تكنولوجيا اليورانيوم المنضّب (1)

نضّبوه لمصالحهم، فلا بدّ لهم من ساحة حرب ليدفنوه بعيداً عنهم، فهو سلاح سري يقتل الناس دون تخريب العمارات
أعلنت المختبرات السويسرية في منتصف شهر شباط من هذا العام وقبلها المختبرات الألمانية، عن أنها تمكنت من العثور على بقايا (traces) من عنصر الراديوم في مخلفات القصف الجوي والمدفعي الذي تعرضت له يوغسلافيا، أثناء »تأديب« الحلف الأطلسي للنظام الصربي بزعامة (ميلوسيفيتش) أثناء حرب كوسوفو.
ويعني ما أعلنته تلك المختبرات عن وجود هذه البقايا من عنصر الراديوم، وبما لا يقبل الشك، أن الحلف قد استخدم قذائف تحتوي على اليورانيوم المنضّب أو المستنزف، ولم ينفِ الأمريكيون أو الأطلسيون أساساً أنهم استخدموا هذه القذائف، إلا أن تقرير المختبرات هذا هو نقطة البدء لحساب ملف يفتح الآن لدراسة أخطار اليورانيوم المنضّب هذا.
فاليورانيوم المنضّب: هو بقايا الوقود النووي الذي لم يعد مجدياً - عملياً - في المفاعلات النووية سواء التجريبية منها أو الصناعية السلمية، وقد استخدم الحلف هذه القذائف المصنعة من البقايا النووية، بدلاً من أن يفكر في إيجاد مقابر لها في أراضيه، ثم إنها أبلغ في تخريب البناء البشري الحي دون الحاجة إلى تقنيات التصويب الدقيق.. وهي أيضا تقتل الناس والأحياء عموماً دون المساس بالمنشآت والعمران، ويظنون بذلك أنهم أوجدوا قاتلاً سرياً لحسابهم وعليهم أن يعتّموا تماماً على فعل هذا القاتل الذكي، ولذا وبالرغم من الضجيج الإعلامي بالشكوى من استعماله حتى من قبل جنودهم الذين شاركوا في حرب الخليج الثانية، إلا أنهم لا زالوا لم يذعنوا لحقيقة الأمر، وكأن الذي يقال عن مخاطر استعمال هذا السلاح هو هراء إعلامي، أو إنهم بإعراضهم هذا يريدون أن يظهروا للرأي العام بأنهم لا يعلمون أن لهذا السلاح هذا الخطر الخبيث وهم رواد الحرية والمدافعون عن حقوق الإنسان!.
لقد تلقى العراق حسب إحصاءات غربية أطلسية خلال حرب الخليج الثانية (940) ألف قذيفة يورانيوم منضب أمريكية الصنع، وهو ما يساوي تماماً (350) طناً من اليورانيوم المنضّب هي فقط مخلفات القصف، وهذا يعني بحساب فترة نصف العمر التي سنتحدث عنها، أن العراق سيبقى ملوّثاً لمئات الملايين من السنين، وهذا بحد ذاته أمر مرهب ومرعب، ولو أن العالم ينتبه الآن إلى أن (200) ألف جندي من أصل نصف مليون شاركوا في حرب الخليج الثانية قد أصيبوا بالإشعاع وبدت عليهم أعراضه، لو تنبه العالم لهذا وما يعنيه بالنسبة للعراق والمنطقة العربية، لأدركوا حجم الكارثة التي تنتظر شعوب هذه المنطقة إزاء هذا القاتل السري الذكي الرهيب لصالح إسرائيل والذي سيبقى يمارس مهامه دون مضايقة لما بقي من عمر الأرض.
إن الأثر التدميري الشامل لليورانيوم المنضّب على حياة البشر والبشرية وكل معاني الحياة والأحياء من حيوان ونبات، يأتي مما فيه من بقايا إشعاع.
فلابدّ لكل ذي ضمير حي أن يتحرك لتنظيف البيئة من آثار هذا الفاتك الفظيع والملوث البيئي المستديم، فهو يحمل بنفس طويل آثار تدميرية شاملة.
إن الغربيين وخصوصاً الأمريكان يتكتمون على الحديث عن وليدهم المجرم هذا، ولا أدري بالضبط علة لهذا التكتم، مع أن بعض الوسائل الإعلامية الغربية قد تحدثت عن تفاصيل علمية وتقنية حول هذا السلاح، وتحدثت باقتضاب عن آثاره ومخاطره المدمرة للإنسان والبيئة الحية، مثلما كشف الرئيس السابق لمشروع مكافحة اليورانيوم المنضّب البروفيسور (ميجر دوج روكه) بعض التفاصيل عن مخاطره وتكتم على كثير من التساؤلات التي تخص علل الإصرار على استعماله مع إمكانية الحسم العسكري دونه؟‍‍!.
إننا وفي محاولة لابد منها، وبإشراك الجهات المستعملة لهذا السلاح، لابدّ أن نضع خرائط لمواقع استعمال هذا السلاح، في سبيل عملية مسح لأماكن النشاط الإشعاعي، من أجل وضع استراتيجية لتجنيب الناس والأحياء ومنابع الثروات المائية والزراعية مخاطر الإشعاع، بل وليسهم العالم في مسح عام لمناطق استعمال هذا السلاح بواسطة عدادات (جايجر)، لمعرفة مكامن الخطر وتحذير الناس منها.
قد تكون محاولات يائسة ولكنها على كل حال أقل كلفة من معشار كلفة الحروب التي ألقي فيها هذا السلاح، وأجدى في نفع الناس والبيئة.
والواقع هو أن الإشعاع موجود كونياً، وفي كل البيئات بنسب مختلفة، وكلما زادت نسبته في بيئة ما ازداد أثره التخريبي للحياة في تلك البيئة، حتى إذا ما بلغت تلك النسبة حداً معيناً صار يتسبب في ضرر منظور كبير، ينجم إما عن تجمع بقاياه في الجسم ليخرب التصميم البنائي الكيماوي للحامض النووي، أو إنها بذاتها جرعة قاتلة أكيدة، لا يثبت للحياة معنى مميز مع وجوده كطاقة نافذة توقف كل طاقة أو نشاط حيوي للجسم الحي من أصله ومنبعه، هو ذلك التصميم البنائي الكيماوي للحامض النووي آلـ(DNA) حيث تكمن شفرة الحياة ومورثاتها ومعانيها.
لذا فإن هناك عدادات تسمى عدادات (جايجر) تقيس نسبة الإشعاع في الأجسام عند مرورها عليها، بل وحتى في البيئات والأجواء الموجودة فيها، ومثل هذه العدادات موجودة في كل المؤسسات النووية والتي تتعامل مع العناصر الثقيلة والمشعة، ويخضع لها العاملون في تلك المؤسسات يومياً وبتكرار، للتأكد من سلامتهم من الإصابة بالجرعات المخيفة، بالرغم من وسائل الوقاية التي يستخدمونها وأساليب العمل المتحرز جداً.
فما هو اليورانيوم المنضّب؟ وما هو تأثيره..؟ وكيف يتسبب في الدمار الشامل؟!
من أجل فهم الإجابة تماماً لابدّ أولاً من إحاطة بسيطة بمعاني الإشعاع النووي:
الإشعاع الطبيعي للعناصر الثقيلة في الكون:
اكتشف هنري بيكرل عام 1896م أن عنصر اليورانيوم يصدر إشعاعات شديدة النفاذية، فهي تؤثر في أفلام التصوير، كما إن أشهر المشتغلين على الإشعاع الطبيعي للعناصر هما بيير كوري وماري كوري، قد وجدا أن الإشعاع هو ناتج لتفكك ذرة عنصر اليورانيوم تلقائياً معطية ذرات عناصر أخرى.
ذلك أن النواة تتألف من بروتونات ونيوترونات (نيكليونات)، وهي ترتبط بعضها ببعض في داخل النواة بقوة ارتباط تسمى (طاقة الارتباط النووي)، وهي التي تمنع تنافر البروتونات مع كونها متشابهة في الشحنة الموجبة.
ولكي نوضح معنى قوة الارتباط هذه في النواة، دعونا نتصور أننا نقوم نظرياً بتركيب نواة ما من البروتونات والنيوترونات بإضافة نيكليون تلو الآخر إلى أن تتكون النواة المفروضة، وفي نهاية العملية نجد أن كتلة النواة أقل بقليل من مجموعة كتلة النيكليونات المكونة لها.
وقد تحول هذا النقص في الكتلة في الواقع إلى طاقة انتشرت في أثناء تركيب النواة تدعى (طاقة ارتباط النواة) والتي تحسب من علاقة أينشتاين:
الطاقة= الكتلة المتحولة × مربع سرعة الضوء.
وقد ميّز العاملون في الكيمياء النووية في داخل النواة قوتين هما:
1- قوة تجاذب: لا علاقة لها بنوع النيكليون.
2- قوة تنافر: أيضاً لا علاقة لها بنوع النيكليون.
وعلى هذا فإن العناصر كلما ثقلت وازداد عددها الذري والكتلي، كلما قل ثباتها. كما إنّ العناصر التي يزيد عددها الذري فوق الـ(85) - وخصوصاً فيما فوق آلـ(90) - فإنها تعاني من عدم الاستقرار في نواها، وهي في الغالب تقع في عدة نظائر، وإن نظائر العنصر الواحد هي ذراته التي لها نفس العدد من البروتونات (أي عدد ذري واحد)، ولكنها تختلف في عدد النيكليونات (أي تختلف في أعدادها الكتلية)، ولذا فإن نظائر العنصر الواحد لها نفس الخواص الكيماوية ولكنها تختلف في الخواص الفيزيائية، وعلى أساس هذا الاختلاف في الخواص الفيزيائية يتم فصل نظائر العنصر الواحد عن بعضها البعض وبدرجة كبيرة من النقاوة في جهاز يسمى (مطياف الكتلة - Mass Sepctrum).
ومن هذه النظائر المشعة طبيعياً نظير عنصر اليورانيوم المسمى يورانيوم(238) وهذا الرقم هو عدد كتلة هذا النظير، ونظير عنصر اليورانيوم أيضاً المسمى يورانيوم (235) وهذا الرقم هو عدد كتلة هذا النظير، ويسمون اليورانيوم (235) بالمخصّب، حيث هو مصنّع من تخصيب نظائره بالقذائف النووية لاستعماله في الطاقة النووية.
إن الإشعاع الطبيعي هو التفكك التلقائي لنظير عنصر ثقيل مشع في نواته، فالتفكك هذا يرافقه دوماً إصدار طاقة بشكل إشعاع نافذ.
تنطلق من نوى الذرات المشعة - عند التفكك التلقائي لنظير عنصر ثقيل مشع - دقائق عالية السرعة، وقد تبين أنها تصدر عن النواة وهي:
1- دقائق ألفا: ويرمز لها بالرمز ()، وتتألف من نيوترونين وبروتونين، وتطابق كل دقيقة منها نوى ذرة الهيليوم.
2- دقائق بيتا: ويرمز لها بالرمز (ß ) وتتألف من إلكترونات عالية السرعة.
3- أشعة (غاما): يرمز لها بـ() وتتألف من أمواج كهرطيسية تشبه الأشعة السينية ولكنها أكثر نفوذاً من دقائق ألفا وبيتا.
والآن نعود إلى مدلولات عثور مختبرات سويسرا وألمانيا على بقايا الراديوم في مخلفات القصف الأطلسي للصرب..
ذلك لأن صدور الإشعاع من عنصر مشع مثل اليورانيوم يؤدي بالضرورة إلى تكوين عنصر آخر، وهذا الأخير إذا صدر منه إشعاع أيضاً فإنه بالضرورة يؤدي إلى تكون عنصر ثالث حتى بلوغ عنصر مستقر في النهاية.
إذن؛ فسلسلة الإشعاع الطبيعي هي مجموعة من العناصر تتكون بدءاً من عنصر مشع وحيد، وذلك بإصداره لدقائق ألفا أو بيتا مع أشعة غاما. ومع أن كل عنصر يؤدي إلى تكوين ذرة عنصر آخر، فإن السلسلة تبدأ بالنضوب الإشعاعي (Desintgration) للعنصر الأول، متابعةً لهذا النضوب من عنصر إلى آخر منتهية بتكوين عنصر غير مشع.
لذا فإن عثور المختبر على هذا العنصر غير المشع لا ينفعنا في الإثبات على استخدام العنصر المشع، ذلك لأن العنصر غير المشع موجود دوماً في الطبيعة، ولكن الذي ينفع في الإثبات لاستخدام العنصر المشع هو العنصر الوسطي بين المشع والمستقر في السلسلة المشعة طبيعياً من العناصر، وبالنسبة للراديوم هو العنصر الوسطي في سلسلة اليورانيوم
يعتبر اليورانيوم من أهم العناصر المشعة طبيعياً، وهو مما له مصادر طبيعية في القشرة الأرضية، ويقع في خمسة نظائر طبيعية هي الأولى في سلاسل الإشعاع الطبيعي والتي تنتهي بالرصاص (pb) عند استقرارها بنفاذ الإشعاع منها.
أهم نظائر اليورانيوم كما قلنا هو النظير (238)، والنظير الثاني والمهم جداً هو النظير (235)، وهذه الأرقام التي سميت بها نظائر اليورانيوم هي أعداد كتل نواتهما.
يستخدم الأول في البحوث والدراسات والتشخيص وفي العلاج الكيماوي وأهم استعمالاته في تحسين الزراعة والمتابعة التجريبية.
أما الثاني (235) فيستخدم في المفاعلات النووية لاستغلال طاقته سلمياً، وتصنيع القنبلة الذرية والهيدروجينية (الاندماجية والانشطارية).
أما الاستنزاف والتنضيب لليورانيوم المخصب (235) فيحصل عن طريق استخدامه كوقود نووي في المفاعلات النووية، حيث محطات الطاقة، أو في تشغيل بعض الغواصات العملاقة وحاملات الطائرات.. الخ.
إذ تتم السيطرة على إشعاعه بعد تخصيبه بواسطة أجهزة المعجلات (Accelerators) من أجل الحصول على الحد المناسب من الطاقة النووية وفق نظام المفاعل النووي المعمول به.. فإذا نضب ذلك الوقود واستنزف إشعاعه إلى الحد المجدي وجب أن يتخلصوا منه كنفاية، ولكن ليس كبقية النفايات!!
ومن أجل توضيح معاني وجود الراديوم في بقايا وآثار القصف الجوي لقذائف الحلف الأطلسي، فلابدّ أولاً من أن نعرف أن العنصر المشع إنما يفقد هذا الإشعاع من نواته بسبب عدم استقرارها، إذ تنوء بعدد هائل من النيكليونات، وتنطوي على قدر كبير من الطاقة المحبوسة.. وهذا الإشعاع بمثابة التنفيس لهذه الطاقة المضغوطة الذي تنوء به النواة.
فمثلاً العناصر التي تشع بإصدار دقيقة ألفا إنما تفقد من عدد كتلتها (4) ومن عددها الذري (2)، ليكون العنصر التالي بعد الإشعاع أقل من العنصر الأول في عدد كتلته بـ(4) وأقل في عدده الذري بـ(2).
ومن طبيعة إشعاع كل عنصر مشع أنه يحتاج إلى فترة خاصة به لازمة لتتحول فيها نصف كتلته إلى العنصر التالي، نسميها فترة (نصف عمر المادة المشعة)، وهي في العناصر تتراوح بين أجزاء من الثانية وملايين السنين.
ولقد اعتبر اليورانيوم في سلسلة تحولاته إلى العناصر الأخرى أكثر استقراراً في الرصاص، وكمرحلة وسطية منظورة في الراديوم حيث فترة نصف عمره تساوي (1620) سنة، وإليك معادلات إشعاع اليورانيوم بنظيريه المعروفين والمستخدمين:
ثم يستمر الإشعاع والتحول من الراديوم حتى الرصاص حيث يستقر، ويتوقف الإشعاع والتحول.
ولذا عثرت المختبرات على الراديوم كبقية وسطية لليورانيوم الناضب في القذائف وعلى الأرض بسبب طول فترة نصف عمره، وكونه حالة وسطية لعمليات الإشعاع والتحول للوقود اليورانيومي.
إن فترة نصف عمر العنصر المشع تعني من الناحية النظرية أنه لا ينتهي من الوجود على الإطلاق، وإن كان يستنزف في الاستعمال، بل ينضب كوقود ذي جدوى، ليصبح نفاية يصعب التخلص منها. واليورانيوم في واقع شكله كوقود يكون بشكل قضبان أو كرات من الكرافيت الحاوية له، وعند استنزافها يصير التخلص منها مكلفاً، بل ويلقى معارضة قوية من أنصار البيئة في إيجاد مقبرة له.. ولذا تفتق ذهن عمالقة الدمار الشامل وروّاد الحرية والمدافعين عن حقوق الإنسان، عن طريقة لاستخدامه في القذائف الحربية ضد خصومهم، حيث هو قاتل سري يقضي على البشر والحياة فقط دون أن يترك دماراً ملحوظاً في العمارات والمنشآت والآليات.
إن الغريب العجيب هو أن خطر هذا السلاح القاتل والخفي والمدمر لا يطال الأشخاص المسببين لهذه الحرب، فهؤلاء الأعداء - من الطرفين - هم الذين يقررون استعمال هذا السلاح، ورؤساء الدول المضروبة بهذا السلاح، لا يطالهم الإشعاع في حين يطال جنود الطرفين إضافة إلى المدنيين في أرض الدولة المضروبة.. وهذا هو الغريب العجيب!!.
المصدر: 
بيوتات الكيمياء التعليمية