تخويف الخلق بآيات الترهيب ليعلموا: أن الرحمة والنعمة في هذا الخطاب

ففى خطاب الترهيب قصد رحمة الخلق والإنعام عليهم بتحذيرهم أسوأ المهالك على الإطلاق وقد يعجب الناس من وجود الرحمة في هذا.

والعجب منهم هم ـ لأن الإنذار من أعظم المخاوف هو من أعظم الرحمات وأجلّ النعم.
وقد عده رب العالمين من الآلاء الكبار التي يمن بها على الإنس والجن:
قال تعالى: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكَ تَتَمَارَى * هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَى ﴾([1]).
وقال تعالى: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾([2]).
فمع كل تخويف وذكْر لآيات العذاب يسأل ربنا سبحانه: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، على أن هذا من الآلاء التي يمتن الله تعالى علينا بها، قد نفهم معنى هذه الآية المكررة فى سرد النعم الدنيوية قبل هذا المقطع وقد نفهمها فى سرد وصف الجنة بعده ، أما هنا فوجه الامتنان هو الإنذار وقت التكليف وإمكانية النجاة.
وهذا توجيه البغوي وطائفة من المفسرين ذكره عنه شيخ الإسلام ووافقه عليه، يقول رحمه الله: «فإذا قيل أن الرب تعالى حكيم رحيم أحسن كل شيء خلقه وهو أرحم الراحمين والخير بيديه والشر ليس إليه لا يفعل إلا خيرًا وما خلقه من ألم لبعض الحيوان ومن أعماله المذمومة([3]) فله فيه حكمة عظيمة ونعمة جسيمة كان هذا حقًا وهو مدح للرب.
وأما إذا قيل يخلق الشر الذي لا خير فيه ولا منفعة لأحد ولا له فيه حكمة ولا رحمة ويعذب الناس بلا ذنب لم يكن مدحًا له بل العكس، وقد بينا بعض ما في خلق جهنم وإبليس والسيئات من الحكمة والرحمة، وما لم نعلم أعظم، والله سبحانه وتعالى يستحق الحمد والحب والرضا لذاته ولإحسانه هذا حمد شكر وذاك حمد مطلقًا.
وقد ذكرنا في غير هذا أن ما خلقه فهو نعمة يستحق عليها الشكر وهو من آلائه ولهذا قال في آخر سورة النجم: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكَ تَتَمَارَى ﴾.
وفي سورة الرحمن يذكر: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾، ونحو ذلك ويقول عقبه: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾، قال طائفة واللفظ للبغوي ثم ذكر قوله: ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾، قال كلما ذكر الله عز وجل من قوله: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾، فإنه مواعظ وهو نعمة لأنه يزجر عن المعاصي، وقال آخرون منهم الزجاج وابن الجوزي في الآيات أي: فبأي آلا ربكما تكذبان بهذه الأشياء لأنها كلها نعم في دلالتها إياكم على توحيده ورزقه إياكم ما به قوامكم. هذا قالوه في سورة الرحمن.
وقالوا في قوله: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكَ تَتَمَارَى ﴾، فبأي نِعَم ربك التي تدل على وحدانيته تشكك، وقيل: تشك وتجادل، وقال ابن عباس: تكذب.
قلت: ضمن تتمارى معنى تكذب ولهذا عداه بالتاء فإنه تفاعل من المرآه يقال تمارينا في الهلال ومرآء في القرآن كفر وهو يكون لتكذيب وتشكيك، ويقال لما كان الخطاب لهم قـال: ﴿ تَتَمَارَى ﴾ أي يتمارون ولم يقل تمتري لأن التفاعل يكون بين اثنين. قالوا: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾، قيل: الوليد بن المغيرة فإنه قال: ﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾، ثم التفت إليه فقال: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾، كما قال: ﴿ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾.
ففي كل ما خلقه إحسان إلى عباده يشكر عليه وله فيه حكمة تعود إليه يستحق أن يحمد عليها لذاته فجميع المخلوقات فيها إنعام إلى عباده كالثقلين المخاطبين بقوله: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾، من جهة أنها آيات يحصل بها هدايتهم وتدل على وحدانيته وصدق أنبيائه ولهذا قال عقيبه: ﴿ هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَى ﴾، قيل: محمد، وقيل: القرآن وهما متلازمان يقول هذا نذير أنذر بما أنذرت به الرسل والكتب الأولى وقوله: ﴿ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَى ﴾ أي: من جنسها فأفضل النعم نعمة الإيمان، وكل مخلوق فهو من الآيات التي يحصل بها ما يحصل من هذه النعمـة قـال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾، وقال: ﴿ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾»ا.هـ([4]).
فالإنذار وقت الإمهال من أعظم نعم رب العالمين طالما أنك تمتلك فرصة النجاة، ولذلك فأعظم رأس مال للعبد هو عمره وأنفاسه وإبقاؤه وقت التكليف بحيث يملك فرصة الهروب والفوز بالقرب فإن لم تكن هذه نعمة فأي نعمة إذًا ..؟.
ولهذا امتن الله علينا باستنقاذنا من النار والشرك: ﴿ وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا﴾([5]).
قال تعالى: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾([6]).
 
* * *
المصدر: 
الموقع