عبد المجيد الشاذلي.. مدرسة إحياء وتجديد وبعث للأمة والدولة

عبد المجيد الشاذلي.. مدرسة إحياء وتجديد وبعث للأمة والدولة

إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (، )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا( ،)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ( .

أما بعد :

لقد ذهبت النبوة، وبقيت أصولها ونصوصها وسيرتها، وبقي تطبيقها متمثلا في أمة عظيمة يتقدمها جيل رائد، وقرون مثالية، وبقي إرثها يحمله من اصطفاه الله تعالى لهذه المهمة.

وقد خُلق الخلق من أجل القيام بمهمة العبودية، وهم في سفر إلى الله تعالى، يحتاجون في سفرهم هذا إلى إصلاح المعاش، وهو حسنة الدنيا، لتهيئة الوصول إلى الله تعالى وتيسيره، ولذا فهم في حاجة أشد إلى بيان طريق الآخرة وإيصال إرث رسول الله –صلى الله عليه وسلم-  إليهم، فيُبيّن لهم الطريق ويحذّرون عقباته ووهاده ونجاده، وهي حسنة الآخرة.. ودعاء المؤمن ) رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (.

ولا تصلح الدنيا إلا بمنهج الله، فما شرع الله هذا المنهج إلا لصلاحها، ولذا جعل تعالى المعصية فسادا فقال تعالى )وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا (يعني لا تفسدوا فيها بالمعصية بعد إصلاحها بالطاعة، وترْك منهج الله إفساد ضخم وفساد عريض )وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ(.

كما لا يدخل الجنة أحد إلا إذا جاء خلف محمد –صلى الله عليه وسلم-   متمسكا بدينه ومنهجه )قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ (.

ومن ثم فدور العلماء دور محوري، به تصلح الحياة وينير الطريق، به يُدعى الخلق إلى الله؛ فيدلونهم عليه، ويعظونهم عند الانحراف ويوقظون هممهم عند التباطؤ.. يحيون ما مات من القلوب، ويعلّمون الجاهل، ويستنقذون الغريق، ويفكون أسرى وصرعى إبليس ، يعرّفون الخائن ليُحذَر والمتآمر ليواجَه.

يقول ابن القيم رحمه الله: «إن العلماء في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنص الكتاب».

إخواننا وأحبتنا ..

إن الأمم لها قيمتها بحسب وعيها وقيمها، وبحسب معتقداتها ومبادئها، وبمقدار تكاتفها واجتماعها على أهدافها ومبادئها، وبمقدار امتزاج هذه القيم والمبادئ بها .

ودور العلماء هو في قلب الأمة؛ يشكلون الوعي، ويبثون القيم، ويحملون الخير، وينيرون الطريق، ويتحملون الأذى ممن يدفعه جهله أو غرضه لمواجهة الحق.

والمجددون هم خاصة العلماء، وهم في القلب من هذا، يعْظم دورهم كلما بعد الناس عن النور الصافي وغشت عليهم غواشٍ، غُرّب بسببها الحق وعودي أهله.. ويتأكد دورهم أهمية وصعوبة، إن قامت على الباطل أوضاع ونظم، وشهوات ومصالح، وعمالة وعدو متربص، وتكلم بالباطل من يلبس للناس ثوب أهل الحق، وألبس الباطل ثوب الحق زورا.. حتى إذا جاء من يرفع لواء الحق صريحا بلا مواربة انبرى يدافع عن الباطل متلبسا برداء أهل الحق.. هنا يتأكد دور العلماء؛ عندما تضطرب الرؤية ويعظم الالتباس وترتعش يد من يحمل الحق.

يعظم دور العلماء عندما يحتاج الحق إلى جهد لاستجلائه من بين ركام الباطل والشبه وانحرافات القرون وتراكم تأثير علم الكلام الذي أفقد هذا الدين حيويته وواقعيته وقدرته على مواجهة العلمانية والقومية وتنحية منهج الله تعالى وتغريب المسلمين عن دينهم وتفتيت رابطتهم.

يتأكد دور العلماء عندما يصبح الدين تجارة وحرفة وطقوسا يمارسها من يستأكل بها، ومن يريد جمع الأتباع وتكثير المريدين ليبلغ شهرة الدنيا ومآربها على مركب هذا الدين!

العالم هو من يأخذ هذا الدين قضيته ويهبُ له حياته وينذر له عمره، يبحث عن الحق ويحرره، يفتح الله عليه بطاقاتٍ فيوقفها على هذا الدين.. يرفض أن يستأكل بدينه أو أن يسلم للعدو أو أن ينحني للباطل .

يرفض المقررات الباطلة والسوالف المخالفة لدين الله، ويطلب الحق من مظانه حيث يوجد، من الوحيين، والقرون المفضلة فهما وعملا، وأئمة الصدق في هذا الدين.

لا يطلب الدنيا بالدين، ولا يبحث عن شهرة باطلة أو نجومية مصطنعة، بل يطلب العلم للعمل، من أجل تقرير الحق وتجليته، ودحض شبه الباطل ورفع العراقيل الموضوعة أمام طريق الحق، سواء كانت هذه العراقيل تاريخية، أو محدَثة في هذه الجولة من المواجهة بين الحق والباطل.

هناك فرق بين الدعاة وبين العلماء الباحثين المجتهدين، بين من تسمع منه كلاما مكررا، وبين من يبهرك دوما بأطروحات وآفاق يريد أن يرفع الحركة الإسلامية إليها.

هناك من يكون أسيرا لأوضاع موروثة أو محدَثة بعيدة عن هذا الدين أو منحرفة عن مفاهيمه الحقيقية والأصيلة، وهناك العلماء الربانيون الذين لا يستسلمون لهذه الأوضاع بل يستهدفون إعادة ترتيب الواقع على وفق هذا الدين وعلى مقتضى هذا المنهج وإن صاح الجاهلون وصخب المنحرفون.

 هناك من يغلب عليه جانب التعبد والنظرة الفردية وهناك من يحاول النجاة بنفسه والآخرين، من يجعل الأمة بمنزلة ولده، يحمل همّها ويفكر في مستقبلها، يبحث عن كل مصلحة ومظانّها ليحققها فيدعو اليها أمته، كما يخشى على أمته من أي مفسدة أو مظانها فيحذّرها منها.

قد يدّعي هذا لنفسه كل أحد؛ فيزعم أنه يرى المصلحة والمفسدة، لكن الفارق الذي لا يستطيع أحد تجاوزه هو الوعي وامتلاك الرؤية العميقة الجادة الشاملة، والعملية في نفس الوقت، والربانية المصدر والدافع والمقصد، مع رفض التلوث بالركون إلى الباطل أو مداهنته؛ بل يقرن بالرؤية روح التضحية ومبدأ الثبات وعبودية الاعتصام بالله تعالى.. فالعالِم من يستشرف الأمور ويعد لها أقرانها قبل أن تنزل، ويحذر الأمة في خطواتها قبل أن تخطو.

العالم من يتمسك بالأصول والثوابت، ويملك أدوات الاستيعاب للمستجدات التي طرأت في حياة الأمة، ولا يعادي هذه المستجدات ليستريح من عناء الاجتهاد أو ليَسْلم بزعمه، فيستخدمها العدو ضد هذا الدين، ولكن العالِم من يهضمها بما يمتلك من أدوات الاجتهاد، ويضعها في نصابها على مقتضى قواعد وأصول ونصوص هذا الدين فيشملها الإسلام بأحكامه، وتخدم هي الإسلام بما تحمل من فرص.

العالِم من لا يستسلم للقيود، ولا ينظر إلى القيود فقط، بل يدرك ما فيها من فرص ويرى فيها الأمل، ويعرف ما في الأزمات من ملامح الفرج وقرب المخرج، ويدل الأمة على ذلك..

العالِم من لا يثنيه عداء ولا ينزعج لكذب أو تشويه بل يعمل وهو يعلم أن عمله للأجيال والقرون القادمة، يعمل وهو يعلم أن كلماته وخطواته وأفعاله ستصل ولو بعد حين ما دامت موصولة بالحق ومن أجل الله تعالى.

العلماء لا ينسون الهدف ولا يضطربون في ترتيب أهمية الأمور فيضعون كل حكم شرعي في موضعه ويعتبرون كل جزئيٍ في كليّه ومقصدِه معتبرا هذا وذاك.

العالِم لا يخدع الناس ولا يجمعهم على قضايا وهمية، ولا يبحث عن الثناء أو المديح، بل يبحث عن الواجب ويجمع الناس على الحق، ولا يحبطه أو يُثنيه انصراف الناس عن الحق حينا لاضطراب رؤية أو عِظَم تلبيس أو اختلاط أوراق.

العلم كالنهر )أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً( والعلماء جداول )فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا( (الرعد: 17)، فمنهم من يروي الرجل والرجلين ومنهم من يروي الجماعة من الناس ومنهم من لو ورد الناس كلهم عليه لارتووا جميعا.. فهم يحملون الحق إلى من بعدهم ويتركون إرث النبوة من بعدهم ليرتوي به من شاء الله من الخلق.

العالِم ليس من يحفظ العلم فقط بل العالم من يعلم ويحفظ، ويفقه ويفهم، ويعلم مآخذ الاستدلال والمسائل، ثم يقوم به من الأحوال والصفات ما هو مقتضى ذلك العلم، حتى تصبح هذه الأحوال والصفات ملَكات راسخة، ثم يقوم بتعليم وبلاغ هذا العلم، ثم يصبر على جهل الجاهل وحمق المندفع ويربي الناس بصغار العلم قبل كباره، ويبحث في الأسباب الحقيقية لنهضة الأمة ويأخذ بيد أمته، ثم يقف المواقف أمام المحن والفتن فلا يخضع لشهوة ولا يركع لخوف ولا يزيغ عند فتنة ولا يضل عند شبهة، بل عقل كامل عند الشهوات وبصر نافذ عند الشبهات، ثم يُختم له بهذا فلا يزيغ حتى آخر لحظة.. وبهذا يصير إماما.

إننا نذكر دور العلماء الربانيين ـ نظنهم كذلك ـ لمن أراد أن يحمل الإسلام كقضية يعيش من أجلها ويحملها إلى الدنيا كلها وهي متعطشة لهذا الدين لتتغير قيادة البشرية من قيادة الصليبية والصهيونية العالمية بحضارة الإلحاد والإباحية والانهيار الخلقي والتردي القيمي والازدواج في المعايير، لتعود إلى قيادة خير أمة أُخرجت للناس تقود الناس بمنهج الله وتحمل رسالة الله تعالى إليهم، وترجو أجر الآخرة فتلتزم بالقيم من أجل الله فتبقى قيما ثابتة لأنها متصلة بالسماء.

ولا وصول لهذا ولن تعرف الدنيا حقيقة هذا الدين إلا أن تتمثل الأمة أوّلًا دينها وتزاوله حياة عملية ومأخذا واقعيا، فيراه الناس قبل أن يسمعوا عنه.

ولا طريق لتحقيق هذا إلا ببيان حقيقة هذا الدين وإعادة تصحيح المفاهيم الشرعية وإيضاح أمر العقيدة، وبيان استلزامها للشريعة والمنهج والهوية والولاء؛ لإخراج أمة تتمسك بأصولها وثوابتها وتستوعب الحضارة المعاصرة وتأمن معها البشرية على مكتسباتها، وتكون هذه العقيدة هي الأساس لعودة هذا الدين وإقامة هذا المنهج وبناء حياتها عليه.. وهنا يأتي ذكر دور الشيخ الشاذلي واهتمامه الشديد بتحرير أمر العقيدة للقيام بهذا البناء، ثم اهتمامه بالبناء نفسه وبتفاصيله.

لقد صح عن النبي –صلى الله عليه وسلم-   أنه قال : «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا» .

من أجل هذا ..

ومن باب بيان حقائق مهمة وجوانب مطروقة وأخرى غير مطروقة أو غير مشهورة، ومن باب التأسي بمن استفاض لهم حسن الثناء، ومن باب حسن العهد لمعلمينا ومشايخنا ومن له فضل علينا، ومن باب ما قدّر تعالى من أن مَن طلب خمول الذكر وابتعد عن الشهرة عومل بنقيض قصده، كما قال بعض السلف: «رؤوس أبت إلا أن تتواضع لله فأبى الله إلا أن يرفعها».

من هنا نحاول بيان كثير من مفاهيم هذه المدرسة عن قرب واحتكاك مباشر بفضيلة الشيخ رحمه الله، بالإضافة إلى ما كان يكتب في كتاباته النفيسة؛ فنذكر ما يسّر تعالى، وليس هذا حصرا أبدا، بل هو طرف مما علمنا، وإن إخوانه ورفاقه الكرام عندهم ما هو أكثر.. لكننا نتكلم كتلاميذ له عاشروه في جوانب قريبة.

كما ننبه إخواننا أننا ما ذكرنا في موطن أنه قال لإخوانه أو لتلاميذه «كذا» إلا كان عن شهود مباشر لهذه الوقائع.

نكتب هذا راجين من الله تعالى أن نوفي جزءا من حقوق الشيخ رحمه الله علينا.. موضحين الخطوط العريضة لمفاهيم الدعوة وتوجهها العقدي والحركي والإحيائي، فليس القصد تقديس أشخاص بل بيان سيرة طيبة موضحين المفاهيم والتوجهات الحقيقية لهذه الدعوة وكذلك الدور الإحيائي المستوعب لمستجدات العصر وظروفه.

فالله المستعان ونرجو منه القبول، والحمد لله أولا وآخرا.

 

دعوة أهل السنة والجماعة

بقلم: 
إعداد مجموعة من تلاميذ الشيخ
المصدر: 
الموقع