تقف كثيرًا أمام هذه الشخصية الفريدة .. شخصية إبراهيم عليه السلام:

1- وضوح رؤية تام، وقوة في بصيرته بأن يرى الأمور على حقيقتها وقوة وضوح تمنعه أن يُخدع، ولم يقف عند هذا الحد بل قوة في المبادأة والعمل والمواجهة.

عندما يقول: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾().

بكل هذا الوضوح: يذكر صفة ﴿ أَصْنَاماً ﴾ قبل أن يذكر ﴿ آلِهَةً ً﴾ ليُظهِر هذه الحقيقة، بل يصفهم بقوة وثبات: ﴿إ ِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ أي قوة هذه؟.

قوة في الوضوح وقوة في العمل والمواجهة.

وانظر في موضع آخر يقول تعالى عنه: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ *إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ *قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ *قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ *قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ *قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾()، يذكر صفة ﴿ التَّمَاثِيلُ ﴾ أولاً لأنها الحقيقة، ثم وصف ما يفعلون من الشرك المفتَرى.

وفى موضع ثالث يقول تعالى حاكيًا عنه ما قاله لقومه: ﴿ إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ *إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ *أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ *فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾()، أكذبًا وافتراءً واختلاقًا تتخذون آلهة، ويذكر الاختلاق والافتراء والكذب أولاً لبيان حقيقة الحال التي يراها.

وأما المبادأة: فإنه نسف هذا الضلال من أساسه وكسر أصنامهم وأهانها ودفعهم لمواجهته، ثم لما واجهوه عرّاهم حتى بان عوارهم أمامهم: ﴿ إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ *إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ *أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ *فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، ﴿ فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ *ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ *قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ *أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾().

أي شخصية هذه؟ هذا الموقف وراءه بُعد لهذا العبد العظيم يجب البحث عنه والتأثر به .. فتربية الوضوح والبصيرة، وتربية الموقف والعمل والمبادأة، وعدم الغوغائية وعدم السلبية وعدم الانسياق وراء كل ناعق أو راقص أو سفيه أو تافه كما في أيامنا .. إنه لم يسمح لأحد أن يستخف بعقله .. هذا نحتاجه اليوم كثيرًا.

لم يتلاعب بواقعه بل رآه كما هو .. ثم فَزَّعهم حتى دفعهم لمواجهته مواجهة غير مسبوقة فنصره الله وأعلى سعيه، وخذلهم ورد كلمتهم.

هذا يحتاج إلى معايشة لتتغير شخصياتنا التي هي نتاج الأوضاع الذليلة والمترعة بالشهوات.

2- التسليم إلى آخر حد ، حتى ذبْح ابنه .. والتسليم قبلها بترك الأهل بوادٍ غير ذي زرع.

3- التوكل، الثقة في الله، واليقين به، وحسن الظن فيه، والتفويض إليه، والاعتماد عليه اعتمادًا كاملاً .. كان هذا حاله عندما أُلقِي في النار .. وعندما هاجر .. وعندما ترك أهله بالحجاز .. وحين هم بذبح ولده. وهكذا دائمًا ..

لكن هل كان هذا وليد لحظة؟.

إن التوكل قوة ضخمة يقطع به الإنسان في لحظات ما يقطعه غيره في سنوات، ويقوى به على ما لا يقوى عليه غيره في التعبد وفي تغيير الحال وفي المواقف.

فالتوكل به يتعبد الإنسان وبه يغير نفسه، وهو يحتاج إلى مران وتدريب قلبي حتى يخلص اعتماده على الله تعالى ـ مع الأخذ بالسبب ـ وهو ما يعبر عنه المسلم بقولـه "لا حول ولا قوة إلا بالله".

()سورة الأنعام، الآية: 74.

() سورة الأنبياء، الآيات: 51 - 56.

() سورة الصافات، الآيات: 84 - 87.

() سورة الأنبياء، الآيات: 64 - 67.

بقلم: 
الموقع
المصدر: 
الموقع