من قيم التوحيد الوقوف أمام الشخصيات المؤمنة التى جاءت فى كتاب الله للاحتكاك بهم ومعايشتهم للتأسى والانطباع بهم...

الوقوف أمام الشخصيات المؤمنة التى جاءت فى كتاب الله للاحتكاك بهم ومعايشتهم للتأسى والانطباع بهم...

المقصد العام فى الآيات التى عرضت الشخصيات المؤمنة هو الاحتكاك بهم ومعايشتهم للتأسى والإنطباع بهم ..وذلك بمعرفة  العمق الذي كان وراء الكلمة و وراء الموقف                                                                                                                                                                           العمق الشخصى .. والبعد الايمانى.

لقد ذكر الله تعالى شخصيات في كتابه لا تكاد تُصدِق أن الله تعالى يذكر كل هذا الثناء على أشخاص مثلنا كانت لهم دوافع كدوافعنا وضعف كضعفنا وطبيعة بشرية كطبيعتنا .. لهم نفس المشاعر والآمال والأشواق، يذكر تعالى سلامه عليهم في العالمين إلى يوم القيامة .. يلقي عليهم سلامه جملة: ﴿ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ﴾.

ويلقيه على بعضهم اسمًا اسمًا، كما في سورة الصافات: ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ *سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ *إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ *إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ *ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ﴾.

﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ *سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ*كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ *إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴾.

﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ *سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ *إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ *إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.

﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ *سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ *إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ *إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴾.

يقول الإمام النسفي:«﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ﴾ من الأمم هذه الكلمة وهي ﴿ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ ﴾يعني: يسلمون عليه تسليمًا ويدعون له وهو الكلام المحكي كقولك قرأت سورة أنزلناها (في العالمين) أي ثبت هذه التحية فيهم جميعًا ولا يخلو أحد منها كأنه قيل: ثبت الله التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين يسلمون عليه عن آخرهم: ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾، علل مجازاته بتلك التكرمة السنية بأنه كان محسنًا: ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴾، ثم علل كونه محسنًا بأنه كان عبدًا مؤمنًا ليريك جلالة محل الإيمان وأنه القصارى من صفات المدح والتعظيم»().

أشخاص عاشوا على الأرض بدوافع بشرية وحاجات بشرية وضعف بشري.

*  *  *

كذلك لا تكاد تصدق عظم هذا المديح لهؤلاء الكرام، مديح يمدحهم الله به عن علمه بحقيقتهم، يمدح ظاهرهم وباطنهم، لا كمن يمدح ظاهرًا قد يكون الباطن بخلافه أو أقل منـه، فانظر إلى مثل هذا المدح لسليمان عليه السلام: ﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾، ومثله لأيوب عليه السلام: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾.

هكذا يقول الله تعالى لعبد عاش مثلنا بنفس طبيعتنا لم يخرج عنها يقول فيه: ﴿ نِعْمَ الْعَبْدُ﴾.

وانظر إلى حبه لهم ووعده إياهم بأشخاصهم يقول الله تعالى في شأن داود: ﴿ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾، ومثلها لسليمان: ﴿ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ *وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾، والزلفى هي القرب، وانظر لهذا الثناء العظيم: ﴿ وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي ﴾ يعني: القوة في العبادة، ﴿ وَالْأَبْصَارِ ﴾ يعني: العلم واليقين والبصيرة النافذة بهما ﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ*وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ *وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنْ الْأَخْيَارِ ﴾().

وقال تعالى عن موسى: ﴿ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً ﴾.

*  *  *

شخصيات وصلت للقمة بحيث صار واقعها آية من الآيات يحتج الله سبحانه وتعالى بها على المشركين .. فيعدها آية وحجة، فقد بلغ مطابقة قوله صلى الله عليه وسلم لعمله وِشيَمه وصفاته بحيث صار واقعه صلى الله عليه وسلم آية لمن ينظر إليه ، آية يُستدل بها على النبوة، وهذا ما تضمنه قوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ ﴾().

يقول الحافظ ابن كثير: «أي ينظرون إليك وإلى ما أعطاك الله من التؤدة والسمت الحسن والخُُلُُُق العظيم والدلالة الظاهرة على نبوتك لأولي البصائر والنُهَى، وهؤلاء ينظرون كما ينظر غيرهم ولا يحصل لهم من الهداية شيء كما يحصل لغيرهم بل المؤمنون ينظرون إليك بعين الوقار وهؤلاء الكفار ينظرون إليك بعين الاحتقار»().

*  *  *

شخصيات يغضب الله تعالى لهم وينتصر لأجلهم مصداقًا لقوله: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾()، ولقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾()، ولقوله تعالى في الحديث القدسي: «إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب»أي: آخذ ثأرهم ممن عاداهم كما يأخذ الليث الحرب ثأره().

فانظر إلى دعوة رجل يتغير من أجلها الكون: ﴿ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ *فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ *وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ *وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ *تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ *وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ *فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ *وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾().

لقد تغيرت الحياة من أجل هذا الرجل الكريم مع اشتداد غضبه تعالى على أعدائه .. فإلى أي مدى كان حبه تعالى لهذه الشخصية البشرية الكريمة ؟!.

وانظر إلى هذه الكلمة التي قالتها مدين في شأن شعيب عليه السلام: ﴿ وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ ﴾، ولم يترك سبحانه وتعالى لهم هذه الكلمة بل أعلن للعالمين ولهم أنها كلمة كاذبة كذَّبها الله تعالى، وأن شعيبًا والمؤمنين معه لم يخسروا، وأن اتباع شعيب ليس خسرانًا بل مخالفته هي الخسران، وأن أعداءه هم الخاسرون، وأعلن هذا إلى يوم الدين يقرؤه الخلق دائمًا حتى يلقون الله تعالى، فذكر تعالى إهلاكهم فقال: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾، ثم ذكر من هو الخاسر فقال رادًا على كلمتهم: ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ الْخَاسِرِينَ ﴾().

بل أكثر من هذا أنه تعالى ذكر تنوع عذاب مدين من الصيحة إلى الرجفة إلى عذاب يوم الظلة وكان هذا ردًا على مواقفهم المختلفة من نبيه عليه السلام، يقول الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ في كلام نفيس : «يخبر تعالى عن شدة كفرهم وتمردهم وعتوهم وما هم فيه من الضلال وما جبلت عليه قلوبهم من المخالفة للحق ولهذا أقسموا وقالوا:﴿ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ ﴾، فلهذا عقبه بقوله: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾، أخبر تعالى هنا أنهم أخذتهم الرجفة وذلك كما أرجفوا شعيبًا وأصحابه وتوعدهم بالجلاء كما أخبر عنهم في سورة هود فقال: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾، والمناسبة هناك والله أعلم أنهم لما تهكموا به في قولهم: ﴿ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ ..﴾ الآية، فجاءت الصيحة فأسكتتهم، وقال تعالى إخبارًا عنهم في سورة الشعراء: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾، وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة: ﴿ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية.فأخبر أنه أصابهم عذاب يوم الظلة وقد اجتمع عليهم ذلك كله: ﴿ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ﴾، وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم ثم جاءتهم صيحـة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم فزهقت الأرواح وفاضت النفوس وخمدت الأجسام: ﴿ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾»().

وانظر الى ما قاله قوم نوح له عيه السلام﴿قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾()وكأنهم يرون !! فيرد ربنا تعالى عليهم بعد هلاكهم ليقرأ الخلق جميعا هذا الرد الى يوم القيامة ﴿ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ()وهذا الرد صريح أنهم لا يرون شيئا!

*  *  *

هؤلاء الكرام إنما ذُكروا عمومًا للتأسي. لكن هذا التأسي كيف سيحدث إن لم يكن هناك معايشة لهم بحيث يحدث احتكاك فتنطبع نفوسنا بهم؟.

هذا هو الذي نريد استعراضه هنا.

إننا نحتاج إلى معايشة تصل لدرجة الاحتكاك لتنطبع نفوسنا بهم .. وقد يتعجب البعض كيف يحدث الاحتكاك من خلال آيات قصيرة؟.

لكن لابد أن نعلم أنه بالإضافة إلى عظمة كلام رب العالمين وخاصية القرآن في أن الكلمة والجملة تحوي معانٍ كثيرة وقدرة على التصوير الحي كأنك تعيش الكلمة يقولها الشخص بقسماته ونبراته ..

بالإضافة إلى هذا فإن الفارق الكبير في القدرة على الاحتكاك بالأنبياء وغيرهم هو أن تعلم العمق الذي كان وراء الكلمة والعمق وراء الموقف، وهذه هي النقطة الفارقة في الأمر.

إن الكلمة أو الموقف الذي يذكره القرآن لن تفهم قيمته ولن تتأسى به وتتأثر كذلك إلا إذا علمت أن وراء الكلمة والموقف والعمل بُعد وعمق هو الذي أنتج هذا، وهو الذي يجب أن تبحث عنه؛ فالأسوة إنما تكون بظاهر الحال وباطنه من المعاني التي تدفع لهذه المواقف والأعمال.

ولهذا فللعلماء هنا مأخذان:

الأول: أن يتأسى بالظاهر ويحاكيه حتى يتأثر باطنه ويتجاوب مع هذا المستوى.

الثاني: هو التأثر بالمعاني وبالمآخذ حتى يتجاوب الظاهر مع هذه الأعمال العظيمة().

وعلى كلٍ فالمهم هو معرفة أن المأخذ في موضوع التأسي ليس بظواهر فقط من الأعمال أو الأقوال، وسواء أخذ العبد هذا المأخذ أو ذاك .. أو أخذ هذا في بعض الأحوال والآخر في أحوال أخرى .. فالأمر حسب ما تيسر للعبد لكن المهم أن لا يغيب عنك عمق الأمور، سواء:

العمق الشخصيلتعرف شخصيته وكيف رباها ونمّاها وكيف نطق بالكلمة أو اتخذ موقفًا ما فتعرف أن له أبعادًا شخصية، وأن عليك بذْل هذا الجهد لتكون جاهزًا في المواقف.

والعمق الإيمانيوأبعاده من التربية وتركيم التعبد والإحسان، والتعرّف على الله، وتربية النفس ومرانها وتعويدها على المعالي، وإبائها عن النزول عن القمم.

هذه هي النقطة الفيصل في الأمر للوصول إلى هذا الهدف.

*  *  *

 تُعرض شخصيات للتأسي، وسبيله المعايشة، ولن يتحقق إلا بالاحتكاك المباشر بهم من خلال كلمات رب العالمين سبحانه وتعالى، وأن تعرف أن هذه الكلمات لا تأتي من فراغ بل وراءها من التربية والجهد وسوابق الأعمال، ومأخذ خاص للحياة يتخذه العبد، وهدف يتغياه الشخص، فكما يتغيا الكثير تملك الأموال أو تبوء منصب أو كرسي معين، يتغيا المؤمن أن يكون  قريبًا من شخصيات هذا الكتاب الكريم هدفًا لحياته.

*  *  *

كذلك لابد من بيان أنه مع الاصطفاء الإلهي لهؤلاء واختيارهم فلم ينزل هذا الاجتباء لهم وهم منصرفون أو أنهم لم يكن لهم جهدهم للوصول، سواء قبل الاصطفاء وبعده كما في شأن يوسف وموسى، فقال تعالى في شأن يوسف: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾()، وقال جل جلاله في شأن موسى: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾()، أو بعده كما قال في شأن لوط: ﴿ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ﴾().

فكما هناك اصطفاء واجتباء رباني فهناك أيضًا من الجهد ومن العمل ما كانوا به أهلاً لهذا، فأرجو أن لا يُهمل هذا المعنى، لأن الكثير يُحيل رفعة المستوى في مثل هذه المواطن للاختيار الإلهي ـ وهو حق وحقيقة ـ لكن كأنما نزل على غير سبب حكيم ، ولكن قد ذكر سبحانه أيضا جزءً آخر من الحقيقة هيأهم بها لتلقى اختياره واصطفائه ، فذكر تعالى أنهم كانوا محسنين – كما ذكرنا عن موسى ويوسف عليهما السلام- وأن هذا الإحسان كان تأهيلاً لقلوبهم أن تتهيأ لتلقي هذه النعم وليكونوا أهلاً لها: لتلقيها، وللقيام بها، وللحفاظ عليها، والارتفاع بها، وأن الاختيار الإلهى اختيار حكيم (وربك يخلق ما يشاء ويختار)()، والله تعالى يسبب هذه الأسباب تهيئة لاصطفائه تعالى، هذا مع عون رب العالمين المبذول لمن توكل عليه من خلقه جميعًا.

 وإن لم نفهم هذا فقد نغلق باب التأسي تمامًا، بينما ربنا سبحانه قد أمرنا بالتأسي برسول الله وهو أعلى مستوى بشرى وأعظم الخلق تعبدًا لله تعالى، والعبد يُقسَم له بحسب جهده وبحسب صدقه وبحسب عون الله له من خلال هذا التأسي ما يصير به أعجوبة للخلق في كل زمان وفى كل بيئة حتى يعجب الخلق أن هناك من غير الأنبياء من يمكن أن يصل لهذا المستوى، وهذا مع حفظ مقامات الأنبياء الكرام، وأنه لا يكون أحد يساويهم لا في الدنيا ولا في الآخرة، فالأنبياء خير من جميع الأولياء، لكن المقصود فقط هو فتح باب التأسي وبيان مأخذه.

*  *  *

() تفسير النسفي، جـ 4، ص 23.

()سورة ص، الآيات: 30، 44، 25، 39 - 40،  45 - 48.

()سورة يونس، الآية: 43.

()تفسير ابن كثير، جـ 2، ص 550.

()سورة غافر، الآية: 51.

()سورة الروم، الآية: 47.

() مجموع الفتاوى، جـ 11، ص 160.

()سورة القمر، الآيات: 10 - 17.

()سورة الأعراف، الآيات: 90 - 92.

()تفسير ابن كثير، جـ 2، ص 310.

()سورة الأعراف، الآية: 60.

()سورة الأعراف، الآيات: 64.

() يراجع مدارج السالكين.

()سورة يوسف، الآية: 22.

() سورة القصص، الآية: 14.

() سورة العنكبوت، الآية: 26.

()وهذا الاختيار اختيارحكيم يختار الله تعالى أفضل الخلق؛ فقد روى مسلم فى صحيحه «عن أبي عمار شداد أنه سمع واثلة بن الأسقع يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم». صحيح مسلم  جـ4، صـ 1782، رقم 2276

بقلم: 
الموقع
المصدر: 
الموقع