هود عليه السلام

بعض الأنبياء، لم يحملوا معجزة مادية بل حملوا معجزتهم في صدورهم .. في يقينهم بالله وبيّنتهم في دعوتهم.

هود عليه السلام يقول ابن القيم وابن أبي العز شارح الطحاوية أنه من الأنبياء الذين لم يكن لهم معجزات مادية قوية لكن معجزته كانت واضحة جدًا في بيّنته وإيمانه:

﴿ قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ *إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ *مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ *إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾.

يقول ابن القيم فى كلام هام ونفيس: «حتى إن من أخفى آيات الرسل آيات هود عليه السلام حتى قال له قومه: يا هود ما جئتنا ببينة، ومع هذا فبينته من أظهر البينات وقد أشار إليها بقوله: ﴿ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ *مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ *إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾، فهذا من أعظم الآيات أن رجلاً واحدًا يخاطب أمة عظيمة بهذا الخطاب غير جزع ولا فزع ولا خوار بل واثق مما قاله جازم به قد أشهد الله أولاً على براءته من دينهم ومما هم عليه إشهاد واثق به معتمد عليه معلم لقومه أنه وليه وناصره وأنه غير مسلطهم عليه.

ثم أشهدهم إشهاد مجاهر لهم بالمخالفة أنه بريء من دينهم وآلهتهم التي يوالون عليها ويعادون ويبذلون دماءهم وأموالهم في نصرتها.

ثم أكد عليهم ذلك بالاستهانة بهم واحتقارهم وازدرائهم وأنهم لو يجتمعون كلهم على كيده وشفاء غيظهم منه ثم يعاجلونه ولا يمهلونه، وفي ضمن ذلك أنهم أضعف وأعجز وأقل من ذلك وأنكم لو رمتموه لانقلبتم بغيظكم مكبوتين مخذولين.

ثم قرر دعوته أحسن تقرير وبين أن ربه تعالى وربهم الذي نواصيهم بيده هو وليه ووكيله القائم بنصره وتأييده وأنه على صراط مستقيم فلا يخذل من توكل عليه وآمن به ولا يشمت به أعداءه ولا يكون معهم عليه فإن صراطه المستقيم الذي هو عليه في قوله وفعله يمنع ذلك ويأباه.

وتحت هذا الخطاب أن من صراطه المستقيم أن ينتقم ممن خرج عنه وعمل بخلافه وينزل به بأسه فإن الصراط المستقيم هو العدل الذي عليه الرب تعالى، ومنه انتقامه من أهل الشرك والإجرام ونصره أولياءه ورسله على أعدائهم، وأنه يذهب بهم ويستخلف قومًا غيرهم ولا يضره ذلك شيئًا، وأنه القائم سبحانه على كل شيء حفظًا ورعايةً وتدبيرًا وإحصاءً.

فأي آية وبرهان ودليل أحسن من آيات الأنبياء وبراهينهم وأدلتهم وهي شهادة من الله سبحانه لهم بينها لعباده غاية البيان وأظهرها لهم غاية الإظهار بقوله وفعله وفي الصحيح عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ؛ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة»..

ومن أسمائه()تعالى (المؤمن) وهو في أحد التفسيرين المصدِّق الذي يصدق الصادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم فهو الذي صدق رسله وأنبياءه فيما بلغوا عنه، وشهد لهم بأنهم صادقون بالدلائل التي دل بها على صدقهم قضاءً وخلقًا، فإنه سبحانه أخبر وخبره الصدق وقوله الحق أنه لابد أن يُرى العباد من الآيات الأفقية والنفسية ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغته رسله حق فقال تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾، أي القرآن فإنه هو المتقدم في قوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ ﴾، ثم قال: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾، فشهد سبحانه لرسوله بقوله أن ما جاء به حق ووعده أن يُرى العباد من آياته الفعلية الخلقية ما يشهد بذلك أيضًا.

ثم ذكر ما هو أعظم من ذلك وأجل وهو شهادته سبحانه على كل شيء فإن من أسمائه الشهيد الذي لا يغيب عنه شيء ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء بل هو مطلع على كل شيء مشاهد له عليم بتفاصيله، وهذا استدلال بأسمائه وصفاته، والأول استدلال بقوله وكلماته، والاستدلال بالآيات الأفقية والنفسية استدلال بأفعاله ومخلوقاته»().

وذكر مثل هذا ابن أبى العز شارح الطحاوية رحمه الله عنه أو عن شيخ الإسلام.

يقول الأستاذ سيد قطب: «ونقف أمام تلك المواجهة الأخيرة من هود لقومه; وأمام تلك المفاصلة التي قذف بها في وجوههم في حسم كامل, وفي تحد سافر, وفي استعلاء بالحق الذي معه, وثقة في ربه الذي يجد حقيقته في نفسه بينة: ﴿ قَالَ: إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ، وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ، فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ. إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم، مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا، إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ، وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً، إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾.

إن أصحاب الدعوة إلى الله في كل مكان وفي كل زمان في حاجة إلى أن يقفوا طويلاً أمام هذا المشهد الباهر .. رجل واحد, لم يؤمن معه إلا قليل, يواجه أعتى أهل الأرض وأغنى أهل الأرض وأكثر أهل الأرض حضارة مادية في زمانهم, كما جاء عنهم في قول الله تعالى فيهم حكاية عما واجههم به أخوهم هود في السورة الأخرى:

﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ: أَلَا تَتَّقُونَ؟ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ. أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ؟ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ. وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ. أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ. وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قَالُوا: سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ. إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ. وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ!﴾.

فهؤلاء العتاة الجبارون الذين يبطشون بلا رحمة; والذين أبطرتهم النعمة; والذين يقيمون المصانع ()يرجون من ورائها الامتداد والخلود! .. هؤلاء هم الذين واجههم هود ـ عليه السلام ـ هذه المواجهة. في شجاعة المؤمن واستعلائه وثقته واطمئنانه; وفاصلهم هذه المفاصلة الحاسمة الكاملة ـ وهم قومه ـ وتحداهم أن يكيدوه بلا إمهال. وأن يفعلوا ما في وسعهم فلا يباليهم بحال!

لقد وقف هود ـ عليه السلام ـ هذه الوقفة الباهرة، بعدما بذل لقومه من النصح ما يملك؛ وبعد أن تودد إليهم وهو يدعوهم غاية التودد .. ثم تبين له عنادهم وإصرارهم على محادة الله وعلى الاستهتار بالوعيد والجرأة على الله ..

لقد وقف هود ـ عليه السلام ـ هذه الوقفة الباهرة لأنه يجد حقيقة ربه في نفسه، فيوقن أن أولئك الجبارين العتاة المتمتعين المتبطرين إنما هم من الدواب! وهو مستيقن أنه ما من دابة إلا وربه آخذ بناصيتها; ففيم يحفل إذن بهؤلاء الدواب?! وإن ربه هو الذي استخلفهم في الأرض, وأعطاهم ما أعطاهم من نعمة ومال وقوة وبنين وقدرة على التصنيع والتعدين! للابتلاء لا لمطلق العطاء. وأن ربه يملك أن يذهب بهم ويستخلف غيرهم إذا شاء، ولا يضرونه شيئًا، ولا يردون له قضاء .. ففيم إذن يهوله شيء مما هم فيه، وربه هو الذي يعطي ويسلب حين يشاء كيف شاء? ..

إن أصحاب الدعوة إلى الله لابد أن يجدوا حقيقة ربهم في نفوسهم على هذا النحو حتى يملكوا أن يقفوا بإيمانهم في استعلاء أمام قوى الجاهلية الطاغية من حولهم .. أمام القوة المادية. وقـوة الصناعة. وقـوة المال. وقـوة العلم البشري. وقـوة الأنظمة والأجهزة والتجارب والخبرات .. وهم مستيقنون أن ربهم آخذ بناصية كل دابة; وأن الناس ـ كل الناس ـ إن هم إلا دواب من الدواب!.

وذات يوم لابد أن يقف أصحاب الدعوة من قومهم موقف المفاصلة الكاملة; فإذا القوم الواحد أمتان مختلفتان().. أمة تدين لله وحده وترفض الدينونة لسواه. وأمة تتخذ من دون

الله أربابًا، وتحاد الله!.

ويوم تتم هذه المفاصلة يتحقق وعد الله بالنصر لأوليائه, والتدمير على أعدائه ـ في صورة من الصور التي قد تخطر وقد لا تخطر على البال ـ ففي تاريخ الدعوة إلى الله على مدار التاريخ! لم يفصل الله بين أوليائه وأعدائه إلا بعد أن فاصل أولياؤه أعداءه على أساس العقيدة فاختاروا الله وحده .. وكانوا هم حزب الله الذين لا يعتمدون على غيره والذين لا يجدون لهم ناصرا سواه»ا.هـ().

وصنو هذه الآية موقف نوح في سورة يونس: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ *فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾().

ولهذا يربط الحافظ ابن كثير كلا هاتين الآيتين ببعضهما، ويفسر إحداهما بالأخرى، فيقول في آية يونس:

«يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ أي: أخبرهم واقصص عليهم أي على كفار مكة الذين يكذبونك ويخالفونك ﴿ نَبَأَ نُوحٍ ﴾ أي: خبره مع قومه الذين كذبوه كيف أهلكهم الله ودمرهم بالغرق أجمعين عن آخرهم ليحذر هؤلاء أن يصيبهم من الهلاك والدمار ما أصاب أولئك ﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم ﴾ أي: عظم عليكم ﴿ مَّقَامِي ﴾ أي: فيكم بين أظهركم ﴿ وَتَذْكِيرِي ﴾ إياكم ﴿ بِآيَاتِ اللّهِ ﴾ أي: بحججه وبراهينه ﴿ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ أي: فإني لا أبالي ولا أكف عنكم سواء عظم عليكم أو لا ﴿ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ﴾ أي: فاجتمعوا أنتم وشركاؤكم الذين تدعون من دون الله من صنم ووثن ﴿ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ﴾ أي: لا تجعلوا أمركم عليكم ملتبسًا بل افصلوا حالكم معي فإن كنتم تزعمون أنكم محقون فاقضوا إليّ ﴿ وَلاَ تُنظِرُون ﴾ أي: ولا تؤخروني ساعة واحدة أي مهما قدرتم فافعلوا فإني لا أباليكم ولا أخاف منكم لأنكم لستم على شيء، كما قال هود لقومه: ﴿ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ *مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ *إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم ﴾»().

كيف نصل لهذه البينة والوضوح وكيف نصل لهذه الثقة ولهذه القوة، ولهذا الموقف؟.

كيف نرى أن كل ما سوى الله دواب مأخوذة من نواصيها بيد الله تعالى فيتحرر القلب من ذل الخوف والرهبة ويتطلع لله فقط خوفًا ًورغبة؟.

كيف؟ وهل ذِكْر كلمات هود في القرآن تفتح لنا هذا وتذكرنا به؟ وتلح عليك أن تحتك به وتعايشه وتحاول التأثر بهذا الرجل العظيم؟.

هنا تعايش .. وهنا موضع الأسوة، بل وهنا الهَمْ إن لم نكن على هذا الدرب وإن لم نصل لهذا المستوى العظيم.

ولعل هذا ما دفع امرأة للإنكار على ابن سيرين قراءته الكثيرة وقالت إني في سورة هود منذ ثلاثة أشهر لم أفرغ منها().

كذلك نفس الثقة واليقين في موقف موسى: ﴿ فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ *فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ *قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾().

يخشى الناس كلهم عندما تنسد أبواب النجاة ومنافذها .. فيبقى إيمانه يقول: ﴿ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾: ﴿ فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ *فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ *قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ *فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ﴾().

وإبراهيم حين ألقي في النار فيكتفي بربه حسبًا كافيًا ووكيلاً يكل إليه أمره مع ثقة ويقين وتفويض إليه جل جلاله (حسبي الله ونعم الوكيل).

ووضوح رائع ويقين أيضًا مع شعيب عليه السلام أن عبادته وطاعته لغير الله تعالى كذب بل افتراء للكذب وباطل ومخالف للحق، وبالتالي فهو لا يستطيع بأي حال التراجع عن هذا الحق الذي يحمله بغض النظر عن حجم وشكل وماهية التهديد الذي يتوعدونه به:

﴿ قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ *قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ﴾().

وانظر إلى خير الخلق وهو في الغار عندما يقلق أبو بكرـ رضى الله عنه  ـ أن يراهم المشركون ويخاف على هذا الدين فيقول: لو أن أحدهم نظر تحت قدمه لرآنا فيكون رده الكريم صلى الله عليه وسلم: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟»، فتنزل هذه الآيات الكريمة: ﴿ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾().

وكلها مواقف إشهاد لله تعالى لإظهار الحق، ولا يَقْدُم أحد عليها ولا يثبت إلا أن يكون الله ورضاه والجنة آثر عنده من كل شيء ولو في حال رؤيته للموت وتهديده به.

اليقين الذي لا يهتز إذا شك الجميع ..

والثقة والثبات والاطمئنان الذي يتمسك به إذا اضطرب الجميع حتى حين يوقن الصديق والعدو بالهلاك. ويبقى هناك اليقين بالله والعلم به مع حسن الظن به والتوكل عليه .. نحتاج إلى أن ننفق أعمارنا في الوصول لهذه المعاني وتمثُّل هذا الإيمان.

() الكلام متصل لابن القيم رحمه الله.

() مدارج السالكين، جـ 3، ص 464 - 466.

()القصور الضخمة.

() يعنى من يرفض الاسلام كهوية وكشريعة عامة لازمة .. من اللادينيين الذين يُسمون أنفسهم تسمية محرفة بـ ( العلمانيين) ، فى مقابل من لا يقبل غير شريعة الله تعالى ولا يرتبط الا بولاء الاسلام .

() سيد قطب، في ظلال القرآن.

()سورة يونس، الآيتان: 71 - 72.

() تفسير ابن كثير، جـ 2، ص 559.

() راجع زاد المعاد.

()سورة الشعراء، الآيات: 60 - 62.

()سورة الشعراء، الآيات: 60 - 63.

()سورة الأعراف، الآيتان: 88 - 89.

() سورة التوبة، الآية: 40.

بقلم: 
الموقع
المصدر: 
الموقع