذ له نصيب من الحكم الأصلي بما يليق بحالة الإنحراف وهو ما فعله حبر الأمة بدقة وعلم وعدل وليس بهوى الخوارج المفْرطين، ولا بهوى المرجئة والجهمية المفَرّطين كما جاؤوا بعد ذلك.

13) كما يُخشى من الغلو فيجب أن يُخشى من الإرجاء والتجهم والتفريط، بحيث أن يسوّغ البعض للتبديل وتحليل الحرام وتحريم الحلال ورد الفرائض وتغيير حدود الله تعالى وحرب الإسلام وتجفيف منابعه، يدافع عن هذا بمأخذ المرجئة وقواعد الجهمية متسترا بأقوال أهل السنة ومنتسبا لها ظاهرا، وحقيقة قوله هي قول جهم والمرجئة المدمرين لدين الله تعالى.. فيندفع في متاهة يلقى الله تعالى عليها، وكان السكوت له أسلم.

فيسيطر المجرمون والإباحيون والملاحدة ويتسترون بهم لحرب الإسلام وتبديل الدين وزحزحة الناس بنظام مدروس للخروج من دين الله وإخراج نشء في التعليم، وإخراج جيل بالإعلام يجيز منهج غير الله ويستنكر حاكمية دين رب العالمين تعالى.

14) مثال هذا أن من المرجئة من قال أن الإيمان مجرد المعرفة حتى لو لم ينطق بالشهادتين طول عمره لكنه يعرف أن الرسول حق فهو مؤمن ناجٍ في الآخرة ولو عاداه وحارب المسلمين ورد شريعته!

ومنهم من قال الإيمان مجرد القول..

وعامتهم من يقول أن الإيمان هو تصديق الخبر بالقلب واللسان معا، والعمل غير داخل في مسمى الإيمان.. فلا يُدخلون في أصل الإيمان قبول الأحكام، وهي العبادة والإستسلام لله تعالى.

بينما جاءت الرسل بـإفراد الله بالعبادة، ولهذا كان عنوان التوحيد (لا اله الا الله) وليس فقط (لا رب الا الله) لأن توحيد الألوهية متضمن ومستلزم للربوبية، بخلاف من يقرّ بربوبيته ولا يعبده.

وعلى هذا لا يجعلون نقض الإيمان الا بالشك والتكذيب دون رد الأمر.

ولهذا تجدهم يقولون (إذا قال) (إذا اعتقد)، دون (إذا ردّ على الله أمره)..

بينما (رد الأمر) كان واضحا عند السلف، وهو واضح في السيرة وما أشيع عن بني المصطلق في رد فريضة واحدة هي الزكاة فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتالهم وأرسل اليهم خالدا، وكانت أصلا للصدّيق رضي الله عنه أن يحارب المرتدين بإسقاط وجوب الزكاة.

وهو واضح في كتاب الله تعالى في الفرق بين معصية آدم عليه السلام ومعصية إبليس لعنه الله، فالأولى مخالفة مع التزام الأمر وقبول الحكم، والثانية رد أمر الله تعالى عليه..

وواضحة في التفسير كما قال النسفي في قوله تعالى (ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) أنه إذا كانت المعصية هي معصية رد أمر الله تعالى والامتناعِ من قبول الحكم فهو ضلال كفر، وإذا كانت مخالَفة مع التزام الأمر وقبول الحكم فهو ضلال معصية..

وتواتَر كتاب الله تعالى كله على تأسيس التوحيد وإفراد الله تعالى بالتشريع وقبول حكمه، ليخاطِب المسلمين بالأحكام يلتزمونها في أمورهم العامة والخاصة، الفردية والجماعية، قانونا لا يلتزمون سواه وشريعة قاضية وأحاكما قائمة تقوم عليها السلطة وعلى تنفيذها وتقريرها وإعلائها وتعليمها.. يجتهد المجتهدون على وفقها، ويقضي بها القضاة ـ جاروا أم عدلوا هذا شأن آخر ـ وتقوم على تنفيذها السلطة التنفيذية ـ عدلت أو جارت وفرطت هذا شأن آخر كذلك..

أما أن تُسقَط حاكمية الله وتُرد شريعته، ويُرد أمر التشريع الى غيره تعالى، بحيث تصبح الأحكام ملزمة إذا صدرت من مجلس بعدد معين دون الرجوع الى شريعة الله ولا الإلزم بها ولا إبطال ما خالفها: فهذا شأن خطير ومضادة للدين ونقض لأصل الإيمان..

15) والبعض لا يتصور وقوع المخالفة مع الْتزام الشريعة، وهذا قصور من البعض وجهل من الآخر، والْتواء وتجاهل من فريق ثالث يمسك بأغلب أزمة التوجيه الديني المعاصر..

ونوضح هذا من كلام ابن القيم رحمه الله في قوله تعالى( ’ÎT#¨“9$# Ÿw ßxÅ3Ztƒ žwÎ( ºpuŠÏR#y— ÷صلى الله عليه وسلمصلى الله عليه وسلم& Zpx.Ύô³ãB )يقول «إن لم يعتقد وجوبه عليه ولم يلتزمه فهو مشرك، وإن التزمه واعتقد وجوبه عليه وخالفه فهو زان» زاد المعاد، جـ4، ص10.

كما أشكل على البعض كلام العلماء أن المخالفة مع سلامة الاعتقاد تكون معصية، فظنوا أن الاعتقاد هنا هو التصديق فقط بينما المقصود بالاعتقاد هنا أصل الدين بشقيه التصديق والقبول، وأجمل أهل العلم المصطلح لوضوحه، فلما أشكل على بعض المتأخرين أوضحه العلماء، ونوضح هذا بمثالين لابن تيمية ـ رحمه الله ـ أحدهما في رفض التزام الواجبات والآخر في إسقاط المحرمات..

يقول شيخ الإسلام رحمه الله موضحا الخلاف في ترك الصلاة بين حالة أن يرجع الخلل الى أصل الدين فحكمه محل اتفاق بين أهل العلم، وبين أن يرجع الى الفروع بالخلل في باب (الدخول في العمل) فهو محل الخلاف.

ويوضح رحمه الله أن الخلل إذا كان راجعا الى أصل الدين فهو في حالتين:

   ا) حالة الخلل في التصديق.

ب) وحالة الخلل في القبول والإلتزام.

يقول رحمه الله «وتكفير تارك الصلاة هو المشهور المأثور عن جمهور السلف من الصحابة والتابعين.

 ومورد النزاع هو فيمن أقر بوجوبها والْتزم فعلها ولم يفعلها، وأما من لم يقر بوجوبها فهو كافر باتفاقهم، وليس الأمر كما يفهم من إطلاق بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم: أنه إن جحد وجوبها كفر وإن لم يجحد وجوبها فهو مورد النزاع بل هنا ثلاثة أقسام:

 أحدها: إن جحد وجوبها فهو كافر بالاتفاق.

 والثاني : أن لا يجحد وجوبها لكنه ممتنع من الْتزام فعلها كبرا أو حسدا أو بغضا لله ورسوله، فيقول: أعلم أن الله أوجبها على المسلمين والرسول صادق في تبليغ القرآن ولكنه ممتنع عن التزام الفعل استكبارا أو حسدا للرسول أو عصبية لدينه أو بغضا لما جاء به الرسول، فهذا أيضا كافر بالاتفاق؛ فإن إبليس لما ترك السجود المأمور به لم يكن جاحدا للإيجاب فإن الله تعالى باشره بالخطاب وإنما أبى واستكبر وكان من الكافرين، وكذلك أبو طالب؛ كان مصدقا للرسول فيما بلغه لكنه ترك اتباعه حمية لدينه وخوفا من عار الانقياد واستكبارا عن أن تعلو إستُه رأسَه؛ فهذا ينبغي أن يتفطن له، ومن أطلق من الفقهاء أنه لا يكفر إلا من يجحد وجوبها فيكون الجحد عنده متناولا للتكذيب بالإيجاب ومتناولا للامتناع عن الإقرار والالتزام، كما قال تعالى:      (فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ )وقال تعالى:    (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ )، وإلا فمتى لم يقر ويلتزم فعلها قتل وكفر بالاتفاق.

 والثالث : أن يكون مقرا ملتزما؛ لكن تركها كسلا وتهاونا؛ أو اشتغالا بأغراض له عنها فهذا مورد النزاع كمن عليه دين وهو مقر بوجوبه ملتزم لأدائه لكنه يمطل بخلا أو تهاونا..» مجموع الفتاوى، جـ 20، صـ 97-98.

كذلك لفظ الاستحلال، من لم يفهم مصطلح شيخ الإسلام ظن أنه يقصد به دائما الخلل في الجانب الخبري فقط دون الخلل في العبادة والقبول، كما هو مصطلح هؤلاء المرجئة والجهمية الذين يقيدون كل خلل في توحيد العبادة، فيقيدون الشرك الأعظم في العبادة بقيد الاستحلال الخبري (بالشك أو التكذيب) دون رد التحريم، جهلا منهم بحقيقة المصطلح أو تلاعبا به، للهروب من حق الله تعالى على العبيد في إفراده بالعبادة..

 بينما يوضح شيخ الإسلام رحمه الله حقيقة هذا المصطلح، فيقول:

«الوجه الثالث: أن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرمه عليه واعتقاد انقياده لله فيما حرمه وأوجبه فهذا ليس بكافر فأما إن اعتقد أن الله لم يحرمه أو أنه حرمه لكن امتنع من قبول هذا التحريم وأبى أن يذعن لله وينقاد فهو إما جاحد أو معاند ولهذا قالوا: من عصى مستكبرا كإبليس كفر بالاتفاق ومن عصى مشتهيا لم يكفر عند أهل السنة والجماعة وإنما يكفره الخوارج فإن العاصي المستكبر وإن كان مصدقا بأن الله ربه فإن معاندته له ومحادته تنافي هذا التصديق.

وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلا لها فهو كافر بالاتفاق فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها بغير فعل، والاستحلال:

  1. اعتقاد أن الله لم يحرمها (التكذيب بالتحريم)
  2.  وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها، (الشك في التحريم) وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية أو لخلل في الإيمان بالرسالة، ويكون جحدا محضا غير مبني على مقدمة.
  3.  وتارة يعلم أن الله حرمها ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم ويعاند المحرم، فهذا أشد كفرا ممن قبله، وقد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه.

 ثم إن هذا الامتناع والإباء: إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته، فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته.

  1.  وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمردا أو اتباعا لغرض النفس، وحقيقته كفر هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه ويقول: أنا لا أقر بذلك ولا ألتزمه وأبغض هذا الحق وأنفر عنه، فهذا نوع غير النوع الأول، وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع، بل عقوبته أشد، وفي مثله قيل: «أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه» وهو إبليس ومن سلك سبيله.

وبهذا يظهر الفرق بين العاصي؛ فإنه يعتقد وجوب ذلك الفعل عليه ويحب أنه يفعله لكن الشهوة والنفرة منعته من الموافقة فقد أتى من الإيمان بالتصديق والخضوع والانقياد، وذلك قول وعمل، لكن لم يكمل العمل» الصارم المسلول على شاتم الرسول، ص: 521-522..

  • ولهذا لما ذكر مفتي السعودية الشيخ محمد بن ابراهيم رحمه الله أنواع الخروج عن الشريعة ذكر أنواع الاعتقادات أولا، لأنها في خلل في عبودبة الربوبية، في جانب التصديق..

ثم ذكر أن وضع الأنظمة والمحاكم لتقضي بقوانين موضوعة للقضاء بين الناس في الدماء والأموال والأبضاع، يدخل الناس اليها أفواجا إثر أفواج، كنظام عام يُحمل عليه الناس حملا، أن هذا أشد مما قبله.

 ولم يقيده رحمه الله باعتقاد أو تسويغ أو قول أو غيره، بل جعل هذا الوضع بابا بنفسه، ردة وخروجا عن دين الله، وهو حالة بنفسها، الخلل فيها راجع الى العبادة لا الى الاعتقاد.

  • وهذا هو الأمر المستقيم مع كلام أهل السنة أن الإيمان تصديق الخبر وقبول الحكم أو توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، أو القول والعمل، أو التصديق والإلتزام، كلها مترادفات لنفس المعنى.

16) فالخلل في باب العبادة والقبول والاستسلام لا يتقيد بالخلل في الاعتقاد؛ بل هذا باب وذاك باب آخر، وكلاهما من التوحيد وأصل الدين..

بل وبعض العلماء يجعل الخلل في العبادة والقبول علامة على خلل في الربوبية، ولا يقيدونها به، فيقولون ـ كما قال ابن عثيمين رحمه الله ـ أن وضع شريعة غير شريعة الله تعالى وقوانين وأحكاما سوى ما شرع تعالى يدل على أن صاحبها يعتقد كونها أحسن من حكم الله وشرعه، ولولا ذلك لما جعلها بدلا من شريعة رب العالمين..

وهذا كلام أكثر استقامة ممن يقيد الخلل في العبادة بخلل آخر في الاعتقاد والتصديق..

مع تقرير عدم التلازم بينهما، فمن الناس من ينحرف في باب العلم والتصديق، وآخرون ينحرفون في باب العمل والقبول.. هذا خلل في علم القلب وذاك خلل في عمل القلب.. هذا يجعل صاحبه من الضالين، وذاك يجعل صاحبه من المغضوب عليهم الغاوين.

17) لكن تجد من لم يميز بين حقيقة قول المرجئة وحقيقة قول أهل السنة، ولم يتقن ما عليه أهل السنة بل سرت اليه بدعة الجهمية، فأخذ ينصر قول المرجئة محتجا أنه يرد على الخوارج، ويتهم من خالفه بأنه قال بقول الخوارج، مخوفا الناس من القول الحق الذي لم يتقنه ولم يستوعبه.

ولهذا تجدهم في حال تبديل الشرائع وحمل الناس على غير أحكام الله تعالى وإلزامهم بغير شريعته وتتبع وقتل دعاته، تجدهم يقولون: (إذا قال) (أو اعتقد) (إذا زعم)..

فأما القول فإنه لو قال المبدلون لتأوّلوا لهم، وأما الاعتقاد فلن تعلم ما في باطنهم!

وهكذا يستقر التبديل وهم يظللونه ببدعهم التي سيلقون الله تعالى بها في يوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين، ولن تنفع يومئذ تلك الألسنة وذلك الحجاج وقد أهدروا شريعة الله وخذلوا دينه ونصروا أعداءه، وخرجت أجيال تبتعد شيئا فشيئا عن دين الله بخطط المجرمين وفي حماية هؤلاء المبتدعين، ويوم يلقون الله: (ويعلمَ الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص)، فتسقط الحجج ويكفّون عن الجدال.

فالخلل في القول والعمل هو خلل مستقل، والخلل في العبادة والقبول خلل آخر، ولا يتقيد هذا بذاك، فلا يقال أن قبول غير شرع الله خلل في أصل الإيمان إذا قال أو اعتقد، فهذا من التلبيس الشديد؛ إذ أنهم يقررون الأمر على كلام أهل السنة أن الإيمان قول وعمل، ثم عند التفسير وعند النفي يقولون أن الخلل في العمل (القبول والاستسلام، وهي العبادة) لا يكون خللا في الأصل إلا إذا قال أو اعتقد، فيقيدون الخلل في الألوهية بالخلل في الربوبية.. وعندئذ تكون حقيقة ما أثبتوا هو توحيد الربوبية فقط، يعني التصديق فقط، فيؤول قولهم الى قول الجهمية أن الإيمان هو مجرد المعرفة، لأنهم أثبتوا نواقضه، وأما توحيد الألوهية والعبادة فلم يثبتوا له نواقض مستقلة إلا بقيد الخلل في الربوبية فيرجع الناقض في الحقيقة الى الربوبية والتصديق لا الى العبادة، فيكون إثباتهم للألوهية والعبادة هو تمويه على الناس والقول الظاهر بقول أهل السنة لتحقيق الإنتساب اليهم ثم ينفون حقيقة قولهم ويثبتون قول المرجئة، ويفسرون جمل أهل السنة على مقتضاه..

 وكلما أوضح الناس حقيقة قول أهل السنة وبيان حقيقة رد أمر الله صاحوا محذرين من الخوارج!

بينما أوضح تعالى أن كلا منهما باب انحراف غير الآخر، فالضلال غير الغواية (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) (ما ضل صاحبكم وما غوى)، (ربنا هؤلاء أضلونا) غير (هؤلاء الذين أغوينا)، والأفاك الكاذب غير الأثيم (ويل لكل أفّاك أثيم)، والريب غير الخوض في الباطل (الذي هم في خوض يلعبون) (بل هم في شك يلعبون)، والتكذيب بالآيات غير الإستكبار عنها أو الصدف عنها (إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء) (فمن أظلم ممن كذّب بآيات الله وصدف عنها).

فمن كذب ولم يستكبر أو استكبر ولم يكذب أو جمعهما فكذّب واستكبر معا له نفس الحكم، وكما قال أبو حنيفة (من قال أصدق الرسول ولا أطيعه لم يكن مؤمنا، ومن قال أطيعه ولا أصدقه لم يكن مؤمنا، حتى يطيعه ويصدقه جميعا) الإيمان لابن تيمية.

ولهذا قال تعالى (فلا صدّق ولا صلى، ولكن كذب وتولى) فالتكذيب باب غير التولي، ولو صدق وتولى لم يكن مؤمنا لأنه رد الأمر، ولو كذب وأطاع لم يكن مؤمنا لأنه منافق.

يقول محمد بن نصر المروزي فيما نقل عنه شيخ الإسلام في كتاب الإيمان، عندما يراد بالإيمان التصديق وبالإسلام قبول الأحكام ـ وهذه علاقة غير علاقة المراتب ـ بل هذه علاقة تلازم يقول ابن تيمية نقلا عن المروزي (كذلك الإيمان والإسلام أحدهما مرتبط بالآخر؛ فهما كشيء واحد: لا إيمان لمن لا إسلام له؛ ولا إسلام لمن لا إيمان له؛ إذ لا يخلو المسلم من إيمان به يصح إسلامه ولا يخلو المؤمن من إسلام به يحقق إيمانه، من حيث اشترط الله للأعمال الصالحة الإيمان؛ واشترط للإيمان الأعمال الصالحة فقال في تحقيق ذلك (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه) وقال في تحقيق الإيمان بالعمل: (ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلا) فمن كان ظاهره أعمال الإسلام ولا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب فهو منافق نفاقا ينقل عن الملة ومن كان عقده الإيمان بالغيب ولا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام فهو كافر كفرا لا يثبت معه توحيد؛ ومن كان مؤمنا بالغيب مما أخبرت به الرسل عن الله عاملا بما أمر الله فهو مؤمن مسلم) مجموع الفتاوى (7/ 333).

18) لا بد من بيان الفرق بين قبول الأحكام والدخول في الأعمال.. وهو الفرق بين الطاعة الراجعة الى أصل الدين والطاعة الراجعة الى الفروع..

فالطاعة في أصل الدين هي الإلتزام والاستسلام بمعنى القبول والانقياد للأحكام والتزامها قانونا حاكما عاما وخاصا..

 وأما الطاعة الراجعة الى الفروع فهي الدخول في الأعمال يعني القيام بالعمل نفسه المأمور به أو ترك العمل المنهي عنه.

فقبول الأحكام راجع الى أصل الدين، وهو  لا يتبعض (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)

فكما أن من صدّق بخبر الرسول وكذّب ببعضه لم يُقبل تصديقه ولم يعتدّ به حتى يصدّق بجملة ما أخبر به، فكذلك من قبِل شريعته وردّ بعضها لم يُقبل التزامه حتى يصدق بكل ما أخبر ويقبل كل ما شرع..

وهذا توحيد وضده الشرك.

وأما الدخول في الأعمال فيتبعض (خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا) ـ وكلنا هذا الرجل ـ وسواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة أو تغلظت بإصرار أو مجاهرة، فهي في نطاق مخالفة الدخول في الأعمال، وهو أمر راجع الى الفروع.

وهذه طاعة وضدها معصية.

19) أما اليوم فالأنظمة الموجودة عندنا أنظمة علمانية تفصل الدين عن الحياة وترفض الرجوع الى الشريعة وترفض الإلتزام بها..

 والقانون يصبح ملزِما إذا صدر تعبيرا عن إرادة المشرع الوضعي لا إذا رجع الى شريعة الله.

وثبوت مخالفة حكم للشريعة لا يعني إبطاله، ومجرد ثبوت الحكم في الشريعة لا يعني الإلزام به، ولو كان قطعيا كحرمة الزنا لغير المتزوج وتحريم الربا والخمر والعري والرقص الفاجر، ووجوب الشعائر وإيجاب الحدود وغير ذلك من أحكام رب العالمين تعالى.

وأحكام الشريعة تأتي ـ بنص القانون ـ بعد القانون العادي، ثم العرف؛ حيث تأتي مباديء ـ وليس أحكام الشريعة ـ في الدرجة الثالثة الإلزامية، وإذا حكم القاضي بالشريعة وترك القانون أو العرف فهو قد حكم بما هو أقل درجة في الإلزام (الدرجة الثالثة) وترك ما يجب عليه وهو الدرجة الأولى الملزمة، يعني الأعلى إلزاما!

وأما نص الدستور ـ المصري كمثال ـ أن (مباديء الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع) فهي محل احتجاج معظم الملبّسين كما يُخدع بها معظم الجهال أو المخدوعون ومن يحسنون الظن ولا يدرون حقيقة الأمور بل لا يتدبرون حقيقة واقعهم وغياب شريعتهم..

فهذه المادة لا تعني تحكيم الشريعة ولا الالتزام بها في شيء.. ولا بد من العلم بأمور عن هذه المادة:

  1. النص على أنها المباديء وليست الأحكام، ويضطربون في تفسير المباديء ما بين أنها النظريات الإسلامية العامة، أو أنها ما يسمونها (روح الشريعة)، أو المقاصد الخمسة الضرورية.. لكنهم يتفقون على رفض إلغاء كلمة (مباديء) خوفا من تحكيم الشريعة! فقد قالوا فر رفض حذف هذه الكلمة (لا بد من وضعها لأننا لو حذفناها سيأتي الإسلاميون يقولون (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ويقولون (الزانية والزاني فاجلدوا) ولن نسمح لهم بذلك) المستشار نور فرحات معترضا على اقتراحات حذفها في دستور 2012 الذي تم إلغاؤه في مصر بعد الانقلاب.

 كما يقولون أن هذه المباديء عامة في جميع الأديان والقوانين وبالتالي هم غير مقيدين بأوجه حفظها التي جاءت في الشريعة المحمدية من خلال الأحكام التفصيلية التي فصّلت طرق تحقيق هذه المبادىء، على أن يحققوها هم بالطرق التي يرونها، فيجعلون لأنفسهم رخصة الخروج من الشريعة والتحلل منها بزعم أنهم قد حققوا الحفاظ على المقاصد الخمس!! ومن سوّغ الخروج عن الشريعة بهذه الحجج فهو مثل من سوغ الخروج عنها لعلم الباطن الصوفي والوصول الى اليقين، ومن قال هذا فقد كفر بالإجماع.

  1. أن نص المادة يقول أن الشريعة هي المصدر الرئيسي، وليس الوحيد، فهذا نص صريح بوجود شركة في المصادر مع دين الله تعالى، لو صح أصلا الأخذ من الشريعة.
  2. أنها لا تعني إبطال أي حكم أو قانون يخالف الشريعة، والقوانين طافحة بالمخالفات والمصادمات للشريعة.
  3. جميع فقهاء الدستور يقررون أنها مادة غير ملزِمة للمشرع حيث أنها نصيحة وليست إلزاما.. نصيحة بأن يستوحي من (مباديء) دين غالبية الناس، ولكن له أن يأخذ تشريعه من غيره ويصرح بهذا إذ أن المادة نفسها تقرّ بهذا ولا تمنعه.
  4.  أنها خطاب للمشرع وليس للقاضي، فلو كانت مادة جادّة ـ وليست للخداع ـ  لكانت خطابا للقاضي ألا يحكم الا بما وافق الشريعة، وأنه لو ثبتت له مخالفة الشريعة في حكم فله أن يمتنع من الحكم به، كما يكون له الرجوع الى الشريعة مباشرة في أحكامه، وهذا غير جائز له في القانون..
  5. لكن جميع الدستوريين يقررون أنها خطاب للمشرع، وعلى هذا فهي تقرر حق التشريع لمشرعٍ غير الله تعالى، تصبح الشريعة له مصدرا ماديا يستقي منه اقتراحات القوانين ولكنها لا تكون ملزمة بمجرد ثبوتها في الشريعة ولو بالنص والإجماع ولكن تصبح ملزمة إذا رضي عنها المشرع وصدرت تعبيرا عن إرادته، وإذا رضي المشرع عن مادة ورفض أخرى أصبحت المادة المرضي عنها قانونا ملزما، والأخرى ليست ملزمة..

مثال على هذا: تحريم المشرع للمخدرات قانونا، ورفضه تحريم الخمر قانونا، ورفض التزام تحريمها..

 فلا يجوز زراعة حشيشة المخدر ولا تصنيعها ولا فتح محلات لها ولا تنظيم ضرائب على مكاسبها أو تأمين للعمال فيها! بينما كل هذا جائز للخمر بالقانون مع حق الإستيراد والتصدير والتأمين وخدمات البنوك.. هذا فقط مثال، مع العلم أن المخدرات حرمت قياسا على الخمر..

 كذلك الرقص وغيره مما حرم الله تعالى: تُحترم تعاقداته وتُلزم الراقصة بأداء ما اتفقت عليه في العقد لأنه عقد محترم وملزِم قانونا! أو عليها أن تدفع الشروط الجزائية لأن هذا العقد ـ المشتمل على محرم صريح ـ يحميه القانون.

  1. لا تعني هذه المادة الكثير كذلك؛ فإن أغلب القوانين التي قُررت وبَدّلت الشرائع وحرّمت الحلال وردت الواجبات وغيرت العقوبات كلها تقررت منذ 1914 ودستور 1923 وهو أمر متقرر ومعمول به، وبقيت الأمور المستجدة الفرعية لا أكثر.. وهذه نقطة مهمة، فما دام ليس هناك نص بإبطال ما خالف الشريعة فستبقى هذه المواد خداعا للبسطاء ومادة للمزورين والمروجين.. وما أكثرهم في زماننا!

20) مع بيان الحق والتزامه لا بد من العدل ورحمة الخلق، ففي هذا المجال يجب التفريق بين عدة ظواهر؛ فواقعنا المعاصر يحمل ظواهر مختلفة بعضها هي ظواهر فسق والأخرى ظواهر تبديل ويجب الفرق بينها لئلا يقع أحد في الغلو كما لا يقع في الإرجاء والتفريط.. ففي واقعنا:

  1. شيوع الفسق وارتكاب المعاصي من كثير من المسلمين مع رفضهم لتبديل الشرائع.. فهذه معاصي.
  2. وجود دعاة علمانيون وخنادق تعادي هذا الدين وتحاربه بطرق شتى، وهؤلاء رافضون للشريعة مجاهرون بنقض أصل الإسلام.
  3. الأنظمة القائمة على تبديل الشرائع تفتقد للشرعية الإسلامية وحق السمع والطاعة لها، بل وتوجب إسقاطها وإسقاط اعتبارها.
  4. مع تقرير القاعدة أن من رغب عن شرع الله الى غيره أو عدل بشرع الله سواه فهو مشرك، وأن التشريع حق خالص لله تعالى من ادّعاه لنفسه فقد كفر، ومن أقره عليه فقد كفر..

وهذه قاعدة عامة في دين الله تعالى تنطبق على من تحققت فيه، سواء داخل الأنظمة أو خارجها.

  1. لا توجه الى أحد تهمة التبديل الا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، أو توجه له التهمة ولا يدان بها الا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع ، بحسب ما قام به من تهمة أو ما اقترب فيه من مناصرة حالة التبديل.. لكن في كل الأحوال لا شرعية لأي نظام يقوم على فصل الدين عن الدولة، مع وضوح أصحاب الكفر البواح أصحاب الرايات المعادية للإسلام.

21) وجوب بيان جملة من الحقائق..

  1. أن من الناس من يتابع هذه الأنظمة على أمر يظنه، وهو مخالف للواقع، فيظن أن هذه القوانين اجتهادات لا تخالف الشريعة، جهلا منه بالمناط، فهو لا يتابِع على التبديل بل يتابع على ما يتوهمه، وهذا مجال للعذر.
  2. الأصل في المسلمين اليوم هو الإسلام إلا من تبين رده لدين الله وشريعته، فلا يقول قائل أن وجود الأنظمة المبدِلة يعني رضى جميع الناس بهذا التبديل فهذا خطأ ومخالف للواقع وغلو مرفوض وتكفير لعامة المسلمين وخيرتهم بما يتوهمه ويظنه.

ولا بد من التفريق بين الخضوع العام بسبب الإستضعاف، وبين الرضا والمتابعة على التبديل، فالكاره للتبديل البريء منه خاضع بسبب الإستعاف، وكذلك الراضي خاضع للتبديل لكن عن رضا، فمجرد وجود هذه الأنظمة لا يعني رضا الجميع بالتبديل.

بل الحقيقة أنه كلما تُرك للجماهير حق الإختيار اختارت راية الإسلام ومن يحمل شريعته.

  1. لا بد من التفريق بين التحاكم، وبين استيفاء الحقوق عند أوضاع الضرورة، فحالة الاستضعاف مع رفض التبديل لا يجعل المسلم مستباح الجناب للخلق.

 وعلى هذا فليس كل من دخل المحاكم اليوم هو متحاكم الى غير شريعة الله تعالى؛ إذ أن المسلم له أن يستوفي الحقوق التي أعطاه الشرع إياها من مغتصبها، فإن تعذّر هذا فله أن يطلب حقوقه المشروعة ممن له ولاية على مغتصب هذا الحق، والذي له ولاية عليه هي هذه السلطة الموجودة، فهو يطلب حقه المشروع، وهذا وضع ضرورة، لا يعتبر من يطلب حقه متحاكما، لكن لا بد من الكراهة للتبديل والبراءة منه وممن فعله (من شهد المعصية فأنكرها كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها).

ولكن ليس له طلب حق يعطيه له القانون المبدَّل ولا يعطيه إياه شرع الله تعالى؛ فهذا يُخشى منه على صاحبه.

أما التحاكم فهو مثل من قيل له: تعال الى محمد (صلى الله عليه وسلم)، فقال: بل تعال الى كعب بن الأشرف، فهو الاختيار لغير شريعة الله تعالى.

وعموما فلأوضاع الضرورة والاستضعاف أحكامها وما تمثله من عذر.. لكن لا عذر في قبول غير شرع الله تعالى والرضا به والمتابعة عليه ومناصرة أهله.

  1. وجوب معرفة حقيقة قول أهل السنة وتقريرات كتاب الله تعالى وبيانه لحقيقة دين الإسلام، ووجوب معرفة الواقع وظواهره.. مع وجوب تعرية العلمانية وفضحها وبيان حقيقتها وحكم الله تعالى فيها.
  2. وجوب معرفة قول الخوارج في الحاكمية، ومعرفة معنى الحاكمية الصحيح المقرر في كتاب الله تعالى وهو المرادف لمعنى الإسلام، مع عدم تلبيس الحقائق تعللا وتخويفا من قول الخوارج ممن لم يتقن قولهم من قول أهل السنة ولا عرف الواقع ولا عرف حقيقة زمانه.

فالخوارج كفّروا بالانحراف في باب المعصية ولو لم يتحقق رد الشرائع أو تبديلها، كما أضافوا الى ذلك الجهل الشديد فجعلوا تحكيم المسلمين فيما بينهم في الصلح ـ استجابة لحكم الله (فأصلِحوا بين أخويْكم) ـ جعلوه تحكيما للرجال في دين الله ونبذا لحكم الله! بينما هو في نفس الأمر امتثال لحكم الله تعالى وأمره.

وحكمُ الله تعالى تارة بتحكيم  ـ كحال الصلح بين المؤمنين، أو الصلح بين الزوجين، أو تقدير المِثْل في الصيد البري للمُحْرِم، وما أحال فيه الشارع الى العرف كنفقة الزوجات وأروش الديات ـ وتارة بغير تحكيم.

  1. أفسد النحوَ نصفُ نحوي، وأفسد الطبَ نصفُ طبيب، وأفسد الدينَ نصفُ فقيه، فالحذر ممن يتصدر للناس موقّعا عن رب العالمين، ولو خاف العبد لتردد كثيرا قبل المجازفة.
  2. الحذر من التعاجب بالعلم أو إفحام البسطاء واستنتاج أن ما معه هو الحق، فتقريراتنا لا تغير الحق عن حاله، وسيبقى الحق موجودا حيث طُلب..

كما أن الشهرة والتصدّر لتوجيه الناس ليست نعمة محضة بل هي ابتلاء، ومسؤولية جسيمة أن يتكلم شخص موقعا عن رب العالمين ودالّا عليه يثق الناس فيه ويحسنون الظن أنه يدلهم على الله، فلو أغواهم أو أضلهم أو أمّنهم في موضع فيا للداهية، فالحذر الحذر (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين) كما يجب الحذر من سلطان أهل الباطل وتخويفهم، وزخرفتهم لباطلهم وجدالهم عنه(ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن اليهم شيئا قليلا، إذا لأذقناك ضِعف الحياة وضِعفق الممات ثم لاتجد لك علينا نصيرا).

  1. نوصي بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يقوله إذا قام من الليل (اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).

وقد ذُكر في الدعاء ثلاثة من الملائكة، كل منهم موكل بنوع من أنواع الحياة؛ فجبريل موكل بالوحي وهو حياة القلوب والأرواح، وميكائيل موكل بالقَطْر وهو حياة الأبدان، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور للحياة بعد الموت، وهذا الدعاء طلب لحياة القلوب بالعلم وبيان الحق والتزامه.

فاللهم نسألك الهدى والرشاد، والسداد والثبات حتى الممات، واهدنا اللهم لما اختُلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء الى صراط مستقيم.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ملفات مرفقة: 
المرفقالحجم
PDF icon ضوابط وقواعد في الحاكمية والتشريع410.15 كيلوبايت
بقلم: 
مدحت القصراوي
المصدر: 
الموقع