هيا نصطف فوق جثة ( الإخوان)

هيا نصطف فوق جثة ( الإخوان)

هل مطلوب من "الإخوان المسلمين" أن يتحركوا، كأسراب من طائر البطريق، إلى مكان قصي، لإنهاء وجودهم، حتى يتحقق الاصطفاف الثوري؟ كانت ممجوجة، ومكررة، حد الملل، تلك الدعوة الفارغة من أي مضمون، التي تطالب "الإخوان" بالتراجع خطوات إلى الخلف، والآن يتطور الأمر إلى المطالبة باختفائهم نهائياً، إذ فتحت مدرسة الوعاظ أبوابها معلقة لافتات عريضة تقول للإخوان "ادخلوا مساكنكم"، لتنتعش الدعوة أكثر مع خروج عدد من الناشطين السياسيين من معتقلات السيسي، وكأن استقبال هؤلاء بالشكل اللائق لا يتحقق إلا بإخراج "الإخوان" من الصورة.

أو كأنه بخروجهم دقت ساعة العمل الثوري، وكل ما مضى في العامين الماضيين، منذ وقوع الانقلاب، كان عبثاً لا يستحق الذكر. يلفت النظر، هنا، أنه، وبشكل مفاجئ، اندلعت موجة جديدة من استهداف الرئيس، محمد مرسي، وجماعة الإخوان بالاتهامات، القديمة المعادة، بإضاعة الثورة، وبيع الثوار، إلى آخر تلك النغمة الرتيبة التي لم نسمع سواها، منذ وقوع الانقلاب العسكري، والتي توقف الثوار الحقيقيون عن عزفها، بعد أن أدركوا أن في استمرار الاشتباك على هذه الأرضية فناء الجميع، وبقاء الانقلاب سنوات.

والمدهش في الأمر أن فريقاً من المحسوبين على ما اصطلح عليه "المعسكر الداعم للشرعية" هو الذي يتولى النبش، هذه المرة، في أخطاء الدكتور مرسي و"الإخوان"، لإنشاء ما يقوم دليل إدانة لهم، وكأن هذه الخطوة هي الحل، أو قل المهر المطلوب دفعه، لمن يدقون بابهم من أجل ملامسة حالة توحد ثوري، وكأن حلم الاصطفاف، الضائع، لن يعود إلا فوق جثة محمد مرسي والإخوان المسلمين.

ويدخل في هذه المعمعة، أيضاً، نفر ممن تربوا في مخادع "الإخوان"، ثم خرجوا، أو أخرجوا، حاملين مرارات قديمة، من المفترض أنها لا تعني جمهور الثورة في شيء، باعتبارها مسائل عائلية داخل البيت الإخواني، لا يملك أحد أن تستخدم فكرة الثورة ومقاومة الانقلاب، ساحة أو معتركاً، لتصفية تلك الحسابات والثارات القديمة.

أنفقنا عامين في معارك "دون كيشوتية"، كل طرف يريد تخطئة الآخر، وإظهاره في صورة المفرط، الخائن، الخائر، بينما مؤسسة الانقلاب تتغذّى على هذا الاشتباك النزق، حتى جاءت بارقة أمل من الطرح الواضح للاشتراكيين الثوريين، وأيضاً "6 أبريل"، والذي أعاد ضبط المفاهيم وتحرير المصطلحات، وولى وجهه شطر المستقبل، متجاوزاً تلك الحالة الماضوية العدمية، ثم جاء اختبار آخر اجتازته قوى الثورة الحية بنجاح، حين أفرجت سلطة الانقلاب عن مجموعة من السجناء، كمقدم ثمن لرحلة السيسي إلى نيويورك، ولم يكن من بينهم إخواني واحد.

وعلى الرغم من ذلك، كان استقبال "الإخوان" العائدين من السجن جيداً، وكان تجديد المفرج عنهم معارضتهم للانقلاب، وإصرارهم على استكمال الثورة رائعاً، وعبر الجميع فوق فخ منصوب بعناية. الاصطفاف الثوري لا يعني إذلال طرف وإهانته، طوال الوقت، ولا يأتي بإبعاده أو إخفائه، أو أن نطلب منه إعلان موته السياسي، وإلا فسنصطف مع من؟ وماذا يمكن أن نقول لهؤلاء الرائعين الصامدين في الشوارع، والدروب الضيقة، أكثر من عامين، يذوقون الويلات، مشكلين آخر ما تبقى من علامات على أن الثورة لم تمت..

وكيف نطلب منهم الانصراف، ومنهم من خرج طلباً لحق شهيد أحرقوه في ميدان رابعة، أو قصاصاً لفتاة انتهكت إنسانيتها في مركز احتجاز، أو استعادة لصوت انتخابي، سرقوه وذبحوه منه؟ وما هي الفائدة التي ستعود على قضية الاصطفاف إن استجابوا؟ يجدر بالذين يمعنون في جلد محمد مرسي و"الإخوان"، وتحميلهم كل الأخطاء والخطايا، وحدهم، شرطاً للقبول بفكرة الاصطفاف، أن يتذكّروا تلك الأيام البائسة السابقة على 30 يونيو/ حزيران 2013، حين كان المبدأ المرفوع من محمد البرادعي وحمدين صبّاحي وعلاء الأسواني وآخرين، أنه لا وقت للفرز بين أهل يناير وجمهور الفلول، وأن قاعدة الحشد، الاصطفاف، هي كراهية "الإخوان"، والرغبة في استئصالهم.

تم الاصطفاف، في ذلك الوقت، مع العسكر والدولة العميقة، على جثة "الإخوان" الذين كانوا جزءاً أساسياً من الجسد الثوري الضخم، تحت وهم أنه بمجرد موت "الإخوان" ستحكم الثورة، والنتيجة كما ترونها الآن: دولة عسكرية مباركية عميقة، بما يكفي لابتلاع كل أجزاء ثورة يناير.

وأظن أنه من الجنون هذه المرة أيضاً، أن ينشد أحد اصطفافاً ثورياً فوق جثة "الإخوان" مجدداً، والأكثر جنوناً، أن يصدر هذا التصور من الذين ارتبطوا، وظيفياً، بالرئاسة الإخوانية، في وقت بحت فيه أصواتنا، ترجوهم أن يبقوا بعيدين عن السلطة، قريبين من الجبهة الثورية العريضة.